بين الشائعات والأسواق.. كيف تؤثر وسائل التواصل على الأسعار؟

الثورة السورية – وعد ديب:

في السنوات الأخيرة، لم تعد القضايا الاقتصادية والمعيشية تُناقش فقط في الأسواق أو المجالس المحلية، بل انتقلت بقوة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتصدر الأسعار وتوفر السلع واجهة النقاش اليومي.

هذا الحضور الكثيف للمنصّات الرقمية يطرح إشكالية أساسية: هل ما يُتداول على الشاشات يعكس فعلاً الواقع الاقتصادي الذي يعيشه السوريون، أم أنه يعبّر عن شريحة محددة تمتلك أدوات الاتصال والصوت الأعلى؟

تشير تقديرات دولية حديثة إلى أن عدد سكان سوريا بلغ نحو 25.8 مليون نسمة في نهاية 2025، بينما يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت نحو 9.25 ملايين شخص، أي حوالي 35.8 بالمئة من إجمالي السكان، مقابل أكثر من 64 بالمئة خارج التغطية الرقمية.

ورغم وجود ملايين الحسابات النشطة على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن هذه الأرقام لا تمثّل بالضرورة عدد المستخدمين الحقيقيين، بسبب انتشار الحسابات الوهمية والمكررة والتجارية، ما يضعف إمكانية اعتبار هذا الفضاء ممثلاً دقيقاً للرأي العام الشامل

جزء من الواقع

يرى الخبير الاقتصادي والباحث في الإحصاء والاقتصاد القياسي الدكتور خضر العكاري، أن النقاشات الاقتصادية المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا تعكس جزءاً من الواقع، لكنّها لا تمثله كاملاً.

وأوضح العكاري لصحيفة “الثورة السورية” أن هذه النقاشات تنطلق من عينة غير عشوائية تميل إلى فئات تمتلك الاتصال بالإنترنت وتتحمل كلفته ولديها القدرة والوقت على التعبير، ما يجعل الصوت الرقمي منحازاً بطبيعته إلى المدن وفئة الشباب وأصحاب الدخل.

وأوضح العكاري أن قياس عدد “الحسابات” لا يساوي قياس عدد “الأفراد”، بسبب التكرار والحسابات الوهمية، مؤكداً أن ما يظهر على المنصّات قد يلتقط تغيرات سريعة في المزاج الاقتصادي أو صدمة نقص سلعة معينة في مدينة ما، لكنّه يفشل في تمثيل معاناة الشرائح غير المتصلة أو الأقل حضوراً رقمياً.

صوت الشارع

هذا الخلل في التمثيل تؤكده شهادات مواطنين لا يحضرون في الفضاء الرقمي.

يقول صلاح عابورة، عامل مياوم في ريف حماة: إن معظم ما يُكتب على وسائل التواصل لا يشبه واقعهم، وأضاف: “نحن نركض خلف تأمين أساسيات المعيشة ولا نملك إنترنت دائماً ولا وقتاً للتعبير”.

وتشير أم وليد ربة منزل في ريف دير الزور إلى أن ارتفاع الأسعار يكون ملموساً قبل أن يتحول إلى حديث على المنصّات، “لكن أحداً لا يسمعنا لأننا خارج هذه النقاشات”.

ويرى العكاري أن الرأي العام الرقمي يمكن أن يُستخدم كمؤشر إنذار مبكر لصانع القرار، لا كبديل عن القياس العلمي التمثيلي.

وأضاف أن الاعتماد على المنصّات الرقمية وحدها يخلق تحيزاً منهجياً في صنع السياسات الاقتصادية، خاصة في ظلّ ضعف التغطية الرقمية والانقطاعات المتكررة في الاتصال.

وأكد أن المقاربة السليمة تقتضي دمج إشارات وسائل التواصل مع بيانات سوقية فعلية، تشمل تطورات الأسعار في مختلف المحافظات، وتوافر السلع، وسلاسل التوريد، إضافة إلى نبض ميداني يُقاس عبر عينات هاتفية موزونة اجتماعياً وجغرافياً.

تأثير فعلي

خلال السنوات الماضية، شهدت الأسواق السورية حالات انتقل فيها الجدل الرقمي مباشرة إلى أرض الواقع.

ففي أكثر من مناسبة، أدّت منشورات وتحذيرات متداولة حول نقص مواد أساسية، كالمحروقات أو بعض السلع الغذائية، إلى موجات شراء زائد وتخزين احترازي، ما خلق ضغطاً مفاجئاً على الطلب وارتفاعات سعرية مؤقتة، حتى في فترات لم يكن فيها نقص فعلي في التوريد.

كما ساهم تداول أسعار غير رسمية وتوقعات غير موثقة عبر المنصّات في خلق مرجعية سعرية موازية، أربكت السوق وأضعفت قدرة المستهلك على التمييز بين السعر الحقيقي والمضخم.

وأكد أحد تجار المواد الغذائية في مدينة دمشق (رفض الكشف عن اسمه)، ممن التقتهم صحيفة “الثورة السورية”، أن الضجة الرقمية حول سلعة معينة كثيراً ما تسبق الواقع، لكنّها تدفع الناس للتهافت، ما يربك العرض ويرفع الأسعار حتى لو مؤقتاً.
وحذّر الباحث في الإحصاء والاقتصاد القياسي من أن الاستجابة السريعة للحملات الرقمية عند اتخاذ قرارات تتعلق بالأسعار أو الدعم قد تؤدي إلى نتائج عكسية، فقرارات قصيرة الأجل تهدف إلى تهدئة الرأي العام قد ترفع العجز، وتشوه الأسعار النسبية، وتغذي التهريب والاحتكار، إضافة إلى تعزيز التوقعات التضخمية إذا شعر المواطن أن السياسات باتت تستجيب للضجيج لا للمعطيات الفعلية.

كما نبه إلى خطر التضليل المنهجي والحسابات الآلية في تضخيم الأزمات وإشعال سلوكيات الذعر في سوق يعاني أصلاً من هشاشة.

عدالة التمثيل

لفت العكاري إلى أن غياب فئات اجتماعية واسعة عن الفضاء الرقمي يخلق خللاً في عدالة تمثيل الأولويات الاقتصادية، إذ إن الأكثر تضرراً غالباً هم الأقل اتصالاً والأضعف قدرة على تحويل معاناتهم إلى محتوى رقمي مؤثر.

كما أكد في الوقت نفسه أن أي سياسة اقتصادية لا تُقارن فيها خريطة النقاش الرقمي بخريطة الفقر والبطالة وتكاليف المعيشة تبقى سياسة ناقصة ومعرضة للانحياز.

وفيما يتعلق بالاستخدام الإيجابي لوسائل التواصل الاجتماعي، دعا العكاري إلى بناء آلية مؤسسية واضحة للتعامل مع هذه المنصّات، عبر إنشاء مرصد اقتصادي رقمي يركز على قياس الاتجاهات العامة وتنقية البيانات من الحسابات المكررة، وربطها بمؤشرات ميدانية مستقلة.

كما شدد على أهمية التواصل الحكومي القائم على أرقام قابلة للتحقق، وصفحات رسمية لتصحيح الشائعات وشرح القرارات الاقتصادية بلغة مبسطة، إلى جانب تفعيل قنوات مشاركة غير رقمية لضمان حضور من هم خارج الإنترنت في عملية صنع القرار.

ويضيف: بين ما يُقال على المنصّات وما يعيشه الناس في الأسواق، تبقى الفجوة الرقمية عاملاً حاسماً في فهم الواقع الاقتصادي السوري.

فوسائل التواصل الاجتماعي قد تكون أداة وعي وتنبيه، لكنّها تتحول إلى مصدر تضليل وضغط إذا استُخدمت بديلاً عن القياس العلمي الشامل، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد السوري إلى قرارات تُبنى على الواقع لا على الضوضاء.

شارك