مصارف الشام قبل التأميم

مصارف الشام قبل التأميمالمشهد  سامي مروان مبيض

في صيف 1961، دخل أحد موظفي حكومة الوحدة على مقر “البنك العربي” بدمشق لمصادرته، بموجب قرار التأميم الموقع من قبل جمال عبد الناصر. قررت الدولة يومها دمجه مع بنك آخر وإعادة تسميته ببنك الفيحاء. قال أمام الموظفين: “لقد أصبحنا شركاء في المصرف”، فرد عليه مدير البنك، رفيق سيوفي، قائلاً: “لا، لستم شركاء، فأنتم استوليتم على البنك، والشريك هو فقط من يساهم في رأس المال!”.

ضحايا قرارات التأميم

كان هذا المصرف أحد ضحايا قرارات التأميم، ومعه عدد من المصارف العربية العاملة في سورية، إضافة لثلاثة مصارف محلية سورية. كانت المصارف الحديثة قد دخلت دمشق منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، عند افتتاح فرع من “البنك السلطاني العثماني” في سوق العصرونية، شرق القلعة، سنة 1875. تسلَّم إدارته ميخائيل سيوفي، الذي تعلّم أصول العمل المصرفي من العثمانيين، ثم استقال من منصبه ليؤسس أول مصرف عائلي خاص عرفته دمشق، حمل اسمه واسم شريكه وجاره في حيّ القنوات، التاجر ميخائيل صباغ.

صدر مرسوم تأسيس “مصرف صباغ وسيوفي” بتوقيع من والي الشام نوري باشا، في تموز 1894، وكان مقره في خان أسعد باشا في سوق البزورية، حيث كان أحد الشركاء يملك محلاً للتجارة العامة. بقيت تجربة المصرف محلية ولم تشهد توسعاً في المدن السورية، وانتهت بصمت عند إغلاق “بنك صباغ وسيوفي”، بعد وفاة أحد الشركاء عام 1943.

جاء المصرف الثاني بعد “بنك صباغ وسيوفي” بخمس سنوات عام 1899، وحمل اسم “بنك زلخا”، لصاحبه اليهودي العراقي خضوري زلخا، الذي درس في مدارس الأليانس اليهودية وتدرّب على العمل المصرفي في بغداد. أنشأ فروعاً لمصرفه في القاهرة ودمشق، خلف القلعة بسوق العصرونية القريب من سوق الحميدية، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة وتوفي هناك عام 1956. توقف مصرفه عن العمل في دمشق مطلع الخمسينيات، وبقي المبنى قائماً حتى عام 2016، عندما التهمته نيران حريق كبير نشب بالقرب من الجامع الأموي.

بنك أصفر وسارة

في عام 1910 أُنشأ المصرف الثالث، “بنك أصفر وسارة”، وكان مقره بحي مئذنة الشحم في منطقة الشاغور، واستمر في العمل حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. حمل هذا البنك اسم مؤسسيه بشارة أصفر وخليل سارة، كان الأول مسيحياً مارونياً من حيفا، أسس عام 1881 شركة تجارية للاستيراد والتصدير مع رجل أعمال ألماني مقيم في دمشق، يدعى “السيد لوتيكا”. دخل عليهم الفتى الدمشقي خليل سارة موظفاً عام 1895، بعد إتمام دراسته للغة الفرنسية في بطريركية الروم الكاثوليك في بيروت. نظراً لعمله الدؤوب ومهاراته الحسابية أقترض مبلغاً صغيراً من والده، وكان تاجراً للنحاس، ودخل شريكاً مع بشارة أصفر والسيد “لوتيكا”، وصاروا يصدّرون الصوف والعرق سوس واليانسون وأصنافاً أخرى من منتجات دمشق إلى العالم الخارجي، قبل تأسيسهم للمصرف المذكور.

خلال سنوات الحكم الفرنسي كبر البنك، وأصبح الأشهر في حياة الدمشقيين. اصطدم مع حكومة الانتداب عند فتحه لإحدى بوايكية الميدان لإطعام ثوار الغوطة عام 1926، فقررت فرنسا معاقبة السيدين سارة وأصفر، وبدأت تضيق العمل عليهما، حتى اندلعت الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929. رفض المصرف الحكومي الوحيد يومها، وهو بنك سوريا ولبنان، إعادة جدولة الفواتير التجارية المتعلقة بالمصرف، فوقع المصرف بأزمة مالية خانقة، أدت إلى إفلاسه وتعيين مصفي قانوني من قبل الحكومة السورية. تم تعويض كل المودعين بنسبة مئة بالمئة مع حلول العام 1945، وعاد بعدها خليل سارة إلى مكتبه في سوق الحريقة، وعمل في تجارة الصوف حتى وفاته سنة 1950.

أكمل ابنه جورج سارة المسيرة التجارية، فبعد دراسته للعلوم المالية والقانون في جامعة السوربون في باريس، عمل في مصرف الأسرة حتى عام 1936، عندما زار أبوه رئيسَ الوزراء عطا الأيوبي في مكتبه في السراي الكبير، وسأله الأخير عن الفتى خليل، ثم قال له: “نحن بأمس الحاجة إليه اليوم في الحكومة، فليلتحق بنا ويساهم في بناء اقتصاد هذا البلد”. التحق جورج سارة بوزارة الاقتصاد وأصبح مديراً للتجارة والعمل والصناعة، وكان له الفضل في وضع قانون العمل السوري، وكُلّف بعرضه على مجلس النواب عام 1944. في عهد الزعيم حسني الزعيم كُلّف بوضع القانون التجاري السوري، ومُنح وسام الاستحقاق على خدماته للدولة السورية عام 1957.

إفلاس بنك مرقدة
كان “بنك مرقدة”أحد أشهر المصارف الدمشقية المحلية في النصف الأول من القرن العشرين، نال ثقة التجار بسرعة كبيرة منذ تأسيسه عام 1930، نظراً لسمعة صاحبه الوجيه المسيحي ميشيل مرقدة، عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق. فتح المصرف أبوابه للمودعين في سوق البزورية، مقابل خان السبيعي وحمام نور الدين الشهيد، وصار مصرفاً معتمداً لحوالات رجال الدولة السورية في الفترة ما بين 1936-1939. تعرّض المصرف لهزة قوية عند إفلاس أحد أفراد عائلة مرقدة، الذي كان يعمل صرّافاً في سوق البورصة، فانتشرت إشاعة بين أهالي دمشق تقول بأن المصرف نفسه قد أفلس، فتدفّق الناس لسحب ودائعهم بسرعة عجيبة تفوق قدرة البنك على تأمين السيولة، وكان ذلك خلال الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت سوق الأوراق المالية في نيويورك، وأثرت على المصارف الفرنسية التي كانت مسيطرة على الاقتصاد السوري.

حتى إن أعضاء غرفة التجارة هلعوا عند سماعهم للإشاعة، من دون الرجوع لميشيل مرقدة، مثل تاجر القمر الدين، الحاج سليم الشّلاح، الذي كان حسابه في بنك مرقدة يقارب خمسة آلاف ليرة عثمانية ذهبية، فقام بسحب ألفي ليرة في اليوم الأول، وألف في اليوم الثاني، وعند محاولة سحب ما تبقى من المبلغ قيل له إن إدارة البنك لم تعد قادرة على تأمين المال للمودعين، فتم تعويضه بعقار تجاري مرهون لديها، هو حمام الملكية في شارع الدرويشية، تعود ملكيته لمحمد سعيد السلطجي.

تبيّن يومها أن صغار الكسبة أيضاً كانوا من زبائن بنك مرقدة، وكذلك بعض الشحاذين والمتسولين أمام الجامع الأموي، الذين تظاهروا على مدخل المصرف عند الإعلان عن إفلاسه مطالبين باستعادة “أموالهم”، وصار يطلق على المصرف “بنك الشحاذين”، علماً أنه قام بتعويض كل الزبائن المتضررين من الإفلاس. اليوم ما يزال مقر المصرف موجود بعد أكثر من ثمانين سنة على إفلاسه، وقد تحوّل إلى محل لبيع الموالح والسكاكر لشخص من عائلة الحفار.

كل المصارف المحلية الشهيرة في سورية أغلقت أبوابها قبل التأميم بسنوات طويلة، باستثناء ثلاثة بنوك سورية ظهرت في زمن الوحدة، وكان عمرها قصيراً للغاية

بنك العالم العربي وبنك الشرق العربي والمصارف المتحدة
بهذا تكون كل المصارف المحلية الشهيرة قد أغلقت أبوابها قبل التأميم بسنوات طويلة، باستثناء ثلاثة بنوك سورية ظهرت في زمن الوحدة، وكان عمرها قصيراً للغاية، هم “بنك العالم العربي”، “بنك الشرق العربي” و“بنك المصارف المتحدة”.

الأول كان استمراراً للبنك الجزائري التونسي الموجود في ساحة الحجاز منذ عام 1928، مقابل فندق الأوريانت بالاس. قام مديره العام الدكتور نعمان أزهري بتأسيس شركة سورية لشراء المصرف الفرنسي بفروعه الثلاث (دمشق واللاذقية والقامشلي)، مع احتفاظ الشركة الفرنسية بثلاثين بالمائة من قيمة المصرف، وأُعيد تسميته “بنك الشرق العربي”.

عند تأميم المصارف، أبقاه الرئيس عبد الناصر في منصبه، ولكن بعد دمج مصرفين صغار معه، الأول في حلب ويدعى “بنك حمصي” والثاني في اللاذقية، للمصرفي الأرمني أرتين ماكاناجيان. في زمن الانفصال، عُيّن الأزهري وزيراً للمالية في حكومة الدكتور مأمون الكزبري، ثم في حكومة الرئيس عزت النص، مع الاحتفاظ بمنصبه المصرفي حتى عام 1963. انتقل بعدها إلى بيروت كسائر المصرفيين السوريين، وأصبح رئيساً لمجلس إدارة “بنك لبنان والمهجر” المؤسس عام 1951، خلفاً للرئيس حسن العويني، وكان ذلك سنة 1971. عند لقائه المؤلف بعد مرور أكثر من خمسين سنة على قرارات التأميم، قال الدكتور الأزهري: “كان التأميم غلطة كبيرة ارتكبها الرئيس جمال عبد الناصر، فكانت نتائجه كارثية. كانت مصادرة من دون تعويض، الحكومة لم تحترم حتى قوانين التأميم الذي أصدرته، والذي ينص على دفع تعويضات لأصحاب المصارف”.

أما المصرف الثاني فهو “بنك العالم العربي”، الذي أُسس بالتعاون مع بنك “إنترا” اللبناني نهاية عام 1959. حمل المشروع المصرفي الجديد توقيع المهندس عثمان العائدي، ورجل الأعمال موفق الميداني خريج الجامعة اليسوعية في بيروت. جاء الميداني بفكرة المصرف بعدما حقق ثروة في السعودية، حيث أدخل على المملكة شركة مد خطوط الهاتف الأميركية AT&T وجنى منها مالاً وفيراً.

أعجب العائدي بالفكرة، بعدما شاهد كيف كان أبوه أحمد منيف العائدي يدير شركة الكونسروة في الثلاثينيات، عندما كان رئيساً لمجلس إدارتها.

لم يكن العائدي الشاب غريباً عن عالم الأسهم والأعمال، بالرغم من أن عائلته كانت تشتهر بعلمائها ومدرسيها وليس بتجّارها، فقد ارتبط اسم أبيه بالكلية العلمية الوطنية، أشهر مدارس دمشق، وكان أيضاً من مؤسسي كلية الطب في الجامعة السورية. كان أحمد منيف العائدي يُصرّ على أبنائه في كل عيد اقتناء أسهم في “شركة الكونسروة” بدلاً من صرف خرجيتهم على الألعاب النارية، لتتضاعف تلك الأموال مع زيادة قيمة الأسهم. بقيت هذه التجربة حاضرة في ذهن عثمان العائدي عند تأسيسه”بنك العالم العربي”، وكان يومها قد عاد حديثاً من دراسته لهندسة السدود والري في كبرى جامعات فرنسا، ليفتتح مكتباً خاصاً للدراسات الهندسية في بوابة الصالحية القائم حتى اليوم، مقابل مقر مشروع تطوير سهل الغاب، وليدرّس الطلاب في كلية الهندسة في جامعتي دمشق وحلب. حُدد رأس مال “بنك العالم العربي”بعشرة ملايين ليرة سورية، سُددت سلفاً، وكان مقره عند جسر فيكتوريا بالقرب من ساحة المرجة.

قرر العائدي والميداني وبعض المساهمين الاستعانة بالدكتور ناظم القدسي، وهو من أعيان حلب، شغل منصب رئيس وزراء ورئيس مجلس نيابي قبيل الوحدة، وعينوه رئيساً لمجلس إدارة البنك الجديد، كونه يتمتع بسمعة عطرة بين الناس، لم تلوثها سنوات طويلة من العمل السياسي. بقي في هذا المنصب حتى انتخابه رئيساً للجمهورية في كانون الأول 1961، عندما جاءه الرئيس مأمون الكزبري واصطحبه من البنك إلى المجلس النيابي لإلقاء خطاب القسم الرئاسي، كما حدثنا في لقاء مع في لندن في 2017. خلال سنواته القصيرة، حقق “بنك العالم العربي” نجاحاً لافتاً، وقام بافتتاح فروع في معظم المدن السورية، كان أكبرها وأربحها في حلب. كان القدسي يقضي كل ستة أشهر متواصلة في فندق الأورينت بالاس، مكان إقامته الدائم في دمشق، ثم يتنقل بين الأفرع الأخرى للإشراف على عملها. صودرت أملاك الرئيس القدسي عند صدور قانون الإصلاح الزراعي عام 1958، وتم الاستيلاء على 400 هكتار من أراضيه وأراضي زوجته، قبل تأميم “بنك العالم العربي” عام 1961.

المصرف المحلي الثالث والأخير كان اسمه “بنك المصارف المتحدة”، مقره على مدخل ساحة الحريقة (أصبح اليوم المصرف التجاري السوري).

أُسس من قبل رفيق الجلاد ومحمد الميداني، شقيق موفق، عام 1958، وكلاهما كان من أعيان دمشق ووجوهها المعروفين. عُرف عن المصرف تمويله لعمليات التصدير في دمشق وحلب، وابتعاده عن القروض الشخصية والودائع غير التجارية. عُين الدكتور عوض بركات مديراً عاماً لهذا المصرف، وكان من أشهر شخصيات سورية الاقتصادية، درس في جامعة السوربون الفرنسية وعمل في مكتب القطع لسنوات، قبل أن يصبح نائباً لحاكم مصرف سورية المركزي، ثم وزيراً للاقتصاد والصناعة في زمن الانفصال.

شارك بركات المؤسسين بوضع 200 ألف ليرة من رأس مال “بنك المصارف المتحدة”، وهي تحويشة العمر مع بعض الدين، وقام بتوظيف نخبة المجتمع المسيحي في مصرفه الجديد، مثل طوني أبو جراب، الكاتبة مهاة فرح الخوري وميشيل أبو شنب الذي قدم به من البنك البريطاني في بيروت، وعُيّن معاوناً لمدير البنك.

المصدر: https://raseef22.net

شارك