يتواصل النقاش في الأوساط الصناعية والاقتصادية حول آليات إحداث تغيير فعلي في واقع الصناعة الوطنية التي تعاني منذ سنوات من اختناقات هيكلية وتمويلية وتشغيلية.
وفي هذا الإطار نظمت غرفة صناعة دمشق وريفها مؤخراً، ملتقى “مختبر حلول الصناعة الوطنية”، ورغم أنه لم يُفضِ إلى قرارات تنفيذية فورية أو حزم دعم جاهزة، إلا أنه شكّل، بحسب القائمين عليه، خطوة تحضيرية مهمة للانتقال من مرحلة تشخيص التحديات إلى بلورة إطار تخطيطي للإصلاح الصناعي، عبر توحيد الرؤية الرسمية حول مسارات النهوض بالقطاع.
وتمثلت أبرز مخرجات “مختبر حلول الصناعة الوطنية” في الاتفاق على خمسة محاور أساسية للنهوض بالصناعة، شملت: تبسيط الإجراءات الإدارية، تحسين بيئة التشغيل، تطوير أدوات التمويل، تسهيل تأمين مدخلات الإنتاج، وتأهيل الموارد البشرية.
كما أسفر الملتقى عن إعداد ورقة سياسات تضمنت 28 توصية، نتجت عن عمل مجموعات متخصصة بمشاركة خبراء وصناعيين، مع تحديد الجهات المعنية وأطر زمنية مبدئية للتنفيذ.
إلا أن غياب الإعلان عن برامج تنفيذية فورية أو آليات تمويل واضحة أبقى الأثر المباشر للملتقى محدوداً في مرحلته الراهنة، وربط نتائجه العملية بما ستتخذه الحكومة لاحقاً من قرارات وإجراءات تنفيذية.
دعم بلا تردد
تعليقاً على ذلك، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد الزيات، أن التشجيع الفعلي للصناعة لا يتحقق إلا من خلال حزمة دعم جريئة ومباشرة، تبدأ بإلغاء الرسوم الجمركية والقيود الإدارية على استيراد الآلات الصناعية وخطوط الإنتاج، حتى في حال الشراء المباشر من المعارض الدولية، مع السماح بشحنها فوراً دون اشتراط سجل تجاري أو صناعي.
ويقول الزيات لصحيفة “الثورة السورية”، إن تسهيل إدخال المواد الأولية دون قيود، وتقديم أسعار تفضيلية للطاقة الكهربائية ووقود المصانع، إلى جانب إعفاءات ضريبية واسعة، لا سيما للمصانع الجديدة، تمثل ركائز أساسية لأي نهضة صناعية حقيقية.
كما شدد على أهمية الاستثمار في تأهيل اليد العاملة عبر دورات مهنية متخصصة، مستشهداً بتجارب دول مثل الهند، إضافة إلى التوسع في إقامة المعارض الدولية للصناعة السورية داخل البلاد وخارجها، كأداة للترويج وجذب الشراكات.
وفي بعد تخطيطي، ينتقد الزيات حصر النشاط الصناعي في مناطق محددة مثل عدرا وحسياء، داعياً إلى نشر الصناعات غير الملوثة حول المدن ذات الكثافة السكانية، بما يخفف تكاليف النقل ويوفر فرص عمل محلية، مستشهداً بتجارب تركيا وإيران والولايات المتحدة.
ويذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى إنشاء مناطق صناعية حرة ومناطق مخصصة لجذب الصناعيين الأجانب، لا سيما الصينيين، على غرار تجارب الكويت والصين في عهد دنغ شياو بنغ، التي شكلت الأساس لانطلاقتها الصناعية.
أسئلة جوهرية
يتفق الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، مع جوهر ما طرحه الزيات حول أهمية دعم الصناعة، لكنه يرى أن الصورة لا تكتمل دون الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بكلفة هذا الدعم، وآليات تمويله، والجهة التي ستتحمل أعباءه، إضافة إلى مدته الزمنية والنتائج المتوقعة على المستويين الجزئي والكلي للاقتصاد.
ويؤكد عياش لصحيفة “الثورة السورية” أن أي حزمة دعم يجب أن تُقيّم، ليس فقط من حيث أثرها على المصانع، بل أيضاً من حيث انعكاسها التنموي والاجتماعي، وقدرتها على خلق فرص عمل مستدام وتحقيق نمو حقيقي.
وفي هذا الإطار، يطرح مفهوم “الدعم المشروط” أو “الحماية الذكية للصناعة الوطنية”، بحيث يكون الدعم مرهوناً بتحقيق مؤشرات واضحة، منها زيادة المكون المحلي والمحتوى التقني في المنتج النهائي، ورفع نسبة التصدير من إجمالي الإنتاج، وتحقيق إنتاجية قادرة على تغطية السوق المحلية وفق معايير الجودة والسعر والسرعة.
كما يشدد على ضرورة توجيه الدعم نحو الصناعات القادرة على إحلال بدائل المستوردات، وتطبيق مفهوم المسؤولية المجتمعية لقطاع الأعمال، بما يجعل الصناعة رافعة تنموية فعلية، لا مجرد عبء على المالية العامة.
لا دعم بلا مقابل
حول المخاوف المتعلقة بكلفة الدعم، يؤكد الزيات أن الصناعة هي المورد الأساسي للعملات الصعبة، وأداة تشغيل اليد العاملة، مستشهداً بتجارب اليابان والصين وسويسرا ولوكسمبورغ، حيث شكل الدعم الصناعي والبحث العلمي قاعدة التقدم الاقتصادي.
ويشبّه إطلاق الصناعة بعجلة شاحنة ثقيلة، يصعب إيقافها بعد انطلاقها، معتبراً أن كلفة التأسيس مهما بلغت أقل بكثير من كلفة استمرار الركود الصناعي، والاعتماد على الاستيراد.
في المقابل، يحذر عياش من أن اقتصاد السوق الحر لا يعرف دعماً بلا مقابل، مؤكداً أن كل ليرة دعم يجب أن تقابلها عوائد مضاعفة على الاقتصاد، ما يتطلب تحديد الصناعات المستهدفة بدقة، ووضع جداول زمنية واضحة لتقليص الدعم تدريجياً مع تحقيق الأهداف.
وبالنتيجة، يرى عياش أن ملتقى “مختبر حلول الصناعة الوطنية” شكّل منصة مهمة للحوار وتوحيد الرؤية، لكنه لا يزال في إطار التحضير والتخطيط، ولا بد من الانتقال من التوصيات إلى التنفيذ، مبيّناً أن الحكم النهائي على الملتقى ومخرجاته يبقى مرهوناً بقدرة الجهات المعنية على ترجمة التوصيات إلى سياسات عملية، توازن بين الجرأة في دعم الصناعة والحكمة في إدارة الموارد، بما يضع الصناعة الوطنية فعلاً على سكة التعافي والنمو المستدام.
