يمثّل إدخال إيرادات النفط إلى الموازنة العامة خطوة استراتيجية قد تقود إلى تعزيز الوضع المالي للدولة في ظلّ الصعوبات الناتجة عن سنوات من الفساد وسوء الإدارة والعقوبات خلال فترة النظام المخلوع، إضافة إلى الحرب التي دمر خلالها البنية التحتية.
وتبلغ الموازنة العامة للدولة لعام 2026 تبلغ 10.5 مليار دولار، بزيادة لافتة مقارنة بعام 2024، مع توقعات بعودة الناتج المحلي إلى ما كان عليه عام 2010 (60 مليار دولار).
ويرى خبراء اقتصاديون وماليون أن هذه الخطوة تشكّل تحوّلاً مهماً يمكن أن ينعكس بشكل واضح على مسار السياسات المالية والاقتصادية في البلاد.
وكان وزير المالية محمد يسر برنية قد أعلن أن إيرادات النفط والغاز ستدخل ضمن الموازنة العامة بعكس ما كان سائداً في عهد النظام المخلوع، وهو ما يعكس توجهاً حكومياً نحو تعزيز الشفافية ورفع كفاءة إدارة الموارد الطبيعية التي تعدّ من أهم مصادر الإيرادات الوطنية.
تحوّل نوعي
يرى الخبير الاقتصادي علي الخلف، أن إدخال إيرادات النفط ضمن الموازنة العامة يسهم في إحداث تحول جوهري في طريقة إدارة العجز المالي، حيث لم يعد العجز مجرد فجوة يتم سدها عبر الديون أو التمويل بالعجز، لكن أصبح عجزاً حقيقياً مُداراً ضمن إطار تخطيط مالي أكثر دقة وشفافية.
ويقول الخلف لصحيفة “الثورة السورية”: إن هذا التحول يمنح صانعي القرار قدرة أكبر على صياغة سياسات مالية قائمة على موارد فعلية، ويحد من الاعتماد المفرط على طباعة العملة أو الاقتراض من المصرف المركزي، وهما من أبرز العوامل التي تسهم في ارتفاع معدلات التضخم.
كما يؤكد أن إدراج هذه الإيرادات يعزز مبدأ وحدة الموازنة، بحيث تصبح جميع الموارد والنفقات ضمن إطار موحد، ما يتيح رؤية شاملة للتدفقات المالية ويقلل من احتمالية حدوث فجوات تمويلية مفاجئة، وينعكس إيجابياً على الاستقرار الاقتصادي العام.
مخاطر تقلبات الأسعار
من جهة أخرى، يلفت الخلف إلى وجود مخاطر مالية مرتبطة بطبيعة إيرادات النفط، وفي مقدمتها تقلبات الأسعار بالأسواق العالمية، والتي قد تؤدي إلى صدمات تمويلية في حال انخفاض الأسعار عن المستويات المتوقعة.
ويوضح أن هذا التذبذب قد يضع الموازنة تحت ضغط كبير إذا تمّ الاعتماد بشكل مفرط على هذه الإيرادات.
وللتعامل مع هذه التحديات، يشدد على ضرورة اعتماد نهج احترازي عند إعداد الموازنة من خلال استخدام سعر تأشيري متحفظ لبرميل النفط يكون أقل من التوقعات العالمية، بما يوفر هامش أمان مالي.
كما يشير إلى أهمية إنشاء صندوق استقرار مالي يتم من خلاله ادخار الفوائض المتحققة في فترات ارتفاع الأسعار، لاستخدامها لاحقاً في تعويض النقص خلال فترات الانخفاض أو تراجع الإنتاج.
توجيه الإيرادات نحو الخدمات
فيما يتعلق بكيفية توظيف هذه الإيرادات، يؤكد الخلف أن تحقيق أي أثر ملموس على قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة يتطلب إصلاح آليات إعداد وتنفيذ الموازنة، من خلال الانتقال إلى موازنة البرامج والأداء.
ويقوم هذا النهج على ربط الإنفاق الحكومي بمشاريع محددة وقابلة للقياس، مثل بناء مستشفيات جديدة أو إعادة تأهيل المدارس المتضررة، بدلاً من تخصيص الأموال بشكل عام للوزارات دون وجود مؤشرات أداء واضحة. كما أن إدراج إيرادات النفط ضمن الموازنة العامة يضمن خضوعها لرقابة مؤسساتية وتشريعية، مما يعزز الشفافية والمساءلة ويحدّ من احتمالات الهدر أو توجيه الموارد نحو نفقات استهلاكية غير منتجة على حساب الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
وبحسب الخلف، فإن هذا التوجه ينعكس إيجابياً على الواقع الاقتصادي والاجتماعي، حيث يمكن أن يظهر أثره من خلال استقرار سعر صرف العملة نتيجة تحسن موارد الدولة من النقد الأجنبي، وهو ما يسهم في تعزيز القدرة الشرائية وتقليل الضغوط التضخمية.
كما تتيح هذه الإيرادات للحكومة تمويل مشاريع استثمارية عامة في مجالات البنية التحتية والخدمات، ما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وتنشيط الدورة الاقتصادية.
إضافة إلى ذلك، فإن تحسن الوضع المالي للدولة يفتح المجال أمام تحسين مستويات الرواتب والأجور، ورفع جودة الخدمات الصحية والتعليمية التي تضررت بفعل سنوات من العجز والضغوط المالية، وهو ما يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحسين مستوى المعيشة بشكل عام.
تعزيز الشفافية
من جهتها، تقول الخبيرة الاقتصادية والتنموية الدكتورة زبيدة القبلان، لصحيفة “الثورة السورية”: إن إدخال إيرادات النفط في الموازنة خطوة تعزز الشفافية المالية، إذ تتيح تتبع كيفية إدارة الأموال العامة من قبل المواطنين والجهات الدولية، ما يعزز الثقة في الأداء الحكومي.
وتشير إلى أن هذه الخطوة تسهم أيضاً في تحقيق الاستقرار المالي، باعتبار النفط أحد أهم مصادر الإيرادات التي يمكن الاعتماد عليها في تغطية النفقات العامة، خاصة في قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم.
كما تعتبرها فرصة مهمة لدعم مشاريع إعادة الإعمار، من خلال تخصيص جزء من هذه الإيرادات لصناديق تمويل المشاريع الحيوية التي تستهدف إعادة بناء البنية التحتية وتعويض الأضرار التي خلفتها سنوات الحرب.
وتضيف القبلان أن إدخال إيرادات النفط ضمن الموازنة يسهم في تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، حيث يتم توجيه الموارد وفق أولويات واضحة ومدروسة بدلاً من إنفاقها بشكل عشوائي أو خارج الإطار الرسمي.
ولهذه الخطوة، بحسب القبلان، انعكاسات إيجابية على النمو الاقتصادي، إذ يمكن أن تسهم في تمويل مشاريع تنموية تدعم خلق فرص عمل جديدة وتحفز الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وترى الخبيرة أن تحسين إدارة الإيرادات النفطية يساعد في تقليل الاعتماد على الدعم الخارجي، مما يعزز من استقلالية القرار الاقتصادي ويخفف من تأثير الضغوط الدولية على الوضع الداخلي.
وتختم القبلان بالإشارة إلى أن رفد الموازنة العامة بالإيرادات النفطية يعزز الثقة في الاقتصاد الوطني، ويشكل مؤشراً على توجه الحكومة نحو تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية المالية والاقتصادية، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على ثقة المستثمرين والمواطنين في استقرار الاقتصاد وقدرته على التعافي.
توقعات إيجابية
مع عودة العديد من حقول النفط في الجزيرة إلى الدولة، برزت توقعات إيجابية بشأن مستقبل الإيرادات النفطية. وتشير التقديرات إلى أن استعادة حقول النفط في دير الزور والرقة والحسكة، التي تضم نسبة كبيرة من الاحتياطات، سيكون لها أثر ملموس في دعم الإيرادات العامة.
وتوضح البيانات أن الإنتاج النفطي في سوريا وصل قبل 2011 إلى نحو 400 ألف برميل يومياً، إلا أنه تراجع بشكل كبير لاحقاً نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.
ومع ذلك، تشير التوقعات إلى إمكانية ارتفاع الإنتاج تدريجياً ليصل إلى نحو 100 ألف برميل خلال الأشهر المقبلة، ثم 200 ألف برميل يومياً في السنوات المقبلة، وهو ما من شأنه أن يسهم بشكل واضح في تحسين الإيرادات الوطنية ودعم الاستقرار المالي على المدى المتوسط.
