الأسبوع الأول من رمضان.. عوامل موسمية وهيكلية تؤثر في الأسعار

الثورة السورية – وفاء فرج

مع نهاية الأسبوع الأول من شهر رمضان المبارك، تشهد الأسواق السورية تقلبات واضحة في أسعار السلع، بين الارتفاع والانخفاض والحفاظ على مستوياتها السابقة، وسط تداخل عوامل موسمية وهيكلية مع ديناميكيات العرض والطلب، بينما يبقى المواطن بقدرته الشرائية المحدودة الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

وتتفاوت الأسعار بشكل ملحوظ بين منطقة وأخرى وبين محل وآخر، متأثرة بالطلب الموسمي، وتكاليف النقل، وتقلبات سعر الصرف، إضافة إلى سلوكيات التجار والمستهلكين، في حين تؤكد الجهات الرقابية أنها تكثف جهودها لضمان استقرار السوق وتوفير السلع الأساسية.

أسعار الأسواق

في أسواق دمشق، قد تتراوح فروقات الأسعار بين 20 و30 ليرة جديدة (2,000 – 3,000 ليرة قديمة) لنفس الصنف، حسب النوعية والتعبئة والمنطقة.

وبلغ سعر كيلوغرام الأرز الهندي نحو 85 ليرة جديدة (8,500 ليرة قديمة)، بينما وصل سعر المغلف القصير إلى 115 – 125 ليرة (11,500 – 12,500 ليرة قديمة)، والبرغل إلى 90 ليرة (9,000 ليرة قديمة).

وتجاوز سعر ليتر الزيت 230 ليرة (23,000 ليرة قديمة)، في حين تراوح سعر كيلوغرام السمنة بين 300 و400 ليرة (30,000 – 40,000 ليرة قديمة) حسب النوع.

ويُباع كيلوغرام السكر الفرط بـ 80 ليرة (8,000 ليرة قديمة)، بينما يصل سعر المعبأ إلى 85 ليرة (8,500 ليرة قديمة).

بالانتقال إلى البقوليات، تراوحت أسعار الفاصولياء بين 180 و200 ليرة (18,000 – 20,000 ليرة قديمة) للكيلوغرام، بينما بلغ سعر كيلوغرام الحمص الحب 165 ليرة (16,500 ليرة قديمة)، والعدس الحب والمجروش 145 ليرة (14,500 ليرة قديمة).

وشهدت الخضراوات والفواكه تقلبات ملحوظة، إذ ارتفع سعر كيلوغرام الليمون إلى 250 ليرة (25,000 ليرة قديمة) قبل أن ينخفض فجأة إلى 150 ليرة (15,000 ليرة قديمة).

وانخفض سعر البطاطا إلى ما بين 20-50 ليرة (2,000-5,000 ليرة قديمة) للكيلوغرام، أما البندورة، فتتراوح بين 65 و80 ليرة (6,500 – 8,000 ليرة قديمة)، فيما سجلت الكوسا أسعاراً مرتفعة بين 230 و300 ليرة جديدة (23,000 – 30,000 ليرة قديمة) في بعض المناطق.

وحافظ التفاح على أسعاره المرتفعة بين 150 و200 ليرة جديدة (15,000 – 20,000 ليرة قديمة)، بينما تراوحت أسعار الكرمنتينا والبرتقال أبو صرة بين 100 و150 ليرة (10,000 – 15,000 ليرة قديمة)، وبلغ الرمان نحو 150 ليرة (15,000 ليرة قديمة).
أما سعر الموز، فيبقى في نطاق 85 – 120 ليرة (8,500 – 12,000 ليرة قديمة)، حسب النوع.

في أسواق اللحوم، وصل سعر كيلوغرام لحم الغنم البلدي العواس إلى 2,250 ليرة (225,000 ليرة قديمة)، بينما بلغ سعر كيلوغرام لحم المسوفة 1,300 ليرة (130,000 ليرة قديمة)، ويباع كيلوغرام لحم العجل بين 1,500 و1,600 ليرة (150,000 – 160,000 ليرة قديمة)، فيما لا يزال سعر كيلوغرام شرحات الدجاج أعلى من 500 ليرة (50,000 ليرة قديمة)، بعد أن وصل سابقاً إلى 590 ليرة (59,000 ليرة قديمة).

عوامل معقدة ومتداخلة

رأى رئيس غرفة تجارة دمشق، المهندس عصام غريواتي، أن أسباب ارتفاع الأسعار، خاصة في الأسبوع الأول من شهر رمضان، تبدو “معقدة ومتداخلة”، إذ تتأثر بعوامل متزامنة لكنها تتفاوت بين السلع.

وأوضح غريواتي لصحيفة “الثورة السورية”، أن الزيادة الملحوظة في الأسعار خلال الأسبوع الأول من رمضان، لا سيما في الخضار والفواكه والمنتجات الحيوانية والسلع الاستهلاكية، تعود بشكل أساسي إلى “زيادة الطلب الكبير من جميع الطبقات”، وليس تراجع المعروض منها.
وأضاف أن السلع الغذائية الجافة، مثل الأرز والبقوليات والحبوب، غالباً ما تحافظ على أسعارها أو تشهد عروضاً تشجيعية نتيجة الكميات المستوردة أو المنتجة والقابلة للتخزين.

فيما يتعلق بتأثير تذبذب سعر الصرف، أكد غريواتي أن هذا العامل يؤثر بشكل مباشر في السلع المستوردة في المقام الأول، بينما يكون التأثير “طفيفاً” على المنتجات المحلية.

وشدد رئيس غرفة تجارة دمشق على أن الأسعار بشكل عام هي نتاج توازن بين العرض والطلب، وهما محددان بالدخل أولاً، ثم بالرغبة والحاجة ثانياً، وهذا التوازن يتغير مع بداية شهر رمضان، ليخفّ تدريجياً في الأسبوع الثاني منه.

وأشار إلى “وفرة السلع والمنتجات المستوردة والمحلية”، وهو ما يتناقض مع حالة القلة والندرة التي كانت سائدة في السنوات السابقة.
واعتبر أنه “لا يمكن الحديث عن ظاهرة غلاء جامحة”، لكن هناك “تضخم في التكاليف عموماً وارتفاع الأعباء والنفقات”، مثل تكاليف الكهرباء والنقل والشحن، ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع بصورة مستمرة.

ولفت إلى أن هذا الارتفاع يأتي في ظل “تدنٍّ في الدخل لنسبة كبيرة من المواطنين”، مؤكداً أن معالجة هذا الوضع تتطلب التركيز على “الاستثمار والتوظيف”.

ديناميكية خاصة

أرجعت نائبة رئيس غرفة تجارة دمشق، الدكتورة ليلى السمان، ارتفاع الأسعار في رمضان بشكل أساسي إلى عوامل عدة، أبرزها زيادة الطلب، خصوصاً على المواد الغذائية، سواء لناحية الاستهلاك أو التبرعات.

وأوضحت السمان لصحيفة “الثورة السورية”، أن الأسباب الأخرى تشمل انخفاض هامش الربح لدى بعض الجهات، والقدرة الشرائية الضعيفة خلال باقي أيام السنة، لذلك قد يكون في بعض الأحيان “استغلال” ارتفاع الطلب لزيادة الربح أو تعويض خسائر الفترات السابقة.

أما العوامل الأخرى بحسب رؤية السمان، فتتعلق بسعر الصرف وتكاليف الاستيراد والشحن، التي ينعكس أثرها بشكل أساسي عند ارتفاعها، بينما قد لا يؤثر انخفاضها بالدرجة نفسها في السعر.

وأضافت أن هذه العوامل مجتمعة تخلق ديناميكية خاصة في السوق خلال شهر رمضان، حيث تتزايد الحاجة إلى السلع الأساسية، وتتأثر الأسعار بالضغوط الاقتصادية المختلفة.

وأكدت السمان أهمية مراقبة الأسواق وضمان استقرارها، بما يضمن توفير احتياجات المواطنين خلال الشهر الفضيل.

“استغلال” التجار

“التاجر هو من يتحكم بالأسعار”، و”من يملك السلعة يملك السعر”، وفق ما أكد أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، موضحاً أن التاجر يحدد تكاليفه وبيان التكييف الخاص به، ثم يضع السعر الذي يراه مناسباً.

وأضاف حبزة لصحيفة “الثورة السورية”، أن الانتقال إلى آليات السوق الحر عزز هذه القدرة، إذ لم يعد هناك سقف سعري محدد يلتزم به التاجر مباشرة.

وأشار إلى أن تفاقم المشكلة يتجلى عندما تلتقي “تكلفة المادة المرتفعة” مع “دخل المواطن المنخفض”، ما يجعل شراء السلع الأساسية صعباً ويؤثر سلبياً على القدرة الشرائية، مضيفاً أن بعض التجار لا يأخذون هذا الجانب بعين الاعتبار ويهمهم “الربح الأكبر”.

ولفت إلى أن تطبيق آليات السوق الحر يهدف إلى وجود منافسة حقيقية تضمن توازناً في الأسعار، إلا أن الواقع يشير إلى أن “التجار أصبحوا متحكمين بالأسعار، وفي اتفاق ضمني بينهم”، ما يجعل أي انخفاض في الأسعار غالباً ضئيلاً، بينما المطلوب انخفاض كبير يعكس المنافسة الحقيقية ويتيح للمستهلك خيارات متعددة.

ودعا حبزة، المستهلك إلى التعود على “المفاصلة” والتوجه إلى “الأسواق الشعبية” حيث يمكنه “إيجاد مصلحته”، نظراً لأن مصلحة التاجر غالباً ما تكون “رفع السعر”.

وقلّل حبزة من تأثير سعر الصرف في ظل الاستقرار النسبي، واعتبر أنه أصبح “هامشياً” حالياً، لا يتجاوز 5 بالمئة إلى 7 بالمئة إلا في الحالات الطارئة أو التبدلات الإقليمية والدولية، مؤكداً في المقابل وجود “جشع بعض التجار” الذين يستغلون احتكار بعض المواد لرفع الأسعار، خاصة عند زيادة الطلب أو انتظار المناسبات التي تشهد ارتفاعاً في الاستهلاك.

وشدد على ضرورة أن يمتلك المستهلك “ثقافة الاستهلاك”، وأن يشتري حاجياته قبل فترات الذروة لتجنب الضغط على الأسواق وارتفاع الأسعار، مشيراً إلى أن جمعية حماية المستهلك تتابع الأسواق وتوجه الجهات المعنية لضمان انسيابية المواد، مع تأكيده أن “التدخل الحكومي ضعيف”، نظراً لأن السلعة يملكها التاجر.

وأوضح ضرورة وجود تنظيم يشمل الخطط الزراعية المتوازنة وعدم إصدار قرارات مفاجئة تتعلق بالاستيراد والتصدير، لما قد يترتب عليها من تأثير سلبي على توازن العرض والطلب.

وأكد حبزة أن الاقتصاد السوري “لا يزال متعباً” ويتأثر بسهولة بالشائعات أو القرارات الحكومية والإقليمية، داعياً إلى اتخاذ القرارات “بحكمة وتأنٍ” مع مراعاة تأثيرها على السوق المحلية، مثل قرار السماح بتصدير بعض المنتجات الزراعية خلال فترات الطلب المرتفع، الذي يؤدي إلى نقص في المعروض وارتفاع الأسعار.

500 مراقب تمويني

في سياق دور الجهات الرقابية، أكد مدير مديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء، حسن الشوا، أن المديرية بدأت منذ بداية الشهر الحالي، قبيل حلول رمضان، تكثيف الرقابة التموينية على الأسواق لمواجهة أي ارتفاعات محتملة في الأسعار وضمان تلبية الطلب المتزايد خلال الشهر الفضيل.
وأوضح الشوا أن المديرية ضاعفت جهودها الميدانية بإضافة 500 عنصر تمويني جديد على مستوى جميع المديريات الأهلية في المحافظات، لتعزيز قدرات الرقابة. وأكد أن أي زيادة في الأسعار سيتم التعامل معها بحزم عبر آليات تشمل التدقيق في الفواتير، والتأكد من إعلان الأسعار للمستهلك، وتفعيل دور تلقي الشكاوى ومعالجتها سريعاً.

وأشار إلى أن العمل مستمر للحد من أي محاولات لرفع الأسعار بشكل غير مبرر، مع التركيز على تأمين وفرة المواد الأساسية. وأوضح أنه تم بالفعل إغلاق بعض الفعاليات التجارية، لا سيما التي شهدت زيادات ملحوظة في أسعار اللحوم والدواجن والمسالخ، إضافة إلى الخضراوات والألبان والأجبان.

وشدد الشوا على استمرار التواصل المباشر مع أصحاب الفعاليات التجارية والمستهلكين من خلال الجولات والدوريات الميدانية، وتفعيل مراكز العمل في المحافظات عبر الشعَب التموينية ومديريات التجارة الداخلية، مع ضمان متابعة الملاحظات والشكاوى عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي بسرعة وفعالية.

حلول فعالة

يمثل فهم آليات عمل الأسواق الاقتصادية، مفتاحاً أساسياً لتشخيص التحديات الراهنة واقتراح حلول فعالة تضمن استقرار الأسعار وعدالة المعاملات، وفق ما قال الخبير الاقتصادي الدكتور فراس حداد، لصحيفة “الثورة السورية”.
وأوضح حداد أن اقتصاد السوق يقوم على مبدأ الحرية الكاملة في المعاملات، حيث يتحدد سعر السلعة أو الخدمة بناء على تفاعل قوى العرض والطلب.

وفي ظروف المنافسة التامة، يُفترض أن تمنع آلية السوق فرض أسعار تتجاوز القيمة الطبيعية للسلعة، سواء داخل البلد أو في الأسواق المجاورة، شريطة ضمان حرية الاستيراد مع الحد الأدنى من القيود الجمركية.

وأشار حداد إلى أن المشكلة تكمن في غياب تطوير آليات البيع والشراء اللازمة بما يتوافق مع اقتصاد السوق الحر.
وأكد أن الوصول إلى تسعير عادل وشفاف في السوق، بعيداً عن الرقابة المباشرة، يتطلب استيفاء العديد من الشروط، فهو نتيجة حتمية لبيئة اقتصادية متكاملة.

واستعرض حداد عوامل نجاح هذه الآليات في الدول الأخرى، مشيراً إلى منع الاحتكار التجاري، وتحديد سقوف عليا للأرباح لا يُسمح للتجار بتجاوزها، وأهمية آليات الفوترة الإلكترونية في فرض رقابة ذاتية ومنع الاحتيال.

كما شدد على دور منظمات المجتمع المدني الفعالة في حماية المستهلك وفرض رقابة عكسية تمنع استغلال الظروف لرفع الأسعار أو المساس بالجودة.

واعتبر أن المشكلة الأساسية تكمن في “القطاع الوسيط”، الذي، في غياب الشروط السابقة، يستطيع رفع أرباحه على حساب كل من المنتج والمستهلك.

وهذا ما يفسر ارتفاع الأسعار بشكل متزامن مع زيادة سعر الصرف، وعدم انخفاضها بنفس النسبة عند تراجع السعر، مؤكداً أن هذه الظاهرة تعكس اختلالاً في آليات السوق.

ودعا حداد إلى الانتقال السريع نحو آليات تحدد هامشاً أعلى لنسبة الأرباح المسموح بها، وتسريع دخول الشركات التجارية العملاقة ذات الانتشار العالمي إلى الأسواق المحلية، لما لها من قدرة على تحقيق توازن فوري وعملي للأسعار بفضل شبكاتها الواسعة.

ورأى أن الحل الأمثل والأكثر استدامة على المدى الطويل يتمثل في دعم المنتج المحلي، وتحسين ظروف الإنتاج، وضمان استمرارية المشاريع الإنتاجية، مع التركيز على خفض تكاليف الإنتاج كعامل أساسي لتحقيق توازن الأسواق وضمان استدامة النمو الاقتصادي الكلي.

شارك