تشهد أسعار إيجارات المنازل في سوريا، لا سيما بالعاصمة دمشق، ارتفاعاً قياسياً مستمراً، ما جعل تأمين مسكن ملائم معادلة شبه مستحيلة لغالبية المواطنين، في ظل ضعف القدرة الشرائية.
ورغم تحسن سعر صرف الليرة أمام العملات الأجنبية، فإن الإيجارات تواصل صعودها بشكل غير مسبوق، ما يثير تساؤلات حول آليات تسعير هذا القطاع.
إيجارات غير مسبوقة
كشفت جولة ميدانية لصحيفة “الثورة السورية” أن الحد الأدنى لاستئجار منزل متواضع في أطراف دمشق يبلغ نحو 20,000 ليرة جديدة (2,000,000 ليرة قديمة)، في حين يقفز السعر في الأحياء المتوسطة إلى 50,000 ليرة جديدة (5,000,000 ليرة قديمة) شهرياً، أي ما يعادل نحو 500 دولار تقريباً. وغالباً ما يشترط المالكون دفع الإيجار كاملاً لمدة عام أو نصف عام مقدماً.
ويؤكد خالد العبد، العامل في القطاع العقاري، أن الإيجارات تتفاوت بشكل كبير بحسب إكساء المنزل ومساحته والمنطقة، إضافة إلى توفر خدمات أساسية مثل الطاقة والإنترنت.
ويشير أيمن خليفة، من أحد المكاتب العقارية بدمشق، إلى أن الإيجارات في بعض المناطق مثل المالكي وتنظيم كفرسوسة تتراوح بين 1,300 و4,000 دولار شهرياً، بينما تتراوح في المناطق المتوسطة بين 450 و750 دولاراً، وتنخفض في الريف إلى ما بين 150 و350 دولاراً، وذلك وفقاً للموقع والمساحة والتجهيزات.
معاناة يومية
أمام هذه الأسعار، تتضح معاناة المواطنين. يقول عماد محمد، العائد مؤخراً من ألمانيا مع أسرته، إنه لم يتمكن من العثور على شقة مفروشة في وسط العاصمة بأقل من 1,000 دولار شهرياً.
أما ميساء أحمد، المعلمة التي تقطن في منطقة المزة 86، وراتبها لا يتجاوز 10,000 ليرة جديدة (1,000,000 ليرة قديمة)، فتصف الإيجار بأنه “عبء ثقيل” يلتهم أكثر من نصف دخل أسرتها، معربة عن قلقها من زيادة مرتقبة بعد انتهاء العقد.
ويؤكد حمزة أبو جاد (موظف)، أنه يعيش بالطابق الخامس في بيت مكوّن من غرفة وصالون بفرش متهالك في حي المزة 86 مع أصدقائه. ويروي معاناته، حيث بدأ الإيجار بـ 20,000 ليرة جديدة (2,000,000 ليرة قديمة)، ليرتفع بعد ثلاثة أشهر 5,000 ليرة جديدة (500,000 ليرة قديمة)، مع وعد برفعه مجدداً ليصبح 30,000 ليرة جديدة (3,000,000 ليرة قديمة)، إضافة إلى تحمّله أعباء إصلاح الكهرباء والمصعد، في ظل شعور دائم بعدم الاستقرار والبحث المستمر عن بديل.
القيمة الشرائية
من الناحية الاقتصادية، يُرجع الخبير العقاري الدكتور عمار اليوسف، هذا الارتفاع إلى تراجع القوة الشرائية لليرة، وليس إلى زيادة قيمة العملة الصعبة.
ويقول اليوسف لصحيفة “الثورة السورية”: “السوق العقارية تخضع بالكامل لقانون العرض والطلب، والمؤجر يعتمد على دخل الإيجار لتأمين متطلباته المعيشية، ما يدفعه لرفع السعر باستمرار لمواكبة التضخم”.
ويشير اليوسف إلى أن سعر صرف الدولار شهد استقراراً نسبياً خلال العام الماضي، ما ينفي أن يكون تقلبه هو المسبب الرئيس لهذه القفزات.
ويضيف: “هناك حركة طلب كثيفة بسبب عودة المغتربين ورغبة الأسر في تبديل مساكنها والبحث عن خدمات أفضل”.
ضبط السوق
يستبعد اليوسف بشكل قاطع أي إمكانية لضبط أسعار الإيجارات، سواء بإجراءات حكومية أو اجتماعية، محذراً من أن تحديد سقف للإيجارات سيدفع المالكين إلى سحب عقاراتهم من السوق ووقف تأجيرها، ما يفاقم الأزمة.
ويقول: “مستحيل هذا الشيء، هو عرض وطلب، والعقد شريعة المتعاقدين”. ويحذر من أن أي محاولة لتحديد سقف للإيجارات عبر قانون ستقود إلى نتائج عكسية، حيث سيمتنع المؤجرون عن تأجير بيوتهم، ما سيخلق أزمة نقص حادة في المعروض ويزيد الطلب اشتعالاً.
آلية عملية
أوضح الخبير الاقتصادي، عامر ديب، أن الإيجارات باتت تلتهم 60-70 بالمئة من دخل المواطن، وهو ما يتعارض مع المعيار العالمي الذي يحدد النسبة بـ15-20 بالمئة، محذراً من “تداعيات كارثية لهذه الفوضى”، واصفاً إياها بـ”القنبلة الموقوتة”.
وقال ديب لصحيفة “الثورة السورية”: “إيجار البيت في دمشق لا يقل عن 300 دولار، في حين أن راتب مدير من الدرجة الثانية في القطاع الخاص لا يتجاوز 500-600 دولار، فكيف يؤمّن قوت يومه؟”.
ويوسع ديب تحذيره من القطاع السكني إلى التجاري، حيث يؤدي ارتفاع إيجارات المحال إلى رفع أسعار السلع أو خروج الفعاليات من السوق، ما يغذي التضخم ويقتل فرص العمل.
ودعا ديب وزارة الإدارة المحلية إلى التحرك الفوري، مقترحاً آلية عملية لاحتساب الإيجار بنسبة تتراوح بين 2 بالمئة و8 بالمئة من القيمة التخمينية الرسمية للعقار. كما يستنكر استغلال حاجة المستأجرين من قبل بعض المالكين الذين يرفعون الأسعار دون أي تطوير للعقار.
ويشدد ديب على أن استمرار هذه الفوضى ينذر بكارثة اجتماعية تتمثل في تفكك الأسر وفقدان الشعور بالأمان السكني، مؤكداً أن دور الدولة الأساسي هو ضبط العقد بين المالك والمستأجر، وليس ترك السوق لقوى العرض والطلب الجامحة.
