من “اقتصاد الدكاكين” إلى “نموذج النمور”.. خارطة طريق لرفع صادرات الفرد السوري

الحرية– محمد زكريا:

في لغة الأرقام التي لا تكذب، تُحقق كوريا الجنوبية اليوم إنجازاً مذهلاً، فلو قسمنا إجمالي صادراتها السنوية (التي تجاوزت 700 مليار دولار) على عدد سكانها، لوجدنا أن نصيب الفرد الواحد من الصادرات يصل إلى 13,736 دولاراً، بالتأكيد هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل هو المحرك الذي يضمن لكل مواطن كوري مستوى معيشة مرتفعاً ودخلاً مستقراً.
وإذا ما أسقطنا هذا النموذج على الواقع السوري، فإن الوصول بمعدل صادرات الفرد لـ 13,700 دولار، يعني تلقائياً تحقيق متوسط دخل سنوي يقارب 3,300 دولار لكل مواطن، وهو ما يمثل عتبة الازدهار الحقيقي وبداية النهضة.

فخ الدكاكين

تعاني سوريا اليوم –ومعها قرابة 120 دولة نامية– مما يمكن تسميته “خطر التوسع الخدمي العقيم”، فالاستثمار في أموال المغتربين حالياً يتركز بشكل شبه كلي في قطاعات استهلاكية: دكاكين ملابس، أحذية، محلات تموينات، ومراكز بيع جوالات وكافيهات تضاعفت أعدادها بصورة مذهلة ومخيفة.
وحسب الباحث الاقتصادي محمد خالد حسون فإن هذا النمط الاستثماري يمثل أكبر خطر على الاقتصاد السوري، لأنه يستهلك الكتلة النقدية في “تدوير المال داخلياً” أو استيراد بضائع جاهزة، دون خلق قيمة مضافة أو جلب عملة صعبة، مضيفاً: إننا نهدر سنوياً ما يقارب مليار دولار (وهو ربع إجمالي تحويلات المغتربين البالغة 4 مليارات دولار) في نشاطات استثمارية ضعيفة “يغص” بها السوق المحلي وتؤدي للخسارة غالباً، بينما تذهب المليارات الثلاثة الأخرى لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية.

تشتت وعجز

وأوضح حسون لـ”الحرية” أن المشكلة الحقيقية ليست في رغبة المغترب بالاستثمار، بل في “عجزه اللوجستي” فالمغتربون متفرقون في دول شتاتهم وحتى في أحياء مدنهم، ومن المستحيل واقعياً أن يتداعوا للاجتماع تلقائياً لإعداد دراسات جدوى معقدة أو تأسيس مصانع كبرى، ومنه فإن هذا التشتت يفرض “الدكان الصغير” كخيار وحيد متاح أمامهم، رغم كونه خياراً استنزافياً ومدمراً للاقتصاد الكلي على المدى البعيد، مشيراً إلى أنه لطالما أن المبادرات الفردية مشتتة غير قادرة على إحداث خرق استراتيجي، فإن الحل يقع على عاتق الحكومة حصراً، حيث المطلوب هو تبني استراتيجية “العناقيد الصناعية المترابطة” (التي نهضت بها الصين وتايوان واليابان)، وذلك عبر: المصانع الرشيقة: إنشاء منشآت صناعية متوسطة بمعدل 75 عاملاً للمصنع، تركز على “سلاسل القيمة”.

التكامل الصناعي

وحسب رأي حسون فإن التكامل الصناعي والذي يأتي بدلاً من استيراد المواد الأولية، من خلال إنشاء منظومة إنتاجية متكاملة، مصانع للخيوط تغذي مصانع القماش، ومصانع للأزرار والكرتون تغذي مصانع الملابس الجاهزة المعدة للتصدير.
مبيناً أنه على الرغم من معاناة الحكومة الحالية من نقص السيولة، إلا أن هذه الخطة يجب أن تكون “خطة الجاهزية القصوى” فور توفر أول تدفقات مالية، لإنقاذ مدخرات السوريين من التبخر في تجارات هامشية، فالعبقرية في هذا الحل تكمن في آلية التمويل والملكية؛ فبعد إقامة هذه المصانع واستقرار إنتاجها وأرباحها لمدة عام واحد فقط، تقوم الحكومة بطرحها للاكتتاب العام بصيغة أسهم شعبية بقيمة (1 دولار) للسهم الواحد.

معادلة الربح للجميع

وبهذه الطريقة، نحقق معادلة الربح للجميع: للمغترب: نمنحه فرصة ذهبية لاستثمار مدخراته في “أصول إنتاجية” رابحة ومنظمة، بدلاً من المغامرة بها في دكان خاسر، وللاقتصاد نجمع “فتات” المدخرات المشتتة لنحولها إلى كتلة مالية ضخمة تزيد من قدرة الحكومة على التوسع الصناعي التصديري.
ويمكن القول إن التحول من “دكان الحارة” إلى “خط الإنتاج” هو طوق النجاة الوحيد. إن استثمار مليار دولار في صناعات تصديرية بدلاً من الاستهلاك، هو الخطوة الحقيقية لنرى سوريا في مصاف النمور الاقتصادية، ولنصل بجدارة إلى هدف الـ 13,700 دولار صادرات لكل فرد سوري، محققين بذلك بداية عصر الازدهار والنهضة الوطنية الشاملة.

شارك