السكن الشبابي.. آلاف السوريين عالقون بين وعود قديمة وتكاليف متصاعدة

الثورة السورية – مجد عبيسي:

منذ أكثر من عقدين، يعيش آلاف السوريين حالة من الانتظار والضبابية حول مستقبل سكنهم الشبابي.

إذ لا يزال أكثر من 20 ألف مكتتب من أصل 55 ألفاً عالقين بين وعود قديمة وتأخيرات متكررة، بينما تتصاعد التكلفة الفعلية للشقق بشكل يفوق قدرة كثيرين على الدفع.

وتعكس مشاريع الإسكان العام غير المكتملة معاناة حقيقية لمواطنين استثمروا سنوات من حياتهم في حلم امتلاك منزل، ولم يروا ثمار استثماراتهم بعد.

وانطلق مشروع إسكان الشباب باعتباره جزءاً من برنامج الإسكان الاجتماعي في سوريا، عام 2002، بهدف دعم الشباب وتمكينهم من الحصول على سكن بأسعار تتناسب مع دخولهم، لكن المشروع توقف قبل اكتماله بسبب الفساد وسوء الإدارة خلال فترة النظام المخلوع، خاصة أن الجهات التي وقعت عقوداً لتنفيذه شملت المؤسسة العامة للإسكان العسكري.

وينص القانون على تمويل المشروع بنسبة 30 بالمئة من أقساط المشتركين، و30 بالمئة من صندوق الدين العام من دون فوائد، و40 بالمئة من المؤسسة العامة للإسكان.

محمد، أحد المكتتبين على هذا المشروع، يقول لصحيفة “الثورة السورية”: اكتتبنا عام 2004 على سكن شبابي قيمته الإجمالية 600 ألف ليرة سورية قديمة، في ضاحية قدسيا الجديدة وتوسعها بريف دمشق، على أن يتم استلام الشقة بعد 10 سنوات أي عام 2014.

ولا يعلم محمد مصير هذه الشقة، وما إذا كان المشروع مستمراً أم توقف نهائياً، كما تساءل عما إذا كان سيدفع فروقات التكلفة بسبب تغيّر الأسعار.

وشملت أوجه الفساد التي رافقت المشروع تغيير مكان الشقق، كما يقول محمد، موضحاً أنه اكتتب على شقة في ضاحية قدسيا الجديدة لكن تمّ تخصيصه في توسع الديماس.

وكانت آخر وعود مؤسسة الإسكان خلال فترة النظام المخلوع في عام 2020 بتسليم الدفعات الأخيرة من مشروع السكن الشبابي في عام 2024، لكن ذلك لم يحصل أيضاً.

تحرك حكومي بعد التحرير

يقول مدير المؤسسة العامة للإسكان، المهندس أيمن مطلق، لصحيفة “الثورة السورية”: إن المؤسسة تسعى لمعالجة واقع المكتتبين والمُخصصين في جميع البرامج الإسكانية التي تنفذها.

وأوضح مطلق أن وزير الأشغال العامة والإسكان مصطفى عبد الرزاق، أصدر القرار رقم 3921 بتاريخ 14 أيلول 2025، الذي منح مهلة للمكتتبين والمُخصصين المتأخرين عن تسديد التزاماتهم المالية منذ بدء الثورة السورية لتسديد الأقساط الشهرية المترتبة عليهم من دون أي غرامات، وتنتهي هذه المدة في 31 آذار المقبل.

كما تضمن القرار اعتبار مبالغ التسوية المدفوعة سابقاً من قبل المكتتبين والمخصصين كدفعة من ثمن المسكن، وألغي القرار الوزاري، قرارات الإلغاء كافة الصادرة بحقّ المكتتبين والمُخصصين منذ بداية الثورة السورية، كما منح مهلة ستة أشهر للمُخصصين الذين تأخروا عن إبرام عقود مساكنهم للعمل على إبرام عقود المساكن المخصصين بها.

وفي أيار الماضي، استأنفت وزارة الأشغال العامة والإسكان، العمل على مشاريع السكن الشبابي بضاحية قدسيا بريف دمشق، حيث وصلت نسب الإنجاز إلى نحو 97 بالمئة، إلى جانب إنجاز نحو 60 بالمئة من أعمال الموقع العام بما في ذلك الأرصفة والساحات والطرقات.

أما في مساكن قرى الشام بريف دمشق، فقد استؤنف العمل في شهر تشرين الثاني الماضي، وتجاوزت نسبة الإنجاز فيها 80 بالمئة، فيما بلغت نسبة تنفيذ أعمال الموقع العام نحو 50 بالمئة.

تأخير على حساب المواطن

يقول الخبير العقاري سامر حوري لصحيفة الثورة السورية”: إن من سجل على شقة شبابية بعمر 40 سنة أصبح عمره 62 سنة وتقاعد، ومرتبه التقاعدي لا يكفيه قسط شقة أحلامه.

وأوضح حوري أن مؤسسة الإسكان كانت في كل فترة تعيد التخمين وترصد تغير التكلفة، والتأخير دائماً كان على حساب المواطن، مشيراً إلى أن هذا الظلم وقع على عدد كبير من الناس، فمن المكتتبين من تسلم شقته عام 2008، والباقون لم يتسلموا شققهم إلى اليوم.

واعتبر أن المشكلة الأكبر تتمثل في أن المشاريع أقيمت من دون وضع جدول زمني لنهايتها، وتم ربط المشروع ككتلة واحدة، والأقساط حالياً 25 ألف ليرة قديمة عديمة القيمة، والأقساط الموضوعة في البنوك أضحت قيمتها صفر،محذراً من استمرار العمل بالكوادر القديمة والعقلية ذاتها.

وأكد حوري أن الدولة اليوم باتت تعاني من معضلة، فخيار إلغاء المشروع وإعادة الاشتراكات للمكتتبين الذين استمروا بدفع الأقساط طيلة 25 سنة ليس خياراً، لأن المدفوعات أصبحت توازي سعر الشقة الأول، وهذا ظلم كبير.

وأشار إلى أن تكاليف البناء عام 2004 كانت منخفضة، والدفعات مثلت منذ عام 2004 إلى 2010 نحو ثلث ثمن الشقة، أما اليوم بعد 22 سنة فقد تغيّرت كلّ التكاليف.

فرق العملة

يرى حوري أن فرق العملة اليوم وآلية التقييم من أبرز مشكلات استكمال المشروع، معتبراً أن الحل بالنسبة للسكن الشبابي والعمالي يتمثل في تخصيص كامل الأعضاء على المخططات، مع تحديد كل محضر ونسبة تنفيذه وتكلفته، وحساب باقي الأقساط بمدة لا تتجاوز عامين للتسليم على المفتاح، مع مراعاة احتساب الأموال المدفوعة سابقاً بسعر الصرف في أيام الدفع.

كما لفت إلى أهمية التعاقد مع بنك حكومي أو خاص ليتحمل تكاليف إتمام المشروع، ليصبح التعامل مع البنك بالنسبة للمكتتب حيث يحجز على العقار إلى حين إكمال المدفوعات،وهذا، حسب رأيه، يمنع الفساد ويسرع إنجاز المشاريع.

وأشار أيضاً إلى ضرورة تشكيل لجان عدة للإشراف والتسليم من المكتتبين أنفسهم لمتابعة سير العمل، وأن يُقسَّم المشروع على عدة أقسام لسهولة المتابعة، مع منح المهندس المشرف ولجنة الإشراف والتسليم عدد محدد من المحاضر، بحيث لا تكون كما في السابق لجنة مركزية من عدد قليل من الأشخاص تتابع آلاف المحاضر في كل المحافظات.

الجمعيات السكنية

لفت حوري إلى أن واقع الجمعيات السكنية أكثر تعقيداً من السكن الشبابي، إذ أسست لتحقيق نفس الغاية، لكن بعض الجمعيات انحرفت عن هدفها وركّزت على “مصالح شخصية”، ما أدى إلى فساد واسع بسبب ضعف الإشراف الفني وانعدام الشفافية. وأوضح أن بعض المكتتبين الوهميين حصلوا على تخصيصات شقق رغم عدم دفعهم، وغالبية المدفوعات كانت تحت سيطرة أقارب مجالس الإدارة.

وأضاف أن الجمعيات كانت ترفع أسعار المحاضر بشكل مضاعف، وتستأجر مقرات في وسط العاصمة بأسعار عالية، مما أخر تنفيذ المشاريع.

وأوصى حوري بتغيير مجالس الإدارة ووضع ممثلين من الأعضاء وفنيين وحقوقيين مع آليات متابعة ومساءلة واضحة.

شارك