تواجه سوريا تحديات اقتصادية ونقدية غير مسبوقة نتيجة الظروف الاستثنائية التي تمر بها و من هنا، يصبح تطوير السياسة النقدية وإعادة بناء الثقة بالعملة الوطنية أمراً بالغ الأهمية. في ظل هذا الوضع المعقد، تبرز ثلاثة محاور رئيسية لنجاح السياسة النقدية في سوريا: أولاً تطوير إدارة النقد، ثانياً تعزيز الثقة بالعملة الوطنية، وثالثاً ضمان صلاحية الأوراق النقدية. هذه العناصر لا تُعتبر فقط من الجوانب التقنية بل تشكل جزءاً من استراتيجية أكبر لعودة الاستقرار المفقود.
تطوير إدارة النقد
وبحسب الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي، تعد إدارة النقد في سوريا واحدة من أكبر التحديات في عملية إعادة بناء الاقتصاد. وتتطلب التحديات المتعلقة بالسياسة النقدية في الوقت الراهن منهجاً دقيقاً في مراقبة التضخم وإدارة المعروض النقدي.
ويرى كويفي أنه يتعين على البنك المركزي تبني سياسة نقدية مستقلة، تكون بعيدة عن الضغوط السياسية، وتعمل على تحقيق الاستقرار المالي ،بحيث تساهم هذه السياسات في تقوية المؤسسات المالية وبناء ثقة المواطن بالعملة المحلية، ما ينعكس إيجاباً على الاستقرار العام.
البوابة نحو الاستقرار الاقتصادي
الثقة بالعملة الوطنية هي عنصر أساسي في عملية إعادة بناء الاقتصاد السوري.ووفقاً لرؤية الباحث كويفي، لا يمكن لأي سياسة نقدية أن تحقق أهدافها ما لم يُعاد بناء هذه الثقة المفقودة. وللحفاظ على قوة الليرة ، يتطلب الأمر تنظيم سياسة نقدية فعالة تشمل التحكم في معدلات الفائدة، إدارة التضخم، وكذلك تقوية الشفافية في قرارات البنك المركزي. بالإضافة إلى ذلك، تحتاج البلاد إلى أنظمة رقابة مصرفية متطورة تُعزز من أمان النظام المالي وتمنع استغلال الأوضاع الاقتصادية في الأنشطة غير المشروعة.
ضمان صلاحية الأوراق النقدية
على الرغم من أن صلاحية الأوراق النقدية قد تبدو مسألة فنية، إلا أنها تحمل في طياتها أبعاداً نفسية واجتماعية هامة كما يوضح الباحث كويفي، فمن خلال تحسين جودة الأوراق النقدية، يمكن الحد من ظاهرة التزوير، ما يسهم في تقوية الثقة لدى المواطنين والمستثمرين على حد سواء، كما أن هذه الإجراءات تساهم في تحسين صورة الدولة لدى المجتمع الدولي، ما يعزز من قدرة البلاد على جذب الاستثمارات الأجنبية والحصول على الدعم الدولي في وقت الأزمة.
تعزيز الرقابة وحماية المستهلك المالي
يؤكد كويفي أن إصلاح النظام المصرفي يحتاج إلى اعتماد تشريعات مالية تحمي حقوق الأفراد وتساعد على تنظيم السوق ،ومن الضروري أن يتم تحديث الأنظمة الرقابية وتنفيذ قوانين صارمة لمكافحة التزوير والفساد المالي.
كما أن تطوير سياسات تمنع غسيل الأموال،وتمويل الأنشطة غير المشروعة،ويساعد في بناء بيئة مالية آمنة ومستقرة، تعزز من ثقة المواطنين في النظام المالي.
الترويج للاستخدام الإلكتروني
و يرى كويفي أنه في ظل التطور التكنولوجي السريع، يعد تعزيز استخدام الأنظمة الإلكترونية في المعاملات المالية خطوة مهمة نحو تحسين الأمن المالي وزيادة الكفاءة، لذلك فإن تشجيع الدفع الإلكتروني قد يقلل من الاعتماد على النقد ويزيد من شفافية النظام المالي.
ودعا كويفي إلى تنفيذ حملات توعية للمواطنين حول أهمية دعم العملة الوطنية، واستخدام الأنظمة الرقمية.
مكافحة التزوير وتعزيز الأمن المالي
تعد مكافحة التزوير من أبرز الأولويات في أي سياسة نقدية، حيث أن تعزيز إجراءات مكافحة التزوير عبر تحسين جودة الأوراق النقدية وتطبيق قوانين جنائية صارمة سيكون له تأثير إيجابي على استقرار السوق.لذلك يؤكد كويفي أن حماية الاقتصاد الوطني من التزوير تعزز من الثقة في العملة، ما يسهم في جذب الاستثمارات وتحفيز النشاط الاقتصادي.
استقلالية البنك المركزي
يعد تعزيز استقلالية البنك المركزي خطوة أساسية في تعزيز السياسات النقدية، حيث تضمن هذه الاستقلالية اتخاذ قرارات فعّالة بعيدة عن الضغوط السياسية.و يرى الباحث كويفي أن إعادة بناء النظام المالي بعد سنوات من التوترات السياسية والاقتصادية يتطلب سياسات نقدية مستقلة تكون قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية الداخلية والخارجية.
الطريق نحو استعادة الثقة
يجدد كويفي أن استعادة الثقة بالعملة الوطنية تتطلب أكثر من مجرد إصلاحات نقدية. الأمر يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً، وإصلاحاً اقتصادياً شاملاً، وتطبيق معايير شفافية مؤسسية حقيقية.
ويشير الباحث كويفي، إلى أن البداية في هذا الاتجاه قد تكون حاسمة لعودة الاستقرار الاقتصادي، ولكن النجاح في تحقيق ذلك يعتمد على تنفيذ استراتيجية شاملة تأخذ في اعتبارها جميع التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه البلاد في المرحلة الحالية.
