بين وعود الإصلاح الاقتصادي وتحديات الواقع المعيشي، تبدو مؤشرات التعافي وبدايات التحسن في بعض القطاعات بعد عام من التحرير غير واضحة أمام المواطن، وسط ارتفاع الأسعار وتآكل الدخل، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تأخر تحويل الوعود إلى واقع؟
وفي وقت ينتظر المواطن أن يلمس أثر هذه الإصلاحات، يرى بعض الصناعيين والتجار أن الخطوات المتخذة، حتى إن كانت متواضعة مقارنة بالتركة التي خلفها النظام المخلوع، تمثّل بذوراً قابلة للتوسع إذا ما ترافقت مع تسريع تنفيذ الإصلاحات، واستقرار الأسعار، وتقديم الدعم المباشر للمواطن، ما قد يعيد تدريجياً الثقة بالاقتصاد ويخفف من وطأة الضغوط المعيشية.
السرعة والكفاءة
يرى رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية – الدكتور مازن ديروان- أن السياسات الاقتصادية تسير في الاتجاه الصحيح من حيث المبدأ، مع وجود تحفظات على بعض القرارات الصادرة، معتبراً أن التحدي الحالي لا يكمن في الاتجاه، بل في سرعة وكفاءة تنفيذ الإجراءات.
وأكد ديروان لصحيفة “الثورة السورية”، ضرورة تبسيط أو تغيير العديد من الإجراءات المتراكمة خلال الفترات السابقة، بدءاً من تعقيدات تأسيس الشركات وحلها، وتسجيل العلامات الفارقة، وتبسيط إجراءات التصدير وإلغاء المصاريف والرسوم غير الضرورية، وصولاً إلى إلغاء الرسوم الجمركية على المواد الأولية وتغيير قانون حماية المستهلك.
وأشار إلى أن تبسيط وتحديث هذه الأمور سيكون له دور كبير في تحسين النشاط الاقتصادي في البلاد.
وشدد على أهمية أن يشعر المواطن بالاطمئنان بأن اقتصاد البلاد يسير في الاتجاه الصحيح، داعياً الجميع إلى مساعدة الحكومة في عملها، خاصة من خلال الالتزام بالقوانين وتقديم الاقتراحات البناءة.
عقبات رئيسة
يقول رئيس غرفة تجارة ريف دمشق، الدكتور عبد الرحيم زيادة، لصحيفة “الثورة السورية”: إن السياسات الاقتصادية تسير وفق الخطط المرسومة، إلا أن وتيرة تنفيذها جاءت أقل من المتوقع، وهو ما يعزى إلى عقبات رئيسة.
وأوضح أن هذه العقبات تشمل تأخر إزالة العقوبات الأميركية حتى نهاية العام، وتأجيل البدء بالمشاريع الاستثمارية الكبيرة لأسباب متنوعة، إضافة إلى تحديات تنفيذية معقّدة تتطلب حلولاً عاجلة لتسريع تحقيق الأهداف الاقتصادية.
وأضاف أن الحكومة تعمل بشكل حثيث على تحقيق الاستقرار النقدي، لافتاً إلى خطوات فعلية، مثل إصدار العملة الجديدة، إلى جانب جهودها لتحسين الحوكمة والانضباط المالي في جميع الدوائر الحكومية ومحاربة الفساد، وإيجاد المزيد من المحفزات لجذب الاستثمارات الخارجية، وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، وتحسين بيئة الأعمال.
وتهدف هذه الجهود مجتمعة إلى رفع الرواتب والأجور، وزيادة فرص العمل لمكافحة الفقر، وتحسين جودة التعليم ومستوى الرعاية الصحية لجميع المواطنين السوريين، وفق زيادة.
مرحلة متداخلة
يرى عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق- مازن كنينة- أن سوريا تشهد مرحلة اقتصادية بالغة التعقيد، تتداخل فيها جهود الإصلاح مع أعباء الحرب وتراجع الموارد، مؤكداً أن السؤال الجوهري اليوم لا يقتصر على وجود سياسات اقتصادية فحسب، بل يمتد إلى مدى واقعيتها وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة يستشعرها المواطن.
وبالنظر إلى التوجه النظري للسياسات الاقتصادية، أوضح كنينة لصحيفة “الثورة السورية”: إن هناك إدراكاً رسمياً للحاجة إلى ضبط السياسة المالية العامة، وتقليص العجز، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتقليل الاستيراد، واستقطاب الاستثمارات، خاصة في قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة، وتحسين بيئة الأعمال تدريجياً.
لكن كنينة اعتبر أن الإشكالية الأساسية تكمن في التطبيق، حيث تصطدم هذه السياسات بضعف أدوات التنفيذ والرقابة، وهشاشة البنية التحتية الإنتاجية، ما يجعل النتائج حتى الآن محدودة وبطيئة.
وأشار إلى أن أي إصلاح اقتصادي يتطلب بيئة مستقرة وثقة عامة، وأن ارتفاع تكاليف الإنتاج يفقد القرارات التحفيزية أثرها، كما أن سعر الصرف والتضخم يلتهمان أي مكاسب جزئية، بالإضافة إلى غياب التمويل الفعّال طويل الأجل للمشاريع الإنتاجية. لذلك، فإن التحسن، إن تحقق، سيكون جزئياً وليس تحسناً هيكلياً واسع التأثير.
وعن موقع المواطن من هذه السياسات، رأى كنينة أن المواطن يقف اليوم بين الترقب لوعود التحسين والدعم والإصلاح، والحذر من القرارات المفاجئة مثل رفع الأسعار وتقليص الدعم، مؤكداً أن المواطن لا يرى نفسه شريكاً في السياسة الاقتصادية، بل مجرد متلقٍ لنتائجها.
وأضاف: “السياسات الاقتصادية لا تسير في مسار خاطئ بالكامل، إلا أنها غير كافية وغير مكتملة الأدوات، وأن النتائج الملموسة لن تتحقق من دون إصلاحات أعمق تمس الإنتاج والتمويل والحوكمة، والمواطن سيظل في حالة ترقب وحذر ما لم تتحول السياسة الاقتصادية إلى سياسة معيشية واضحة الأثر”.
وشدد على أن “الاقتصاد لا يُقاس بالقرارات، بل بما يشعر به المواطن في يومه العادي”.
ترقب حذر
يرى الصناعي نزيه شموط، أن السياسات الاقتصادية تسير اليوم ضمن مسار عام صحيح، مشيراً إلى أن سوريا تنهض بعد عقود من التخلف والفساد، معتبراً أن 2025 كان عام فتح مسارات جديدة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، مع خطوات بدأت تُرسي أسس التعافي وإعادة تنشيط بعض مفاصل الإنتاج.
وأكد شموط لصحيفة “الثورة السورية”، أن النتائج الملموسة لم تصل بعد بالشكل الذي يريده المواطن، إلا أن المؤشرات الأولية موجودة، وتحتاج وقتاً كي تنعكس على الدخل وفرص العمل واستقرار السوق.
وأضاف أن المواطن اليوم يترقب بحذر، لكنه في الوقت نفسه يملك أسباباً للأمل، مشدداً على ضرورة استمرار السياسات بوتيرة أسرع، مع التركيز على الأثر المباشر في معيشة الناس ودعم الصناعة والاستفادة من موقع سوريا والأبعاد السياسية للمرحلة الحالية.
وخلص شموط إلى أن سوريا تسير على الطريق الصحيح نحو التعافي الاقتصادي، مع الحاجة إلى تسريع وتيرة الإصلاحات والتركيز على تحسين معيشة المواطنين ودعم القطاع الصناعي.
ارتباك وتردد
يعتقد الصناعي وأمين سر غرفة صناعة حمص سابقاً عصام تيزيني، أن السياسات الاقتصادية في سوريا لا تسير وفق المسارات الصحيحة، مشيراً إلى وجود “ارتباك وتردد وتخبط” في القرارات الاقتصادية، مع غياب دراسات استراتيجية معمقة لواقع الاقتصاد السوري ووضع حلول لإنقاذه.
واعتبر تيزيني أن الاقتصاد في “تراجع مستمر”، لافتاً إلى أن معيار قياس نمو الاقتصاد يجب أن يستند إلى قدرة المواطن السوري على العيش، وليس على معدلات النمو وفقاً للمنظمات الدولية.
وأشار إلى أن 80 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر، مما يجعل تطور حياة المستهلك المؤشر الحقيقي لنجاح الاقتصاد.
وأوضح أن المستهلك يواجه صدمات متكررة نتيجة ارتفاع الأسعار الناتج عن القرارات الحكومية، مثل رفع أسعار الكهرباء ومنع استيراد بعض المواد الاستهلاكية.
وأضاف أن المواطن يعيش حالة من عدم اليقين، فهو يطمح إلى النمو والاستقرار الاستهلاكي، لكنه يواجه “تخبطاً في سياسات وقرارات الحكومة الاقتصادية”.
