فائض الموازنة السورية.. اختبار الثقة الأول بعد عقود من الاقتصاد المغلق

الثورة السورية – مختار الإبراهيم

جاء تسجيل فائض طفيف في الموازنة العامة لعام 2025 كإشارة لافتة في مسار اقتصاد أثقلته سنوات طويلة من الانكماش والضغوط المالية، حاملاً دلالات تتجاوز حدود الأرقام، ليطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة التحول الجاري وإمكانية دخول الاقتصاد السوري مرحلة مختلفة من إعادة التوازن والتعافي.

بعد أعوام من العجز المزمن خلال حقبة عائلة الأسد البائدة، والاعتماد على إجراءات استثنائية لتغطية النفقات على حساب حياة المواطن البسيط، جاء هذا المؤشر ليطرح سؤالاً أعمق من الحسابات المالية نفسها: هل نحن أمام تحسن ظرفي فرضته ظروف استثنائية، أم بداية إعادة صياغة لهوية الاقتصاد السوري؟

ووفقاً للنتائج التي أعلنتها بعثة صندوق النقد الدولي عقب زيارتها إلى دمشق في شباط 2026، والتي لم تقتصر على الإشارة إلى الفائض المالي، بل تحدثت عن حزمة مؤشرات متزامنة شملت تباطؤ التضخم، وتحسن سعر الصرف مقارنة بالعام السابق، وارتفاع مستويات الثقة لدى المستهلكين والمستثمرين، إضافة إلى إطلاق برنامج مساعدة فنية واسع يمتد حتى عام 2030 لإعادة تأهيل المؤسسات الاقتصادية والمالية.

لكن بين التفاؤل الحذر والأسئلة المفتوحة، تتباين قراءات الخبراء والمستثمرين والطلاب وأبناء الاغتراب حول ما إذا كانت هذه المؤشرات تشكل انعطافة اقتصادية حقيقية، أم أنها محطة انتقالية في طريق أطول وأكثر تعقيداً.

الفائض المالي.. قراءة أبعد من الأرقام

يرى الخبير والصحفي الاقتصادي محمد الشيخ علي أن الفائض لا يمكن التعامل معه كدليل نهائي على التعافي، ويقول في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: “من الناحية المحاسبية، الفائض يعني ببساطة أن الإيرادات تجاوزت النفقات، وهذا تطور مهم لأنه يخفف الحاجة إلى التمويل بالعجز ويحد من الضغوط التضخمية، لكن اقتصادياً لا يمكن اختزال قوة الاقتصاد برقم واحد”.

ويشير إلى أن اقتصادات كبرى مثل الولايات المتحدة أو فرنسا تسجل عجزاً مالياً في كثير من السنوات رغم قوتها الإنتاجية، بينما تحقق دول أخرى فوائض كبيرة نتيجة موارد محددة مثل الطاقة أو السلع الأولية.

ويضيف الشيخ علي: “السؤال الحقيقي ليس هل يوجد فائض، بل كيف تحقق”، ويؤكد أن ما يميز الحالة السورية هذه المرة هو السياق الذي جاء فيه الإعلان، إذ تحدث التقرير الدولي عن تحسن النشاط الاقتصادي مدفوعاً بعوامل متعددة، منها زيادة إمدادات الكهرباء، وتحسن الظروف الزراعية، وعودة تدريجية للاجئين، إضافة إلى مشاريع استثمارية جديدة وإعادة اندماج اقتصادي إقليمي أوسع.

ويتابع: “الأهم أن الفريق الاقتصادي السوري امتنع عن تمويل العجز عبر المصرف المركزي، وهذه نقطة مفصلية، فعندما تتوقف الدولة عن الاعتماد على الإصدار النقدي لتمويل الإنفاق، يبدأ التضخم بالانخفاض تلقائياً”، ويرى أن تباطؤ التضخم إلى مستويات منخفضة من خانتين بنهاية عام 2025 يعد نتيجة مباشرة لتشديد السياسة النقدية وتعزيز الانضباط المالي.

إصلاح المؤسسات وضبط الإنفاق

وبحسب الشيخ علي، فإن البرنامج الفني الذي تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي يمنح دلالة مختلفة للفائض، فالدعم لا يقتصر على المشورة النظرية، بل يشمل إصلاح إدارة المالية العامة، وتطوير النظام الضريبي، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتحسين الإحصاءات الاقتصادية، ويضيف: “هذا يعني أن الحديث لم يعد يقتصر على موازنة سنة واحدة، بل يتجه نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة الاقتصادية”.

وحول كيفية استخدام الفائض، يلفت الشيخ علي إلى أن “توجيهه لتعزيز الاستقرار النقدي ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتحريك عجلة الإنتاج يمكن أن يحوّله إلى رافعة تنموية، أما إذا بقي مجرد رقم محاسبي من دون انعكاس اجتماعي واضح، فسيظل أثره محدوداً”.

الاستثمار يبدأ بالثقة

في برلين، يتابع المهندس ناصر الزين هذه التطورات من زاوية مختلفة تماماً، ويدير الزين شركة مقاولات صغيرة، ويقول إن المستثمرين لا ينظرون إلى الشعارات، بل إلى الإشارات المؤسسية طويلة الأمد.

ويشير الزين إلى أن “عندما تعلن مؤسسة دولية برنامج إصلاح يمتد لسنوات ويتحدث عن إعادة تأهيل القطاع المصرفي ونظم المدفوعات، فهذا يعني أن هناك محاولة لإعادة بناء قواعد العمل الاقتصادي”.

ويكشف الزين لصحيفة “الثورة السورية” أن شركته بدأت بالفعل نقاشات أولية مع شركاء ألمان لدراسة دخول السوق السورية عبر مشاريع محدودة مرتبطة بإعادة الإعمار، ويضيف: “لا نتحدث عن استثمارات ضخمة، فنحن شركات صغيرة متحالفة تبدأ عادة بخطوات تدريجية، لكن وجود نظام مصرفي قادر على إجراء التحويلات وتمويل المشاريع يبقى الشرط والمعيار الأساسي لدخول أي سوق جديدة”.

ويعتقد الزين أن استقرار سعر الصرف وتراجع التضخم يمنحان المستثمرين قدرة أفضل على حساب المخاطر وتقييمها، ويقول: “عندما تستطيع تقدير تكلفة المشروع بعد سنة أو سنتين من دون خوف من انهيار العملة، تصبح فكرة الاستثمار ممكنة”.

السياسة النقدية ودورها الجوهري

يشير التقرير الدولي إلى أن السياسة النقدية المتشددة لعبت دوراً رئيسياً في خفض التضخم وتحسين سعر الصرف، ويؤكد اقتصاديون أن دور مصرف سوريا المركزي كان محورياً في هذا السياق، سواء عبر ضبط الكتلة النقدية أو الحد من التمويل المباشر للحكومة، غير أن هذا النجاح يحمل مفارقة، إذ قد يكون انخفاض التضخم أحياناً نتيجة ضعف الطلب أيضاً، وليس فقط تحسن الإنتاج.

وحول هذه المفارقة يقول الشيخ علي: “إذا انخفض التضخم لأن الناس لا تستطيع الشراء، فهذا لا يعني تعافياً كاملاً، فالتعافي الحقيقي يعني زيادة الإنتاج والدخل في الوقت نفسه”، ويضيف أن استدامة استقرار الأسعار ستبقى مرتبطة بقدرة الاقتصاد على توليد نشاط إنتاجي حقيقي، لا الاكتفاء بإجراءات نقدية قصيرة الأجل، مردفاً: “السياسة النقدية تستطيع تهدئة التضخم لفترة عبر ضبط السيولة، لكنها لا تستطيع وحدها خلق نمو اقتصادي، المطلوب اليوم هو تحريك القطاعات المنتجة، خصوصاً الصناعة والزراعة والمشاريع الصغيرة، ولحسن الحظ، وقعت سوريا العديد من الاتفاقيات مؤخراً في هذه القطاعات، لأن زيادة العرض المحلي هي الضمانة الوحيدة لخفض الأسعار بشكل مستدام وتحسين مستوى المعيشة في الوقت نفسه”.

من زاوية مختلفة، يرى الطالب يامن درويش، الذي يدرس الاقتصاد في جامعة العلوم التطبيقية في برلين (HTW Berlin)، أن المؤشرات الحالية إيجابية، لكنها تحتاج إلى ترجمة اجتماعية واضحة، ويقول: “الفائض وتباطؤ التضخم إشارتان جيدتان على مستوى الاقتصاد الكلي، لكن المواطن يقيس الاقتصاد بسعر الخبز والإيجار وفرص العمل”.

ويقول درويش لصحيفة “الثورة السورية”: “إن التقرير الدولي نفسه شدد على ضرورة استمرار الدعم الدولي للحد من الفقر، ولا سيما بين اللاجئين العائدين والنازحين، كما أن زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم، كما خُطط في موازنة عام 2026، تمثل خطوة مهمة، لكن الحفاظ على شبكات الأمان الاجتماعي سيكون الاختبار الحقيقي”.

ويرى درويش أن تحقيق التوازن بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية سيكون من أصعب قرارات المرحلة المقبلة، مضيفاً: “إذا تم الحفاظ على الفائض عبر تقليص الخدمات العامة، فسيفقد معناه”.

بارقة أمل لعودة رأس المال الوطني

يقرأ التاجر أبو ملاذ هذه التطورات من زاوية مختلفة، إذ يدير اليوم محلاً تجارياً في برلين بعد سنوات من العمل خارج البلاد، ويقول: “المؤشرات المالية مهمة، لكن الأهم هو عودة الحديث عن سوريا داخل المؤسسات الدولية”.

ويضيف أن سنوات العزلة الاقتصادية جعلت كثيراً من رجال الأعمال يترددون حتى في التفكير بالعودة، ويقول: “كنا نتعامل مع اقتصاد شبه مغلق، لا بيانات واضحة فيه ولا قنوات تمويل”، كما يرى أبو ملاذ أن العمل على تحسين الإحصاءات الاقتصادية، وإدارة الديون، وإصلاح القطاع المصرفي يمثل إشارة رمزية قوية، مضيفاً: “عندما تبدأ المؤسسات الدولية بالمشاركة في إعادة بناء النظام المالي، فهذا يعني أن الاقتصاد يحاول العودة إلى قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية”.

ويؤكد أن هذه المؤشرات أعادت فتح نقاشات جدية بين عدد من التجار في الاغتراب حول إمكانية العودة للعمل من داخل سوريا بدلاً من الاكتفاء بإدارة أعمالهم من الخارج، ويقول لصحيفة “الثورة السورية”: “رأس المال الوطني يبحث دائماً عن الاستقرار قبل الربح، وعندما تبدأ الثقة بالعودة تدريجياً، يصبح الاستثمار من الداخل خياراً مطروحاً من جديد، ليس فقط بدافع اقتصادي، بل أيضاً بدافع المشاركة في إعادة تنشيط السوق المحلية”.

ويرى الطالب الألماني يوزف روغه، الذي يدرس في جامعة HTW Berlin ويهتم بالشؤون العربية، التطورات الاقتصادية في سوريا من زاوية تاريخية أيضاً، فخلال دراسته للاقتصاد الألماني بعد الحرب العالمية الثانية، يلاحظ أوجه تشابه جزئية مع ما يمر به الاقتصاد السوري اليوم، ويقول لصحيفة “الثورة السورية”: “إن ألمانيا في أواخر أربعينيات القرن الماضي لم تبدأ التعافي فقط عبر المساعدات الخارجية، بل من خلال إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية واستعادة الثقة بالعملة والأسواق، وهي عناصر بدأت تظهر تدريجياً في الحالة السورية”.

ويرى روغه أن العوامل التي ساهمت في تحريك الاقتصاد السوري ترتبط بزيادة الهطولات المطرية وتحسن إمدادات الكهرباء، إضافة إلى عودة بعض اللاجئين ورفع القيود الدولية، لكنه يحذّر من أن بعض هذه العوامل قد لا يكون دائماً.

ويضيف: “أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو تباطؤ التمويل الخارجي، يمكن أن تعيد الضغوط الاقتصادية بسرعة، كما أن توقعات الإيرادات التي وُصفت بأنها طموحة لكنها ممكنة تعني أن نجاح الموازنات المقبلة سيعتمد على قدرة الاقتصاد الحقيقي على النمو، وليس فقط على ضبط النفقات”.

ويختم بالقول إن إطلاق برنامج إصلاح طويل الأمد يغيّر طبيعة النقاش الاقتصادي: “في ألمانيا بعد الحرب لم يكن الهدف إدارة الأزمة فقط، إنما بناء قواعد جديدة للاقتصاد، وعندما يبدأ التركيز على المؤسسات والشفافية والقطاع المصرفي، فهذا يعني الانتقال من مرحلة النجاة إلى مرحلة البناء”.

في المحصلة، يتفق من تحدثنا إليهم على نقطة واحدة: الفائض المالي ليس نهاية الطريق، فالاقتصاد السوري اليوم لا يُقاس بمعايير اقتصادات مستقرة منذ عقود، بل بقدرته على الانتقال من اقتصاد إدارة الأزمات إلى اقتصاد الإنتاج والاستثمار.

وبينما يراهن الفريق الاقتصادي على إصلاح مالي ونقدي طويل الأمد مدعوم بالمشورة الدولية وإعادة تأهيل القطاع المصرفي، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة هذه السياسات على خلق فرص عمل وتحسين الدخل الحقيقي للمواطنين، فالتاريخ الاقتصادي مليء بتجارب دول حققت استقراراً حسابياً من دون تعافٍ اجتماعي، وأخرى نجحت عندما حولت الانضباط المالي إلى استثمار في الإنسان والإنتاج في آن معاً، وبين الأرقام والطموحات، يبدو أن الفائض المالي في الموازنة العامة يمنح بارقة أمل بأن مرحلة الانهيار قد تكون شارفت على نهايتها، وأن الطريق نحو بناء اقتصاد متماسك وعادل ومنفتح قد بدأ بالفعل.

شارك