مع استمرار ضخ العملة الجديدة في الأسواق، عاد سعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى الارتفاع بعد أسابيع من التذبذب، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع، في وقت يترقب فيه المواطنون خطوات ملموسة لتحقيق الاستقرار، ليعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: متى يستقر سعر الصرف؟
وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، تراوح سعر الدولار بين 11.3 ألفاً و12.3 ألف ليرة (قديمة).
وفي هذا الإطار، يبرز دور المضاربات باعتبارها من أبرز العوامل التي تُفاقم تقلبات سعر الصرف، إذ تقوم على الطلب غير الحقيقي على القطع الأجنبي بهدف الربح السريع أو الإضرار بالاقتصاد.
وقال حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية، في وقت سابق: إن معيار سعر الصرف يحدده السوق وفق عوامل العرض والطلب، متعهداً بالتعامل مع المضاربات بما يناسبها وبـ”إجراءات قاسية”، لأنها تعد تجاوزاً للخطوط الحمراء، مضيفاً أن سياسة المركزي لعام 2026 تقوم على استقرار سعر الصرف.
واعتبر الحصرية أن استقرار سعر الصرف من مؤشرات نجاح العملة الجديدة، التي تأتي ضمن إطار استراتيجية اقتصادية وطنية متكاملة تهدف إلى تعزيز الاستقرار النقدي.
استقرار نسبي
يرى أمين سر جمعية حماية المستهلك، والخبير الاقتصادي عبد الرزاق حبزة، أن سعر الصرف قد استقر نسبياً مقارنة بما كان عليه سابقاً، ومرجحاً مزيداً من الاستقرار في المرحلة المقبلة.
وقال حبزة لصحيفة “الثورة السورية”: إن طرح العملة الجديدة إجراء قد يسهم في استقرار سعر الصرف وتقليص المضاربة بالليرة، لسببين؛ الأول هو الاستقرار الجزئي لسعر الصرف، إذ باتت الفروقات بسيطة، وهذا يخفف من لجوء المواطن إلى الدولار في التعاملات.
والثاني أن حذف صفرين من العملة سيمكن المواطن من حمل مبالغ مالية كبيرة بالعملة الجديدة، في وقت كان يلجأ فيه إلى فئة 100 دولار ليحمل أكثر من مليون ليرة، وفق حبزة.
الخيار الأمثل
يؤكد الباحث الاقتصادي الدكتور خالد التركاوي، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن المضاربة بالعملة موجودة في كل دول العالم تقريباً، وإصدار عملة جديدة لا ينقذ منها، مشيراً إلى أن الخيار الأمثل لضبط المضاربة يكون عن طريق أدوات المصرف المركزي، مثل التدخل في الأسواق لصالح الشراء أو بيع الليرة السورية.
وربط التركاوي أي تحسن في سعر الصرف بالميزان التجاري ودوران عجلة الإنتاج، معرباً عن تفاؤله بأن الادخار سيكون للعملة الجديدة على المدى الطويل بعد الانتقال إلى مرحلة التعامل الواسع، وضمان الانتشار والثقة بمصرف سوريا المركزي وسياساته، الأمر الذي سيكون له أثر “الدومينو” الذي سيتناقله المواطن ليبدأ بالادخار بالليرة السورية.
ضبط النظام النقدي
يقول الخبير الاقتصادي يحيى السيد عمر، لصحيفة “الثورة السورية”، إن إصدار العملة السورية الجديدة يُمثل خطوة لإعادة ضبط النظام النقدي في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد، مشدداً على أن هذه الخطوة ليست مجرد تغيير شكلي، بل جزء من عملية أوسع تهدف إلى تنظيم السوق وتعزيز إدارة السيولة، في محاولة للحد من آثار التضخم التي انعكست على القدرة الشرائية للمواطنين خلال الفترات السابقة.
وأكد السيد عمر أن إصدار العملة على الصعيد الداخلي يُسهم في إعادة هيكلة التعاملات النقدية وتسهيل المعاملات التجارية، ومع ذلك فإن هذا الإجراء وحده غير كافٍ لإنهاء المضاربة على الدولار أو تحقيق استقرار دائم في سعر الصرف، إذ إن آلية تحديد قيمة الليرة لا تزال محكومة بعوامل العرض والطلب، ما يعني أن المضاربة مرشّحة للاستمرار، خصوصاً في بيئة تشهد تعديلات في سعر الصرف، وهي بطبيعتها بيئة جاذبة للمضاربين.
مع ذلك، يمكن الحد من آثار المضاربة ليس من خلال شكل العملة أو استبدالها، بل عبر سياسات مرافقة تشمل ضبط سوق الصرافة، وتحسين الرقابة على التدفقات النقدية، وتعزيز الشفافية في التعاملات المالية. وفي هذا الإطار، يصبح نجاح السياسة النقدية مرتبطاً بقدرتها على ضبط كميات الطرح النقدي بما يتناسب مع حاجات التداول الفعلية، إذ إن الإفراط في الضخ أو النقص فيه قد يعيد اختلالات السوق ويخلق ضغوطاً سعرية جديدة، ما يجعل التوازن النقدي شرطاً أساسياً للاستقرار.
خطوة غير كافية
يعتقد الخبير الاقتصادي مهند زنبركجي، أن طرح العملة الجديدة لا يكفي وحده لإيقاف المضاربات أو تحقيق استقرار نقدي، بل قد يأتي بنتائج عكسية إن حدث بمعزل عن أي إصلاحات اقتصادية شاملة، لأن التضخم الاقتصادي ما زال في حدود 170 ضعفاً مقارنة بعام 2011.
وأشار زنبركجي إلى أن الثقافة الشعبية التي تأسست خلال فترة الحرب الطويلة ترتكز على الاحتفاظ بالدولار والذهب كأدوات ادخار، وهذه الثقافة ما زالت متجذرة حتى الآن وبقوة.
وأكد زنبركجي لصحيفة “الثورة السورية” ضرورة اتخاذ إجراءات صارمة وسلسة خلال فترة عملية استبدال العملة، ومحاربة شديدة وشفافة للفساد، وعدم استخدام العملة الجديدة لتمويل العجز الحكومي، وتجريم التداول المحلي بأي عملات أخرى غير الليرة السورية خلال عملية الاستبدال، مع فرض مخالفات شديدة ورادعة لأي رفع في أسعار السلع والمنتجات بكل أنواعها، على أن يتم ذلك بالتنسيق مع اتحاد غرف التجارة، متطرقاً إلى أهمية الدور الفعّال في تحويل مذكرات التفاهم والبدء بتنفيذها كمشاريع حقيقية على الأرض.
تفعيل الاستثمار
أشار الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد، إلى أن الطلب على القطع الأجنبي باستخدام العملة الوطنية يُقسم إلى طلب حقيقي يتمثل بتمويل المستوردات، وطلب غير حقيقي يأتي من المضاربات بشكل أساسي، وهذا ما يؤثر على سعر الصرف في أي بلد. فحالات المضاربة لا يمكن إخفاؤها، ولا يمكن القول إنها غير موجودة اليوم، لكن التعويل يبقى على سياسات المصرف المركزي في كشف المضاربة وضربها.
وأوضح محمد، لصحيفة “الثورة السورية”، أن مرحلة تبديل العملات قد تُخفي التضخم أو قد تؤثر فيه زيادة أو نقصاناً، لكن استقرار سعر الصرف ووقف المضاربات بالعملة يكون بتفعيل الاستثمار، وكذلك بوجود طلب حقيقي ومبرر لاستجرار القطع الأجنبي لمستلزمات العملية الإنتاجية وإعادة الإعمار، مشدداً على أنه في حال تفعيل الاستثمار في سوريا، ولا سيما مذكرات التفاهم الاستثمارية التي بلغت 28 مليار دولار في عام 2025، فإن ذلك كفيل وحده بضخ كتلة نقدية للعملية الإنتاجية وإعادة الإعمار في سوريا.
واعتبر أن الوصفة تكمن في تنشيط الإنتاج والاستثمار ودعم قطاع التصدير، الذي يُعد الأساس لرفد الموازنة العامة بالإيرادات الحقيقية ورفد المصرف المركزي بالاحتياطيات من القطع الأجنبي، تمهيداً لوصوله إلى مرحلة تمكّنه من إدارة سعر الصرف وفق نظامه المتبع، والذي يسمح بترك سعر الصرف لقوى العرض والطلب مع التدخل في حالات معينة، كحالات المضاربة أو التغيرات الجيوسياسية في المنطقة، في حال حدوث تغيّر في أسعار صرف العملات.
في المحصلة، تتيح العملة السورية الجديدة فرصة لإعادة ترتيب الأولويات النقدية والمالية، لكنها لا تمثل حلاً قائماً بذاته. ويُقاس نجاحها بقدرتها على الإسهام في استقرار سعر الصرف، وضبط السوق، وتحسين بيئة النشاط الاقتصادي، وإذا ما أُدرجت ضمن سياسة مالية واقتصادية شاملة، يمكن أن تشكل خطوة داعمة لمسار الاستقرار التدريجي، دون تحميلها أكثر مما تحتمل من توقعات.
