الغلاء يلتهم الدخل ويضع المواطن تحت ضغط الأسعار

الثورة السورية – وفاء فرج:

في ظل غلاء متواصل يلتهم دخل المواطن، تقف القدرة الشرائية على المحك فيما تجد الكثير من الأسر نفسها أمام تحديات يومية لتأمين أبسط مستلزماتها.

وتتباين آراء المواطنين بين محاولة التكيف مع الأسعار المرتفعة والبحث عن بدائل أقل كلفة، وبين استياء واضح من ضعف الحماية الاقتصادية وانعدام الرقابة الفعلية على الأسواق.

وفي الوقت الذي يشير فيه بعض التجار والخبراء إلى أن ارتفاع الأسعار مرتبط بعوامل متشابكة أبرزها العرض والطلب وتكاليف النقل، يحذر آخرون من أن التقلبات المستمرة في سعر صرف الدولار والمضاربات تعمق الأزمة، ما يهدد استقرار الأسواق وتحسين القدرة الشرائية.

الأسواق الشعبية

في سوق الهال القديم وسوق اللحوم بدمشق تتباين آراء المستهلكين حول مدى تأثير تقلبات سعر الصرف على قدرتهم الشرائية.

وأكدت هدى لبابيدي، ربة منزل، أنها تشتري احتياجاتها بغض النظر عن السعر، مشيرة إلى وجود انخفاض طفيف في أسعار بعض السلع الأساسية، واعتبرت أن الأسعار “مقبولة” نسبياً عن بقية الأسواق.

في حين ذكرت سهام الأمين، من سكان ريف دمشق، أن الأسعار في السوق الشعبية أفضل بكثير من الأسعار في مناطق أخرى بدمشق.

كما ترى شذا محسن، ربة منزل، أن الأسواق الشعبية تعد “ملاذاً للكثيرين الذين يبحثون عن بدائل أرخص لتلبية احتياجاتهم الأساسية”.

وطالبت جيهان عموري، موظفة، بضرورة ضبط الأسعار والالتزام بتخفيضها عند انخفاض سعر صرف الدولار، كما ترتفع مباشرة مع كل زيادة في سعر الصرف بما يشمل جميع المواد والسلع.

وأعرب الموظف وجيه أبو عساف، عن استيائه من الوضع المعيشي المتدهور، مؤكداً أن الأسعار تثقل كاهل المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود، ورأى أن تخفيض سعر الصرف لن يحل المشكلة، لأن الأسعار ستبقى مرتفعة.

وأشار إلى توفر السلع الأساسية، لكن القدرة الشرائية معدومة، إذ يتراوح سعر كيلوغرام البرتقال بين 100 و150 ليرة جديدة (10-15 ألف ليرة قديمة)، والموز 110 ليرة (11 ألف ليرة قديمة)، والتفاح 150-200 ليرة (15-20 ألف ليرة قديمة).

ويتساءل أبو عساف: “كيف يمكن لرب الأسرة توفير احتياجات عائلته في ظل هذه الأسعار المرتفعة التي لا تناسب دخله؟”.

تجاهل انخفاض الدولار

انتقد عبد السلام الزعبي، عامل في مهنة حرة، سلوك التجار في السوق، موضحاً أنهم يسارعون إلى رفع الأسعار بمجرد ارتفاع سعر صرف الدولار، لكنهم يتجاهلون تماماً انخفاضه.

وفي حديثه عن أسعار الخضروات، أشار الزعبي إلى أن أسعارها مرتفعة جداً، إذ وصل سعر كيلوغرام البصل إلى 50-60 ليرة جديدة (5-6 آلاف ليرة)، واعتبر أن سعر البرتقال (نحو 100 ليرة جديدة) خيالياً خاصة أنه في موسمه”.

وأضاف أن الغلاء يشمل كل شيء، سواء كانت مواد غذائية أو خضار أو فواكه، دون وجود أي بوادر لانخفاض الأسعار في المستقبل القريب”.

في حين يعرب فراس خليل، أحد المتسوقين في دمشق، عن استيائه من حالة عدم الاستقرار التي تشهدها الأسعار نتيجة تذبذب سعر الصرف، مؤكداً أن الأسعار “ترتفع بمقدار كبير وتنخفض بمقدار بسيط، مما يبقيها بعيدة عن متناول الكثيرين”.

ويتراوح سعر الكرمنتينا بين 120-150 ليرة جديدة (120-150 ألف ليرة قديمة)، بينما يتراوح سعر الليمون بين 150-200 ليرة جديدة (15-20 ألف ليرة قديمة)، مع وجود بدائل أرخص لكنها قد لا تكون بنفس الجودة.

ولفت إلى التفاوت الكبير في الأسعار بين المناطق المختلفة بدمشق، مؤكداً أن فرق السعر في الصنف الواحد قد يصل إلى زيادة بنحو 50-100 ليرة جديدة (5-10 ألف ليرة قديمة) عن الأسواق الشعبية.

ويعزى هذا التفاوت إلى عوامل عدة، من بينها تكاليف النقل والإيجارات، إضافة إلى اختلاف السياسات التسعيرية بين التجار.

آلية التسعير

أكد البائع حسن فجر، الذي يعمل في سوق شعبية بدمشق، أن أسعار الفواكه في الأسواق الشعبية تشهد ارتفاعاً ملحوظاً هذا العام مقارنة بالسنوات السابقة، ويعزو هذا الارتفاع المستمر إلى احتكار التجار وغياب الرقابة الحكومية الفعالة على الأسعار، ما يسمح للتجار بالحفاظ على هوامش ربح مرتفعة حتى في ظل تراجع التكاليف، وهذا الوضع يضع عبئاً إضافياً على المستهلك، خاصة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية.

وأوضح مصطفى النابلسي، صاحب محل تجاري، أن آلية تسعير البضائع في السوق عملية معقدة تتأثر بعوامل عدة، موضحاً أن سعر صرف الدولار اليومي يلعب دوراً حاسماً في تحديد الأسعار. وأشار إلى أن المنافسة الشديدة ووفرة البضائع في السوق تجبر التجار على الالتزام بأسعار معقولة.

اللحوم خارج القدرة الشرائية

أسواق اللحوم أيضاً تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، أرجعه بائع اللحوم موفق شاغوري إلى تفشي الحمى القلاعية بين المواشي في سوريا ولبنان، موضحاً أن هذا المرض أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من العجول والخراف الصغيرة، أو اضطرار المربين إلى ذبحها مبكراً، مما أدى إلى نقص حاد في المعروض.

وأوضح أن سعر كيلوغرام الخروف “واقف” وصل إلى نحو 630 ليرة جديدة (63 ألف ليرة قديمة)، بينما يُباع كيلو لحم الخروف “هبرة” للمستهلك بما لا يقل عن 2100 ليرة جديدة (210 آلاف ليرة قديمة)، ولحم العجل بنحو 1400 ليرة (140 ألف ليرة قديمة).

ونفى شاغوري وجود علاقة بين ارتفاع الأسعار وسعر صرف الدولار، مؤكداً أن الحمى القلاعية هي السبب الرئيسي. وتوقع أن يستقر السوق تدريجياً خلال 45 يوماً، مع نضوج دورة تربية جديدة من المواشي، ما قد يخفف من الأعباء الاقتصادية على المستهلك.

قلة الإنتاج

وأرجع جمال قطرميز، بائع دجاج، انخفاض الأسعار مؤخراً إلى دخول الدجاج المجمد إلى السوق، متوقعاً ارتفاع الأسعار مجدداً في حال صدور قرار بمنع الاستيراد.

وأكد أن المسألة حالياً مرتبطة بآلية العرض والطلب في السوق، وليست مرتبطة بشكل مباشر بسعر صرف الدولار، ما يجعل السوق عرضة للتغيرات بناء على توفر المنتج المحلي والمستورد.

تدخلات حكومية محدودة

أكد مدير مديرية حماية المستهلك في الإدارة العامة للتجارة الداخلية، حسن الشوا، أن المديرية لا تتدخل في تحديد أسعار السلع في السوق الحرة، مشيراً إلى أن دورها يقتصر على مراقبة “الوزن والمواصفات القياسية والشروط الصحية وإعلان السعر”.

وفي تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أوضح الشوا أن المديرية لديها “دائرة خاصة لسبر الأسعار في السوق”، تتدخل في حال “ارتفاع سعر مادة ما بشكل غير طبيعي قياساً بالمحافظات أو الفترات السابقة”، وذلك “بالمخالفة ضمن التعليمات التنفيذية ومنع البيع بسعر زائد”.

العرض والطلب

رأى رئيس غرفة تجارة ريف دمشق، الدكتور عبد الرحيم زيادة، أن الأسعار في السوق تخضع لآلية العرض والطلب، وأن البائع هو المسؤول عن تحديدها، مشيراً إلى أن المنافسة تلعب دوراً كبيراً في تحديد الأسعار، وذلك في رده على تساؤل حول واقع الأسعار في السوق المحلية مع ارتفاع وانخفاض سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية، والتحديات التي تواجه المستهلك والتاجر على حد سواء.

وأوضح زيادة لصحيفة “الثورة السورية” أن السلع التي تشهد منافسة كبيرة وعرضاً واسعاً تكون أسعارها أكثر استقراراً، بينما السلع التي يقل عليها العرض تشهد ارتفاعاً في الأسعار.

وأشار إلى أن السلع الاستهلاكية اليومية، مثل المواد الغذائية والألبسة، تشهد إقبالاً كبيراً من المواطنين، ما يدفع بعض التجار إلى استغلال هذا الإقبال وعدم تخفيض الأسعار حتى مع انخفاض سعر صرف الدولار، خوفاً من ارتفاعه مجدداً.

ولفت إلى أن قطاع مواد البناء على سبيل المثال، يشهد منافسة أعلى بين التجار، ما يجبرهم على تخفيض الأسعار لجذب المزيد من الزبائن.

وأكد أن استقرار سعر صرف الدولار يساهم بشكل كبير في استقرار الأسعار في جميع القطاعات التجارية والصناعية والإنتاجية.

وتحدث الدكتور زيادة عن ارتفاع في أسعار بعض المنتجات الزراعية رغم أنها محلية، مع الإشارة إلى وجود عدة عوامل تتسبب في هذا الارتفاع، منها ارتفاع أجور النقل ومستلزمات الإنتاج، إضافة إلى وجود “بعض ضعاف النفوس الذين يتلاعبون بالأسعار بغية تحقيق نسب أرباح كبيرة”.

وأضاف: إن غرفة التجارة تسعى إلى معالجة هذا الفارق السعري الكبير من خلال اقتراح إيجاد منافذ بيع جديدة وفتح أسواق جملة إضافية في دمشق وريفها. وشدد زيادة على أهمية وجود قوانين ونظرة إنسانية” لدى التجار، وتحقيق أرباح معقولة، بما يخدم مصلحة المستهلك والمنتج والتاجر على حد سواء، ويساهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

تخوف من التقلبات

أكد أمين سر جمعية حماية المستهلك والخبير الاقتصادي عبد الرزاق حبزة، أن ضبط سعر الصرف يبدأ من الحكومة، التي “لم تتمكن حتى الآن من تحقيق الاستقرار المطلوب”.

وأوضح حبزة لصحيفة “الثورة السورية”، أن التجار غالباً ما يسعون للاستفادة من أعلى سعر صرف، حتى مع وجود انخفاضات طفيفة، خوفاً من تقلبات مستقبلية. كما أكد أن المضاربات والتغيرات الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى الأخبار الأمنية، تؤثر سلبياً على سعر الصرف. وأضاف: إن عدم قدرة الحكومة على ضبط المضاربات يؤدي إلى انخفاض القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار.

وانتقد ظاهرة الإعلان عن الأسعار بالدولار، معتبراً أنه أمر غير قانوني وغير مسموح به، مؤكداً على ضرورة الإعلان بالعملة السورية وعدم ربط الأسعار بالدولار، مشيراً إلى أن هذه الممارسة “شاذة” عن الاقتصادات العالمية وقانون الاقتصاد العالمي.

التركيز على دعم العملة

أوضح أمين سر جمعية حماية المستهلك أن قانون العرض والطلب يلعب دوراً أساسياً في تحديد الأسعار، فكلما زاد الطلب على سلعة ما، ارتفع سعرها، والعكس صحيح. وأشار إلى أن هناك عوامل أخرى تؤثر على الأسعار في السوق المحلية، تتجاوز هذا القانون الأساسي.

ورأى حبزة أن التركيز على دعم العملة السورية قد يساهم في تخفيف التضخم، مشدداً على أهمية دور الحكومة في ضبط المضاربات وتنظيم السوق، بالإضافة إلى ضرورة التوعية بأهمية التعامل بالعملة الوطنية.

شارك