مع كل ارتفاع أو انخفاض في سعر الصرف، تتغير أسعار السلع الأساسية بشكل فوري، وتتغير معها أولويات الأسر، بينما يبقى دخل معظم السوريين ثابتاً أو شبه ثابت، ما يوسع الفجوة بين الأجور وتكاليف الحياة، ويضع ملايين الأسر تحت ضغوط مالية متزايدة.
وسط حالة عدم الاستقرار النقدي المستمرة، باتت حركة سعر الصرف المؤشر الأكثر متابعة من قبل المواطنين، إذ إن أي تراجع في قيمة الليرة ينعكس فوراً على ارتفاع الأسعار، في حين أن أي تحسن نادراً ما يترجم إلى انخفاض ملموس في تكلفة المعيشة.
هذا الواقع يفتح نقاشاً واسعاً في الشارع حول الأسباب الكامنة وراء هذا الخلل المزمن في العلاقة بين سعر الصرف ومستوى المعيشة.
ارتفاع متواصل
في جولة سريعة على أسواق دمشق، يمكن ملاحظة حالة من عدم الاستقرار السعري، إذ تختلف الأسعار من سوق إلى آخر، ومن يوم إلى آخر، بل حتى خلال اليوم الواحد.
فأسعار المواد التموينية الأساسية واصلت ارتفاعها خلال الشهر الجاري، إذ يُباع كيلوغرام السكر بنحو 85-90 ليرة جديدة (8,500-9,000 ليرة قديمة)، فيما يتراوح سعر كيلوغرام الأرز الطويل بين 150-200 ليرة جديدة (15,000-20,000 ليرة قديمة) بحسب النوع والمنشأ.
ووصل سعر كيلوغرام العدس إلى 120 ليرة جديدة (12,000 قديمة)، في حين تباع المعكرونة بأسعار تتراوح بين 90-120 ليرة جديدة (9,000-12,000 قديمة).
أما الزيت النباتي، فقد بلغ سعر ليتر زيت دوار الشمس نحو 240 ليرة جديدة (24,000 قديمة)، ما دفع العديد من العائلات إلى تقليص الاستهلاك أو البحث عن بدائل أقل جودة.
الخضروات أيضاً أصبحت عبئاً يومياً على ميزانية الأسرة، فقد تراوح سعر كيلوغرام البطاطا بين 60-80 ليرة جديدة (6,000-8,000 قديمة)، فيما تراوح سعر كيلوغرام البندورة بين 80-120 ليرة جديدة (8,000-12,000 قديمة)، والخيار بين 80-90 ليرة جديدة (8,000-9,000 قديمة)، أما البصل فتراوح بين 50-70 ليرة جديدة (5,000-7,000 قديمة).
هذه الأسعار دفعت كثيراً من الأسر إلى تغيير نمط التسوق، وشراء كميات محدودة، أو الاستغناء عن بعض الأصناف، خاصة مع الارتفاع المتزامن في أسعار الفاكهة، التي باتت تُصنّف كمواد كمالية لدى شريحة واسعة من المواطنين.
أما اللحوم، فقد خرجت عملياً من الاستهلاك اليومي لمعظم الأسر، إذ وصل سعر كيلوغرام لحم الغنم الطازج إلى نحو 2,000 ليرة جديدة (200,000 قديمة)، بينما بلغ سعر كيلوغرام لحم العجل 1,400 ليرة جديدة (140,000 قديمة).
وامتد الغلاء أيضاً إلى منتجات الألبان، فقد وصل سعر كيلوغرام الحليب إلى 80 ليرة جديدة (8,000 قديمة)، وسعر كيلوغرام الجبنة البلدية إلى أكثر من 300 ليرة جديدة (30,000 قديمة)، وبلغ سعر صحن البيض بين 330-380 ليرة جديدة (33,000-38,000 قديمة).
كما شهدت السلع الغذائية الجاهزة ومواد التنظيف ارتفاعاً ملحوظاً، ما دفع بعض الأسر إلى تقليل استخدامها أو اللجوء إلى بدائل أقل جودة.
الدخل والأسعار
في حي الشيخ سعد بدمشق، تقول أم خالد، وهي موظفة وأم لثلاثة أطفال، إن دخل أسرتها الشهري لا يغطي سوى جزء بسيط من احتياجاتها، وتضيف: “أي حديث عن تحسن سعر الصرف لا يغيّر شيئاً في واقعي اليومي، فالأسعار لا تعود إلى الوراء، بينما الراتب يبقى كما هو”.
أما أبو أحمد، عامل مياومة في ريف حماة، فيختصر المشهد بقوله: “الدخل غير ثابت، والعمل غير مضمون، لكن الأسعار ثابتة على الارتفاع”.
ويبلغ الحد الأدنى للرواتب 7,500 ليرة جديدة (750 ألف ليرة قديمة)، بعد أن رفعته الحكومة في 2025 بنحو 170 بالمئة.
تشوه هيكلي
يقول رئيس جمعية حماية المستهلك، عبد العزيز المعقالي، لصحيفة “الثورة السورية”: إن هذا الواقع ليس عارضاً، بل نتيجة ما يسميه “تشوهاً هيكلياً في الاقتصاد”، موضحاً أن تحسن سعر الصرف في بعض الفترات كان غالباً مؤقتاً ومحدود الأثر، ولم يقترن بإصلاح حقيقي للاقتصاد الإنتاجي، في ظل اعتماد السوق السورية على الاستيراد، وارتباط الأسعار بتكاليف الشحن والمخاطر وهوامش الربح المرتفعة، وليس بسعر الصرف وحده.
ويعزو المعقالي جانباً من ارتفاع الأسعار إلى احتكار سلاسل التوريد، إذ يسيطر عدد محدود من كبار المستوردين والوسطاء على حركة السلع، ما يضعف المنافسة الحقيقية ويمنع أي خفض تلقائي للأسعار، حتى في حال تراجع التكاليف.
ويشير إلى أن تراجع القدرة الشرائية وانخفاض الطلب الفعلي لا يؤديان بالضرورة إلى انخفاض الأسعار، بل يدفعان بعض التجار إلى رفع هامش الربح على الوحدة الواحدة لتعويض تراجع حجم المبيعات، في حلقة مفرغة يتحمل المواطن عبئها الأكبر.
ويصف المعقالي هذه الظاهرة بما يسميه “تكلّس التضخم”، أي أن الأسعار التي ارتفعت لسنوات أصبحت “لزجة” في اتجاه الهبوط، بسبب خوف التجار من تقلبات مفاجئة في سعر الصرف، أو بسبب تصريف مخزون تم شراؤه بأسعار مرتفعة.
لماذا لا تنخفض الأسعار؟
يؤكد المعقالي أن غياب الرقابة الفعالة، وضعف المنافسة، وتخوف السوق من أي انتكاسة نقدية، كلها عوامل تمنع انخفاض الأسعار حتى في فترات تحسن الليرة، مشيراً إلى أن جمعية حماية المستهلك تعمل ضمن إمكانيات محدودة على الرصد الميداني، وتوثيق التفاوت السعري، ونشر الأسعار العادلة، والتنسيق مع الجهات الرقابية، إضافة إلى تشجيع المقاطعة الانتقائية والتعاونيات الاستهلاكية.
ويرى أن الحلول الواقعية تبدأ بإحياء أسواق “من المنتج إلى المستهلك”، ودعم التعاونيات، وتشجيع المونة المنزلية، والضغط باتجاه دعم الإنتاج المحلي بدلاً من الاستيراد، مؤكداً أن العدالة في الأسعار “قضية أخلاقية قبل أن تكون اقتصادية”.
وإلى أن تتحقق هذه المعادلة، ستبقى الأسرة السورية في مواجهة يومية مع أرقام تتغير بسرعة، وقدرة شرائية تتآكل، بانتظار استقرار اقتصادي ينعكس فعلياً على موائدها وحياتها اليومية.
