إدارة سعر الصرف بين الحلول التنظيمية والاختلالات العميقة

الثورة السورية – وعد ديب

على الرغم من إعلان مصرف سوريا المركزي عن استقرار نسبي في سعر الصرف بفضل سياسة نقدية مشددة لم تتضمن تمويل عجز الموازنة للمرة الأولى، يظل تذبذب الليرة قائماً، فيما تبدو الإجراءات التنظيمية غير كافية حتى الآن لمعالجة الاختلالات العميقة في الاقتصاد.

ومع تحسن سعر الصرف بأكثر من 30 بالمئة مقارنة بما قبل التحرير، تواصل الليرة منذ أشهر التأرجح بين 110 و120 ليرة جديدة (11,000–12,000) للدولار، متأثرة أكثر بالتوقعات والإعلانات السياسية، مثل رفع العقوبات الأميركية، مقارنة بالأساسيات الاقتصادية الفعلية، في حين يظل السعر الرسمي مستقراً عند 111 ليرة (11,100 ليرة قديمة) للدولار.

ومنذ آذار 2025، اتخذ المصرف المركزي إجراءات عدة لتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، وشملت التعويم المدار، وتوحيد أسعار الصرف، وهوامش التسعير، إلا أن أثرها بقي محدوداً أمام جذور المشكلة، وفي مقدمتها ضعف الإنتاج، ونقص الاحتياطيات الأجنبية، وفجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات المصرفية، إضافة إلى تأثير السوق السوداء والعقوبات الاقتصادية.

نقص الأدوات الفعّالة

عمل مصرف سوريا المركزي على إجراء تعويم مدار لسعر صرف الليرة، معتمداً على آليات العرض والطلب، بحسب ما قال حاكم المصرف، عبد القادر الحصرية، في تصريح سابق.

لكن الخبير في العلوم المالية والمصرفية، فراس شعبو، يرى أن المصرف المركزي يعاني نقصاً كبيراً في الأدوات الفعّالة التي تمكّنه من السيطرة على السوق بشكل كامل.

وقال شعبو لصحيفة “الثورة السورية” إن التعويم المدار أو توحيد سعر الصرف لا يمكن أن يكون حلاً ناجعاً ما دام الاقتصاد السوري يعاني ضعف الإنتاج ونقص الموارد الأجنبية.

والتعويم المدار هو نظام لسعر الصرف يُسمح فيه للعملة بالتحرك وفق آليات العرض والطلب في السوق، لكن مع تدخل البنك المركزي عند الحاجة للحد من التقلبات الحادة.

ووحّد المصرف المركزي في آذار 2025 جميع نشرات سعر الصرف في نشرة واحدة باسم “النشرة الرسمية” تُطبّق على مختلف المعاملات، كما حدّد سعر الصرف فيها (شراءً ومبيعاً ووسطياً) وفق معطيات السوق، مع قابليته للتعديل بحسب العرض والطلب. ومنح المصارف وشركات الصرافة مرونة التسعير ضمن هامش حركة يومي يحدده المركزي، يسمح لها بالتسعير أعلى أو أدنى من السعر الرسمي ضمن نسبة محددة (5 بالمئة ثم رفعها في آب إلى 7 بالمئة).

وأضاف شعبو أن أي سياسة نقدية تحتاج إلى اقتصاد منتج يدعمها، وإلا تبقى مجرد تدابير مؤقتة تفتقر إلى المقومات اللازمة لتحقيق استقرار حقيقي.

وأشار إلى أن محدودية الاحتياطيات الأجنبية تمثل أحد أبرز التحديات، إذ يتطلب التعويم المدار القدرة على ضخ العملة الأجنبية وامتصاص الصدمات، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل الظروف الراهنة. كما شدد على أن السوق غير الرسمية (السوق السوداء) لا تزال العامل الأبرز في تحديد سعر الصرف، حتى مع فرض هوامش التسعير وتوحيد الأسعار، ما يحدّ من فاعلية الإجراءات الرسمية.

أسباب اقتصادية أعمق

رأى الخبير الاقتصادي، الدكتور سميح القباني، أن الاقتصاد السوري يعاني من مشكلات هيكلية عميقة تتجاوز قدرة المصرف المركزي على إدارة سعر الصرف.

وقال القباني لصحيفة “الثورة السورية” إن تدابير مثل التعويم المدار أو توحيد الأسعار تعد حلولاً تنظيمية، لكنها لا تعالج الأسباب الجذرية للأزمة، التي تكمن في ضعف الإنتاج والعجز المستمر في الصادرات، لذلك بقي أثر هذه السياسات محدوداً.

وأضاف أن نقص الاحتياطيات الأجنبية يجعل من الصعب على المصرف المركزي تدعيم سعر الصرف أو التدخل في السوق بشكل فعّال. وأوضح أن فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات المصرفية تشكل عقبة كبرى أمام أي سياسات نقدية، حيث أصبح المواطنون يميلون إلى “الدولرة” وادخار أموالهم بالعملات الأجنبية خوفاً من انخفاض قيمة الليرة.

ولفت إلى أن العقوبات الاقتصادية وصعوبة التحويلات الدولية تقلل من قدرة سوريا على جذب العملات الأجنبية، ما يضعف التأثير المحتمل لأي إصلاح نقدي.

كما أشار القباني إلى أن التضخم المرتفع، الناتج عن تمويل العجز عن طريق طباعة النقد وارتفاع تكاليف الإنتاج، يعمق الأزمة الاقتصادية، لذلك حتى في حال تطبيق نظام التعويم أو توحيد الأسعار، فإن التضخم المرتفع سيؤدي إلى تآكل قيمة العملة.

وبحسب حاكم المركزي، انخفض معدل التضخم من أكثر من 115 بالمئة إلى نحو 14–15 بالمئة، بمساهمة من السياسة النقدية المشددة.

إصلاحات هيكلية

شدد القباني على ضرورة اتخاذ إصلاحات هيكلية جذرية لضمان نجاح السياسات النقدية، مؤكداً أن الإجراءات المؤقتة مثل توحيد الأسعار أو التعويم المدار لا تكفي بمفردها. وأوضح أن تعزيز الإنتاج المحلي وتطوير القطاعات الإنتاجية، وتوسيع قاعدة الثقة بين المواطنين والمصارف، وتنويع مصادر العملة الأجنبية، خصوصاً عبر تسهيل العمليات الاقتصادية مع دول الجوار، كلها عناصر ضرورية لدعم الاستقرار النقدي.

وكان الحصرية قد أكد أهمية استمرارية الإصلاحات المالية والمصرفية، معتبراً أن جميع المؤشرات الاقتصادية، بما فيها استقرار سعر الصرف، وضبط التضخم، والانضباط المالي، والإصلاح الهيكلي للقطاع المصرفي، تعكس نجاح السياسات الاقتصادية المتبعة، وتفتح الطريق أمام عودة الاستثمارات وتحريك عجلة الإنتاج وخلق فرص العمل.

شارك