الاتصالات على أعتاب تحول استراتيجي.. مشغل خلوي جديد وتحديات جوهرية

الثورة السورية – وعد ديب

يقف قطاع الاتصالات على أعتاب تحول استراتيجي مع طرح رخصة مشغل خلوي جديد، في خطوة مرتبطة بمشروع “سيلك لينك”، الذي يضع سوريا في قلب شبكة اتصالات إقليمية ويعزز موقعها كممر رقمي.

وتشكل الرخصة الجديدة مع مشروع الألياف الضوئية الإقليمي من شركة “إس تي سي” السعودية، ركيزتين متكاملتين لاستراتيجية البنية التحتية الرقمية، في إطار رؤية شاملة لإعادة بناء قطاع الاتصالات وتعزيز دوره كمحرك رئيس للنمو الاقتصادي والتحول الرقمي، وفق وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات.

ورغم هذه الفرص الواعدة، فإن الخطوة لا تخلو من تحديات لتحديث البنية التحتية وتحقيق الاستفادة القصوى في ظل التركة الثقيلة التي خلفها النظام المخلوع.

تفاصيل الرخصة الجديدة

خلال فعاليات مؤتمر “موبايل وورلد كونغرس 2026” في برشلونة، الثلاثاء، أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات إطلاق طلب تقديم العروض الدولية للحصول على رخصة مشغل شبكة متنقلة جديدة في سوريا لمدة 20 عاماً، فاتحة الباب رسمياً للمنافسة بين المشغلين الدوليين المؤهلين.

وستحل الرخصة الجديدة محل رخصة شركة “إم تي إن- سوريا”، وستبقى السوق محصورة بمشغلين اثنين لمدة خمس سنوات، مع استمرار “إم تي إن” بتقديم خدماتها إلى حين اكتمال الانتقال لضمان استمرارية الخدمة.

ويشمل الترخيص تشغيل شبكة قائمة تشمل قاعدة المشتركين والبنية التحتية، وقيادة التوسع الوطني، مع تخصيص طيف ترددي في نطاقات 800 و900 و1800 و2100 و2600 و3500 ميغاهرتز، وإتاحة نشر تقنيات الجيل الخامس وما بعده، إضافة إلى مراحل توسع محددة، والتزامات جودة خدمة قابلة للقياس، وفترة حماية استثمارية لضمان الاستقرار المالي والتنظيمي.

ويتضمن الترخيص سابقتين عالميتين: تخصيص نطاق 800 ميغاهرتز بالكامل لمشغل واحد لضمان تغطية ريفية وعميقة، وإدراج نطاق 6 غيغاهرتز ضمن خارطة الطريق ما يهيئ المشغل الفائز لعصر تقنيات 5.5G و6G ويمنحه ميزة استراتيجية لعقدين في الاقتصاد الرقمي السوري.

كما تعمل الوزارة على إعداد خارطة طريق لإيقاف شبكات الجيلين الثاني والثالث بشكل منظم، بما يحرر طيفاً ترددياً قيماً لإعادة توظيفه في الجيلين الرابع والخامس، لتوفير سرعات أعلى واتصال أكثر موثوقية، على أن تُنشر التفاصيل لاحقاً.

وتتألف عملية الترخيص من مرحلتين: تأهيل فني وتنظيمي، ثم اختيار مالي تنافسي، وحددت الوزارة الثاني من أيار 2026 موعداً نهائياً لتقديم العروض، مع استبعاد المشغلين السوريين الحاليين من المنافسة.

وستتضمن الشركة مساهمة بنسبة 25 بالمئة من الصندوق السيادي السوري، فيما ستكون بقية الملكية مفتوحة للمشغل الفائز وتحالفه.

جذب الاستثمارات وكسر الاحتكار

رأى الخبير الاقتصادي الدكتور حسن غرة، أن استقطاب مشغل دولي قوي يعني تدفق استثمارات أجنبية مباشرة في البنية التحتية، ما يُسهم في إعادة بناء شبكات تدهورت لأكثر من عقد.

من جهته، أوضح الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، المهندس باسل كويفي، أن منح ترخيص لمشغل خلوي جديد يمثل عاملاً محفزاً للاستثمار في قطاع الاتصالات الحيوي على مستوى الاقتصاد العالمي.

وأكد كويفي لصحيفة “الثورة السورية”، أن طرح الرخصة عبر مزاد علني يُعد خطوة جوهرية لكسر الاحتكار القائم وجذب الاستثمارات الخارجية، مشيراً إلى أن الحكومة تجري محادثات مع شركات من قطر والكويت والسعودية، مع توقع استثمار يصل إلى 500 مليون دولار، ما سيحفز المنافسة ويضخ أموالاً جديدة.

تأثيرات متوقعة

توقع كويفي أن يكون تأثير تحديث قطاع الاتصالات على الاقتصاد والوظائف سيكون إيجابياً على المدى القصير، مع توقع تحسن ملحوظ في الخدمات، خاصة مع استثمارات بقيمة 300 مليون دولار لتطوير شبكة الألياف الضوئية (سيلك لينك)، ما سيدعم الأعمال ويحسن حياة المواطنين.

على المدى البعيد، يقول غرة لصحيفة “الثورة السورية” إن تحسين شبكات الجيل الرابع والخامس، سيسهم في تحسين بيئة الأعمال الرقمية وخفض تكاليف المعاملات للشركات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز التجارة الإلكترونية في ظل اقتصاد يعيد بناء منظومته التجارية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاع الاتصالات والتقنية، واستقطاب شركات التكنولوجيا التي تحتاج إلى اتصال موثوق وسريع قبل الاستثمار في السوق السورية.

وأضاف أن “المقارنة الإقليمية تستوجب الواقعية، فدول مثل السعودية والإمارات والأردن وتركيا قد نشرت شبكات الجيل الخامس تجارياً ولديها بنية تحتية راسخة”، مشيراً إلى أن سوريا تبدأ من نقطة متأخرة، لذا فإن تبني نطاق 6 غيغاهرتز في المرحلة الراهنة يُعد تأسيساً صحيحاً ولكنه ليس تفوقاً تنافسياً فورياً.

وأشار أن الميزة الحقيقية ستتحقق حين تدمج سوريا هذا الطيف مع شبكة الجيل القادم للمشغل الجديد، مما يقلص الفجوة مع الدول المجاورة بشكل ملموس.

ممر رقمي

عند الحديث عن مشغل خلوي جديد، يبرز مشروع “سيلك لينك” في تعزيز موقع سوريا كممر رقمي في منطقة الشرق الأوسط. ورأى غرة أن المشروع من بين المشاريع الأكثر طموحاً في هذا المجال، ويعتمد على مد 4500 كيلومتر من الألياف الضوئية لربط المدن الرئيسة بأسواق إقليمية، وقد فازت شركة “إس تي سي” السعودية بعقده من بين 18 شركة متنافسة. والأهم أن المسار السوري للإنترنت الدولي سيكون أقصر بنسبة 25–30 بالمئة مقارنة بالمسارات الحالية بين آسيا وأوروبا، مما يمنح سوريا ميزة تنافسية حقيقية كمحطة لتبادل حركة البيانات.

واعتبر أن وصف المشروعين بأنهما “ركيزتان متكاملتان” لاستراتيجية البنية التحتية الرقمية السورية، دقيق، إذ لا قيمة لممر رقمي دولي دون وجود شبكة محلية متطورة تستوعب حركة البيانات وتوزعها.

وأشار إلى أن المشروع يستلهم الدور التاريخي لسوريا في “طريق الحرير القديم” ليحوّلها إلى ريادة في “طريق الحرير الرقمي” الذي يربط آسيا بأوروبا عبر دمشق.

واعتبر أن هذه المبادرات مجتمعة تسهم بشكل كبير في التعافي الاقتصادي القائم على الرقمنة. غير أن النجاح مشروط بالتسلسل الصحيح: “أولاً شبكة متنقلة قوية، ثم ممر رقمي دولي، مع ضمانات اجتماعية تُبقي المناطق المحرومة شريكة في التحول، لا ضحية له”.

تحديات تقنية وقانونية

التحدي الأكبر أمام المشروع، بحسب ما قال كويفي، يكمن في البنية التحتية المتهالكة والمتقادمة نتيجة الحرب الطويلة والعقوبات، إضافة إلى تعقيدات نقل ملكية الأصول للمشغل الجديد.

وأشار إلى أن جذب الاستثمارات الدولية يستلزم ضمانات قانونية وشفافية عالية في المزاد، مع معلومات دقيقة للمستثمرين. وأضاف أن إلغاء العقوبات الأميركية مؤخراً خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى تكاملها بتقديم تسهيلات وحوافز ضريبية للمستثمرين.

كما أكد كويفي أهمية الحفاظ على الكوادر المحلية وتدريبها وتطويرها.

ولفت إلى أن تفعيل تقنيات الجيل الخامس والسادس تحدياً كبيراً للشركات الصغيرة والمتوسطة، لأن هذه التقنيات تتطلب بنية تحتية متطورة وكوادر مدربة بتكلفة عالية. لذلك، ستجني الشركات الكبرى الفوائد المباشرة من التقنيات الجديدة في البداية، بينما ستستفيد الشركات الصغيرة والمتوسطة بشكل غير مباشر من تحسن الخدمات مثل الإنترنت الأسرع والأكثر استقراراً.

من جهته، تطرق غرة إلى تأثير إيقاف شبكات الجيلين الثاني والثالث على مستويات الاتصال في المناطق النائية أو الريفية، قائلاً: “هذه المسألة من أكثر المسائل حساسية اجتماعياً. شبكات 2G و3G هي شريان الاتصال الوحيد لملايين السوريين في المناطق الريفية والنائية الذين لا يملكون أجهزة متوافقة مع الجيل الرابع أو الخامس. وحتى مع التزامات الرخصة بالوصول الشامل، فإن التحول المتسرع سيخلق فجوة رقمية اجتماعية خطيرة”.

وللحد من الأثر السلبي لهذا التحول، لفت غرة إلى ضرورة أن تشمل المرحلة الانتقالية فترة تشغيل موازية للشبكات القائمة جنباً إلى جنب مع شبكة المشغل الجديدة، وهو ما أشارت إليه الوزارة بإبقاء “إم تي إن” ريثما يكتمل الانتقال، مع إطلاق برامج دعم حكومي لتوفير أجهزة منخفضة التكلفة متوافقة مع الشبكات الجديدة للأسر محدودة الدخل، إضافة إلى خرائط تغطية ملزمة تعطي أولوية للمناطق المحرومة، ولا تقتصر فقط على المدن الكبرى.

معايير اختيار المشغل

أكد كويفي أن آلية اختيار المشغل ودور الحكومة سيكونان من العوامل الحاسمة في حال الاعتماد على معايير مالية وتنافسية بمزاد علني يضمن الشفافية واختيار الأفضل القادر على التطوير والاستثمار، خاصة مع اهتمام شركات إقليمية كبرى، ولضمان النجاح يجب التركيز على:

  • ضمان وتعزيز الأمن السيبراني بما يتوافق مع أحدث المعايير لمنع الاختراق.
  • الشفافية الكاملة في إجراءات المزاد وتحديد الأصول ونوعيتها وميزاتها.
  • تطوير البنية التحتية: التنسيق مع المشغل الجديد لرفع جودة الشبكة الحالية بسرعة، خاصة مع كون سرعات الإنترنت في سوريا من الأبطأ عالمياً.
  • ضمان جودة الخدمة: مراقبة الأسعار ومنع الغلاء والاحتكار، كما حصل في التسعيرة الأخيرة للباقات الجديدة التي أثارت استياء واسعاً بسبب ارتفاعها بأكثر من 100 بالمئة.
  • بناء القدرات: الاستفادة من الخبرات والكفاءات السورية في الداخل والخارج لتأهيل الكوادر المحلية في مجالات الجيل الخامس والسادس.

وشدد على أن التحديثات المرتقبة في قطاع الاتصالات تمثل فرصة كبيرة للنمو الاقتصادي، شريطة تفعيل الإصلاحات بحذر مع التركيز على الشفافية وتطوير البنية التحتية، بما يعزز بيئة الأعمال ويعود بالفائدة على المواطنين في المدى القريب.

شارك