وسط تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع معدلات التضخم، اقتحمت الفضة مشهد الملاذات الآمنة، لتفرض حضورها تدريجياً كخيار ادخاري واستثماري بديل، مدفوعة بارتفاع أسعارها عالمياً وتزايد الطلب الصناعي عليها.
وارتفع سعر أونصة الفضة (31.1 غرام) عالمياً من 30 دولاراً في مطلع عام 2025، إلى أكثر من 100 دولار في 2026، أي بزيادة تجاوزت 225 بالمئة، بينما ارتفع سعر أونصة الذهب خلال الفترة ذاتها نحو 79 بالمئة، من 2771 إلى 4970 دولاراً.
هذا التحول أعاد الفضة إلى حسابات المستثمرين، وفتح باب التساؤلات حول أسباب صعودها، وحدود قدرتها على مجاراة قفزات الذهب، وما إذا كانت أمام موجة نمو مستدامة أم مجرد ارتفاع ظرفي تحكمه عوامل السوق العالمية.
وفي سوريا، بدأت الفضة خلال العامين الأخيرين تفرض حضورها بقوة في الأسواق المحلية، بعد أن اعتاد السوريون النظر إلى الذهب بوصفه الملاذ الآمن الوحيد للادخار.
ولم يعد الحديث عن الفضة في أسواق الصاغة هامشياً، بعد أن سجّل الغرام محلياً نحو 380 ليرة جديدة (38000 ليرة قديمة)، بل بات جزءاً من حركة السوق اليومية، مع إقبال متزايد من مواطنين وجدوا فيها خياراً أقل تكلفة وأكثر مرونة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
تتناسب مع الأسواق العالمية
يقول مدير الإدارة العامة لهيئة المعادن الثمينة مصعب الأسود، لصحيفة “الثورة السورية”، إن ارتفاع سعر الفضة في السوق المحلية “يتناسب فرضاً مع ارتفاع سعر الذهب أو ارتفاع المعادن الثمينة بشكل عام”، معتبراً أن ما يحدث حالة طبيعية، وليست مضاربات ولا أسعاراً وهمية.
ويوضح الأسود أن ارتفاع أسعار الفضة مؤخراً يعود إلى دخولها في بعض الصناعات الحديثة والإلكترونية والصناعات المتطورة، ما أدى إلى زيادة الطلب عليها عالمياً.
وحول آليات ضبط السوق، يؤكد أن إجراءات الهيئة في ضبط سوق الفضة هي نفسها المتبعة في ضبط الذهب، موضحاً: “نراقب استيراد الفضة وعملية تصنيعها، والفضة حالياً تسهم جمعية الصاغة في استيرادها، وهناك إدخال كميات لا بأس بها من الفضة المستوردة، نقوم بوسمها في جمعية الصاغة بالسمة السورية بعد فحصها والتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية”.
ويشير الأسود إلى أن التسعير المحلي مرتبط بالسعر العالمي، ويتم اعتماده من الأونصة العالمية، ويُحدَّث بشكل مستمر وفق التذبذب في البورصة العالمية، سواء في حالات الصعود أو الهبوط.
خيار ممكن
في جولة لصحيفة “الثورة السورية” على عدد من محال الصاغة بدمشق، اعتبر بعض المواطنين أن الفضة باتت خياراً ممكناً بديلاً عن الذهب، إذ يقول أبو محمد – موظف: “الذهب صار يحتاج إلى رأسمال كبير، أما الفضة فهي أقرب للناس، وسعرها يتحرك، وهذا الشيء شجعنا على شرائها بهدف الادخار”.
أما رنا سليمان – ربة منزل، فتشير إلى أن ثقافة الادخار بدأت تتغير: “كنا نفكر بالفضة على أنها للزينة فقط، اليوم صارت وسيلة حفظ قيمة، خاصة مع الحديث عن استخدامها في الصناعة وارتفاع الطلب عليها”.
بينما يؤكد سامر حداد – تاجر فضيات، أن الإقبال على الفضة “زاد بشكل واضح خلال 2025″، لافتاً إلى أن بعض الزبائن يشترونها “كاستثمار طويل الأمد، وليس فقط للمصاغ”.
لماذا ترتفع الفضة؟
يرى الخبير المالي والمصرفي الدكتور علي محمد، أن “ما طرأ من ارتفاع على أسعار الفضة في عام 2025 مرشح للاستمرار خلال 2026 والسنوات القادمة”، عازياً هذا الارتفاع إلى جملة من العوامل.
وأوضح محمد لصحيفة “الثورة السورية” أن العامل الأول، الفضة، كباقي المعادن الثمينة، تُعد وجهة للمستثمرين، كما أنها ضمن المحافظ الاستثمارية العالمية، وبالتالي فإن العوامل التي تدفع باتجاه الاستثمار وشراء الذهب تتشابه مع الفضة، فضلاً عن أن التضخم العالمي دفع المستثمرين إلى البحث عن ملاذات آمنة، والفضة أصبحت من ضمنها.
السبب الثاني، يضيف الخبير المالي والمصرفي، أن الفضة تميزت بزيادة الطلب عليها في السنوات القليلة الماضية والسنوات المستقبلية، نظراً للتطور الصناعي الحاصل، لا سيما في مجال الإلكترونيات والطاقات المتجددة والطاقات الشمسية، وبالتالي هناك طلب صناعي حقيقي.
أما السبب الثالث، بحسب الدكتور محمد، فيرتبط بتوترات عالمية وجيوسياسية تدفع للاستثمار في المعادن الثمينة، والفضة يُعد سعرها مقبولاً مقارنة بمعادن أخرى، وبالتالي هناك رغبة بالاستثمار في الفضة عالمياً، خاصة من صغار المدخرين، وليس فقط من يمتلكون مبالغ كبيرة، نظراً لسعرها الحالي مقارنة بالذهب.
ويعتقد محمد، أن الفضة، إذا ما جرى احتسابها كتقويم على سعر الذهب، فهي أمام توقعات بارتفاع كبير خلال السنوات القادمة، وربما في عام 2026، وهذا ما بدأ يحصل، إذ بلغت نسبة الذهب إلى الفضة، التي تُظهر عدد أونصات الفضة المطلوبة لمعادلة قيمة أونصة واحدة من الذهب، 51.13، بينما هناك شواهد تاريخية وصلت فيها النسبة بين سعر الذهب والفضة إلى 14، ما يعني أن سعر أونصة الفضة يمكن أن يصل إلى 309 دولارات مقارنة بسعر أونصة الذهب الحالي.
وهناك شاهد آخر في عام 2011، عندما وصل سعر أونصة الفضة إلى 32 من سعرها مقابل الذهب في أقل تقدير، أي تم تقدير القيمة المنطقية لأونصة الفضة بناء على هذه النسبة بنحو 109 دولارات، وهو رقم متقارب إلى حد ما مع التطورات الأخيرة في سعر الفضة.
فرضية المضاربات
يعتبر الدكتور محمد أنه لا يمكن الجزم بشكل قاطع بوجود مضاربات لزيادة الشراء ورفع الأسعار من أجل زيادة الأرباح، ويقول: “من وجهة نظري أراها حقيقية وطويلة الأمد، لكن لا يمكنني الجزم بأنها ليست مضاربات على المدى القصير”.
وعن الانعكاس على السوق المحلية، يوضح قائلاً: بطبيعة الحال، أي معدن ثمين يرتفع عالمياً سيرتفع محلياً.
وعن ارتباط الفضة بسعر الصرف، يبين أن سعر الصرف أصبح تحصيل حاصل، سواء تحسنت الليرة أو لم تتحسن، فقيمة الفضة لم تنخفض بل تحسنت، وبالتالي العامل الحاكم هو السعر العالمي.
لكن من جهة أخرى، يعتبر الدكتور محمد أن سعر الصرف يؤثر في الاستيراد، فكلما انخفض سعر صرف الليرة زادت تكاليف الاستيراد، وارتفعت أسعار القطع المستوردة، إضافة إلى تكاليف الشحن والتأمين بالعملات الأجنبية، وربما الرسوم الجمركية من الدول المصدرة.
مستقبل الفضة
بالنسبة إلى التغيرات المستقبلية المتوقعة، يلفت الخبير المالي والمصرفي إلى أنها رهن بالعرض والطلب، والطلب الاستثماري والصناعي، وإذا بقيت العوامل العالمية على حالها، يمكن أن نشهد مزيداً من التصاعد.
كما يلاحظ وجود توجه نحو شراء أسهم الشركات العالمية، وهي تلعب دوراً في السوق، ولا يمكن إنكار وجود مضاربات، لكنها ليست العامل الأساسي، فضلاً عن أن إنتاج الفضة عالمياً واكتشاف مناجم جديدة كلها عوامل قد تحكم الأسعار في المستقبل.
وبالعودة إلى سوريا، يذكّر الخبير الدكتور محمد أن صغار المدخرين يفضلون الملاذ الآمن، والفضة بأسعارها الحالية ملائمة لهم، وهي أقل كلفة وأسهل من الذهب، ما ينعكس على السوق المحلية، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الثقافة تتغير؛ فالبعض ما زال متمسكاً بالذهب، بينما اتجه البعض الآخر إلى الفضة، وهذا التزايد في الطلب قد يستمر في السنوات القادمة، خاصة إذا ما قورن بما حصل في عام 2025.
وبين سوق محلية تتأثر بالتحركات العالمية، ومستثمرين يبحثون عن بدائل أقل كلفة، تبدو الفضة اليوم أمام اختبار حقيقي: هل تواصل الصعود، أم تعود إلى هدوئها السابق؟
