في مشهد متكرر يثير الجدل والقلق الشعبي، تعود أسعار المشتقات النفطية في سوريا للتأرجح بحدة، ما بين ارتفاع مفاجئ وتراجع محدود، ليكون الشريان الاقتصادي – كما يصفه الخبراء – هو نفسه مؤشراً لاختلالات هيكلية عميقة.
وخلال الشهر الحالي فقط، تغيرت أسعار المحروقات سبع مرات صعوداً وهبوطاً، ما يعني أن تسعيرة جديدة تصدر كل نحو ثلاثة أيام بالمتوسط، وذلك تبعاً لتغير سعر الدولار.
وتراوح سعر ليتر المازوت خلال الشهر الحالي بين 93.75 ليرة جديدة (9375 ليرة قديمة) و86.8 ليرة (8680 ليرة قديمة)، والغاز المنزلي بين 1215 و1312 ليرة جديدة للإسطوانة، والبنزين “أوكتان 90” بين 106.25 ونحو 98.4 ليرة جديدة.
اختلالات هيكلية
من منظور اقتصادي، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور سامر الرحال، لصحيفة “الثورة السورية”، أن قراءة تقلبات الأسعار على أنها مجرد قرارات تسعيرية “تبقى قراءة قاصرة”، مشيراً إلى أن أسعار الوقود “تعكس في جوهرها حالة الاقتصاد الكلي بكل اختلالاته”.
ويوضح أن أهمية المشتقات النفطية كأحد أهم المدخلات الإنتاجية تجعل أي تغيير في سعرها “عاملاً تضخمياً عاماً” يطول النقل والصناعة والزراعة والكهرباء، ثم معظم السلع والخدمات.
ويركز الرحال على محاور تفسيرية عدة، أبرزها أن “ضعف الليرة وتعدد أسعار الصرف” يشكلان العامل الحاكم، وأن “محدودية الاحتياطي الأجنبي” تجعل أي صدمة في سوق الصرف قادرة على إحداث تغيير فوري في الأسعار، ما يكرس حالة عدم اليقين.
ويشير أيضاً إلى التأثير التصاعدي لارتفاع أسعار الوقود، المعروف بـ”تضخم دفع التكاليف”، حيث تنتقل الزيادة من قطاع الطاقة إلى الغذاء والخدمات، ومع تراجع الدخل الحقيقي للأسر ينخفض الطلب الكلي، ما يضعف النشاط الاقتصادي ويغذي حلقة ركود تضخمي يصعب كسرها.
ويضيف الرحال أن دعم المشتقات النفطية كان لسنوات أحد أكبر بنود الإنفاق، ومع تراجع الإيرادات واتساع العجز لم يعد بالإمكان الحفاظ على مستويات الدعم السابقة، وبدلاً من سياسة تسعير مستقرة غالباً ما تأتي التعديلات مفاجئة، ما يفاقم التذبذب ويضعف الثقة بالسياسات.
وكما يلفت أيضاً إلى معاناة العرض من “اختلالات هيكلية” بسبب تراجع الإنتاج المحلي وصعوبات الاستيراد، سواء نتيجة العقوبات أم العوائق اللوجستية، ما يؤدي لنقص في الكميات واتساع رقعة السوق غير الرسمية.
ويخلص الرحال إلى أن تذبذب الأسعار “ليس أزمة طاقة بحد ذاتها، بل هو عرَض من أعراض أزمة أعمق في الاقتصاد الكلي للدولة”، تشمل السياسة النقدية والمالية وهيكل الإنتاج، ومعالجة “هذه الجذور البنيوية عبر إصلاحات شاملة هي السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار”.
المتغيرات الدولية
من جهته، يسلط الخبير الاقتصادي حسام عايش، الضوء على عوامل أكثر تفصيلاً تتعلق بجانب العرض والطلب والواقع العملي، مكملاً الصورة العامة لتذبذب أسعار الوقود.
ويرى أن الأسباب المباشرة لهذا التذبذب تشمل نقص الكميات المتوافرة محلياً مقارنة بحجم الطلب، ولا سيما خلال فصل الشتاء مع ارتفاع استهلاك المازوت لأغراض التدفئة. ويشير إلى أن العديد من آبار النفط ومحطات التكرير إما أن إنتاجها أقل من طاقتها، وإما أنها بحاجة إلى ترميم، أو أنها كانت تحت سيطرة تنظيم “قسد”، الأمر الذي يحد من المعروض المحلي، ويزيد الضغوط على السوق.
ويضيف عايش لصحيفة “الثورة السورية”، أن سوريا، لتعويض هذا النقص، تعتمد على الاستيراد، ما يجعلها تتأثر بشكل مباشر بتقلبات السوق العالمية الناتجة عن المتغيرات الجيوسياسية في دول مثل إيران وفنزويلا، فضلاً عن مخاطر النقل والشحن، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف الاستيراد وأسعار المشتقات النفطية محلياً.
يتفق عايش مع الخبير سامر الرحال على محورية عامل سعر الصرف، موضحاً أن عدم استقرار سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار بشكل يومي، ولا سيما مع إصدار العملة الجديدة وعدم وضوح الصورة الاقتصادية، يزيد من حالة عدم اليقين ويربك عملية التسعير، ما يؤثر سلباً على القدرة الشرائية والاستقرار الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يقدّم عايش مجموعة من المقترحات العملية، أبرزها تبني سياسة تسعير دورية أسبوعية أو شهرية على غرار التجربة الأردنية، تكون معتمدة على مرجعيات أسعار عالمية وليس على متغير واحد فقط، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل آبار النفط وبناء احتياطي استراتيجي يسمح بالتدخل عند ارتفاع الأسعار، فضلاً عن تنويع مصادر الاستيراد والتفاوض على أسعار مناسبة.
ويرى أن هذه التحديات تمثل فرصة للحكومة السورية لاختبار قراراتها وسياساتها تحت ضغط تقلبات الأسعار والتعرف على نقاط القوة والضعف فيها، محذراً في الوقت نفسه من أن استمرار آلية التسعير الحالية، المرتبطة بمتغيرات دولية ومحلية سريعة التغير، يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ومؤكداً أن الحلول تتطلب إرادة سياسية وخططاً هيكلية.
أزمة مركبة
من تحليل وجهتي النظر، يتبين أن أزمة تذبذب أسعار المشتقات النفطية في سوريا مركبة ومعقدة. إذ لا تتعلق بالطاقة أو قرار تسعير، لكنها نقطة التقاء أزمات هيكلية كبرى: العملة وسعر صرف، والموازنة والدعم، والإنتاج المحلي للنفط، والثقة بالسياسات الاقتصادية.
التفسيران – الكلّي للرحال والعملي التفصيلي لعايش – يتكاملان ليرسما خريطة طريق للمخاطر: استمرار هذا النهج يعني استمرار تغذية حلقة “الركود التضخمي”، حيث ترتفع الأسعار بشكل جامح بينما ينهار النشاط الاقتصادي والدخل الحقيقي، مع توسع السوق غير الرسمية وتراجع فعالية الأدوات الحكومية.
المقترحات التي يقدمها الخبيران، رغم اختلاف جزئياتها، تشترك في جوهر واحد: الحاجة إلى الشفافية، والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، والانتقال من ردود الفعل المفاجئة إلى سياسات مؤسسية قابلة للاستمرار والتوقع.
هذا الانتقال مرتبط – كما يؤكد الرحال – بإصلاحات اقتصادية شاملة تلامس جذور الأزمة في السياسة النقدية والمالية وهيكل الإنتاج، وهو ما يتطلب – كما يشير عايش – “إرادة سياسية” لاتخاذ قرارات صعبة قد تكون كلفتها الاجتماعية قصيرة الأجل عالية، لكن كلفة عدم اتخاذها أعلى وأخطر على استقرار البلاد اقتصادياً واجتماعياً على المديين المتوسط والبعيد.
