هل يشكل التعاون السوري السعودي منطلقاً لإحياء الصناعات النسيجية؟

الثورة السورية – نور جوخدار

تعد الصناعات النسيجية أحد أبرز أعمدة الاقتصاد السوري، فبعد سنوات طويلة من الضرر والاستنزاف، تسعى الحكومة اليوم إلى إعادة إحياء هذا القطاع.

وفي هذا السياق وقعت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية مؤخراً مذكرة تفاهم مع شركة “كينغدوم ديزاين” السعودية بهدف إعادة تأهيل وتشغيل الأصول الحكومية المرتبطة بحلج القطن وغزله ونسجه، إلى جانب إعداد دراسات فنية واقتصادية وتنظيمية وبيئية لتقييم واقع عدد من المنشآت الصناعية.

تقييم حيادي

تعليقاً على هذا التعاون، أكد نائب رئيس غرفة تجارة دمشق السابق، محمد الحلاق، أهمية الاستعانة بخبرات قادرة على إعطاء فكرة حقيقية وتقييم واقع الصناعة النسيجية بشكل حيادي، وتقديم حلول تنال موافقة الحكومة والصناعيين العاملين، بدءاً من الحياكة والصباغة وصولاً إلى الخياطة وسائر ملحقات القطاع.

وأوضح الحلاق في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن القطاع النسيجي في سوريا يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف القدرة التنافسية في الأسواق الخارجية، إلى جانب عدم وجود دعم للصادرات، مقارنة بدول أخرى تقدم دعماً لصناعاتها، ما يضع الصناعيين السوريين أمام منافسة قوية في الأسواق العالمية.

وأشار إلى أن الصناعيين السوريين الذين يشاركون في المعارض الخارجية يواجهون صعوبات في فتح أسواق جديدة نتيجة المنافسة الكبيرة في الصناعات المماثلة من دول قادرة على إنتاج كميات كبيرة جداً.

ومع ذلك، أكد أن المنتج السوري ما يزال يتمتع بسمعة جيدة من حيث الجودة والابتكار سواء على الصعيد النسيجي أو الغذائي أو الكيميائي، ما يمنحه فرصة للعودة إلى المنافسة في حال توفر الدعم المناسب.

وشدد الحلاق على أن النهوض بالقطاع يتطلب حلولاً سريعة وفعالة، مشيراً إلى أن الصناعة اليوم لا تملك رفاهية الانتظار لفترات طويلة من الدراسات، كما لفت إلى أن الصناعة النسيجية توفر فرص عمل كبيرة يمكن أن تسهم في تخفيف البطالة، لكنها تعاني من ضعف المبيعات في السوق المحلية نتيجة ضعف القوة الشرائية وتحول المستهلكين إلى أسواق الملابس المستعملة.

رؤية حكومية.. النموذج الألماني

وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار، قال في تصريح سابق: إن “النسيج السوري صناعة وطنية بامتياز، يمثل هويتنا الصناعية، ولا يجوز أن نسمح بانهياره أو تراجعه، بل يجب أن ندفعه بكلّ قوتنا ليكون قاطرة النمو للاقتصاد الوطني، ونحن في وزارة الاقتصاد والصناعة نؤمن بأن حماية هذه الصناعة تبدأ من تقليل التكاليف وتوفير البيئة التنافسية العادلة”.

وفي رؤيته المستقبلية التي طرحها خلال مؤتمر “ناس تكس 2026″، أعرب الشعار عن تفاؤله بعودة الصناعة النسيجية السورية، قائلًا: “يوماً ما قريباً، سيكون هذا القماش وكلّ ما نرتديه هنا من مصانع حلب ودمشق”، مؤكداً أهمية بناء شراكات دولية مع تركيا والصين لاستعادة الدور التصديري.

وتتضمن مذكرة التفاهم التي وقعتها وزارة الاقتصاد والصناعة السورية مع شركة “كينغدوم ديزاين” السعودية إطلاق تعاونيات زراعية حديثة وفق النموذج التعاوني الألماني، بما يعزز التكامل بين القطاعين الزراعي والصناعي، ويسهم في إعادة بناء سلاسل الإنتاج القطني على أسس اقتصادية مستدامة.

وتعد التعاونيات من أقوى الأشكال الجماعية في الحياة الاقتصادية في ألمانيا، وهي جزء من الإرث الثقافي العالمي غير المادي، ويعود أصل هذا النموذج إلى المفكر الألماني فريدريش فيلهلم رايف آيزن، الذي أسس الحركة التعاونية في القرن التاسع عشر على مبدأ: “ما لا يقدر عليه الفرد وحيداً، تقدر عليه المجموعة”.

ويضم الاقتصاد الألماني أكثر من 7,500 شركة تعاونية تضم ما يزيد على 20 مليون عضو، ما يجعله أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد المحلي.

ورأى الحلاق أن فكرة التعاونيات الزراعية المستمدة من التجربة الألمانية تهدف إلى دعم حكومي للقطاع الزراعي باعتباره الحلقة الأولى في الصناعة النسيجية، مشيراً إلى أن التجارب الأوروبية تعتمد على تكامل حلقات الإنتاج بدءاً من المزارع الصغير وصولاً إلى المنتج الصناعي النهائي، حيث يتم دعم المزارعين عندما ترتفع تكاليف الإنتاج أو تتراجع القدرة التنافسية للمنتج، بما يضمن استمرار الإنتاج وعدم خروج المزارعين من السوق.

ووفق الحلاق، فإن الفكرة الأساسية من هذا النموذج هي الحفاظ على كافة حلقات الإنتاج نشطة، بحيث تبقى العملية الاقتصادية متكاملة وتحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، بدلاً من توقف الإنتاج وتحول العاملين فيه إلى عبء اقتصادي على الدولة، موضحاً أن هذا الدعم الحكومي سينعكس لاحقاً على الصناعة نفسها، حيث يتم تقييم قدرة الصناعيين على المنافسة والتصدير، وفي حال وجود صعوبات يتم تقديم حوافز تصديرية أو دعم للإنتاج للحفاظ على تنافسية المنتج في الأسواق العالمية.

تراجع إنتاج القطن

في سوريا، تضم الصناعات النسيجية سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من زراعة القطن وحلجه، مروراً بعمليات الغزل والنسيج، وصولاً إلى صناعة الملابس الجاهزة، وقبل عام 2011، كان القطاع يسهم في 24 بالمئة من الناتج الصناعي غير النفطي، ويشغل حوالي 30 بالمئة من القوى العاملة الصناعية، إلا أن سياسات النظام المخلوع والحرب التي شنها على السوريين تسببت في تدمير المنشآت، ونزوح الكوادر، وتراجع الإنتاج، وتفاقم الأزمات الإدارية والمالية.

ومن أبرز أسباب تراجع الصناعة النسيجية إنتاج القطن، الذي يعد المادة الخام الأساسية لهذه الصناعة، والذي تأثر قطاع حلج القطن بشكل كبير، حيث خرجت معظم المحالج عن الخدمة، فمن أصل 19 محلجاً كانت تعمل قبل الحرب، لم يبق سوى خمسة محالج في محافظة حمص، يعمل منها حالياً ثلاثة فقط.

كما يرتبط هذا التراجع بعوامل أخرى، أبرزها انخفاض المساحات المزروعة خلال الحرب وخروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية لمحصول القطن عن السيطرة، خصوصاً في مناطق الحسكة والرقة ودير الزور التي تعتبر المناطق الرئيسية لإنتاجه، إضافة إلى موجات الجفاف في عدد من السنوات، ونزوح وهجرة اليد العاملة، وعدم قدرة أصحاب الأراضي على استثمارها أو جني محصولها.

وتشير بيانات رسمية حصلت عليها صحيفة “الثورة السورية” إلى وجود أكثر من 24 ألف منشأة صناعية وحرفية نسيجية في سوريا، منها نحو 14 ألف منشأة عاملة، مقابل قرابة 10,500 منشأة متوقفة.

ويبلغ عدد المنشآت الصناعية النسيجية العاملة 5,913 والمتوقفة 5,973، وتتركز النسبة الأكبر في حلب بواقع 3,174 منشأة عاملة، و3,154 متوقفة، تليها دمشق 1,441 منشأة عاملة، و563 متوقفة.

أما المنشآت الحرفية النسيجية فيبلغ عدد العاملة منها 7,921 مقابل 4,519 متوقفة، وتتصدر دمشق عدد المنشآت الحرفية العاملة 2,916 مقابل 200 متوقفة، تليها حلب 2,957 منشأة عاملة، و2,392 متوقفة.

وبعد التحرير، أعلنت الحكومة الجديدة فتح الأسواق أمام الاستثمارات والمنتجات الخارجية، إلى جانب إطلاق مجموعة من الإجراءات التي تمس القطاع الصناعي عموماً والقطاع النسيجي خصوصاً.

وشملت هذه الإجراءات فتح الباب أمام الاستثمارات الخارجية، وفتح الحدود أمام المنتجات الخارجية، وإلغاء منصة تمويل المستوردات التي كان يعتمدها النظام المخلوع، إضافة إلى إصدار تعرفة جمركية جديدة، خفضت الرسوم على بعض السلع المستوردة، مقابل رفع الرسوم على بعض مستلزمات الإنتاج.

مقترحات لإحياء الصناعات النسيجية

قدّم تقرير صدر مؤخراً عن “مركز حرمون للدراسات المعاصرة”، بعنوان: “الصناعات النسيجية السورية.. الواقع والمستقبل”، مجموعة من المقترحات لتنفيذ رؤية تطوير الصناعات النسيجية عبر تعزيز الترابطات الأمامية والخلفية لحلقات الإنتاج المختلفة واحتياجات كل حلقة من الحلقات الأخرى، من أجل تحقيق أهداف هذه الرؤية بالشكل المطلوب.

ففي مرحلة إنتاج القطن، يركز التقرير على ضرورة إعادة تأهيل الأراضي الزراعية المستخدمة في زراعة القطن والمتضررة من العمليات العسكرية أو التلوث البيئي، وتسهيل عودة أصحابها لاستثمارها، وتحديد المساحات المخصصة لزراعة القطن وفق احتياجات معامل الغزل والنسيج القطني والمخططة مستقبلاً، وتحسين جودة محصول القطن ونظافته ودرجة نضجه وتطابقه، ودراسة إمكانية استخدام الآلات الحديثة في عمليات قطف القطن وتجميعه ونقله بهدف خفض التكاليف وتحسين النوعية، مؤكداً دور الدولة الداعم في توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي مثل البذار والأسمدة والأدوية الزراعية والمحروقات بالكميات والنوعية المناسبة وفي الوقت المناسب.

أما في مرحلة الغزل، فيقترح التقرير توفير الحاجة اللازمة من القطن المحلوج بالمواصفات المطلوبة وبنوعية جيدة، وفق برامج توريد متفق عليها، مع تحديد سعر القطن المحلوج من شركات الغزل العامة والخاصة، وبحسب الأسعار العالمية، وتوفير الغزول القطنية بالنمر والمواصفات المطلوبة والأسعار المناسبة وفق حاجة الشركات المحلية، إلى جانب توفير حوامل الطاقة بالكميات والأوقات المناسبة، وتسوية التشابكات المالية بين الشركة العامة لحلج وتسويق الأقطان والشركة العامة للصناعات النسيجية، بما يساهم في خفض تكاليف الإنتاج والأسعار التي تسببها فوائد الديون على كلفة وسعر الغزول.

ويقترح أيضاً تخصيص معمل أو خط إنتاج مبدئي لإنتاج الغزول القطنية العضوية عند البدء بإنتاج القطن العضوي، بالإضافة إلى تحسين بيئة عمل الشركات العامة الإدارية والمالية والتسويقية، واعتماد أسلوب متطور لاختيار الإدارات وصلاحياتها على جميع المستويات.

وفي مرحلة النسيج، يدعو التقرير إلى اعتماد سعر مناسب للغزول القطنية المنتجة محلياً يتوافق مع جودتها والأسعار العالمية، مع التركيز على إنتاج الأقمشة المناسبة من مختلف الأنواع بالنوعية والمواصفات التي تلبي حاجة السوق مثل أقمشة الجينز والألبسة والستائر والمفروشات والأقمشة المنزلية الأخرى، المحلية والخارجية، خصوصًا بالجودة والأسعار المنافسة وحسب توجهات الموضة.

ويقترح السماح باستيراد الأقمشة غير المنتجة محلياً أو التي لا تتوافر بالكميات والنوعية المطلوبة، مع وضع آليات رقابية لضمان تحقيق أهداف هذه السياسة، وفرض ضميمة عادلة ومناسبة على الأقمشة المستوردة التي لا تنتج محلياً، وتشجيع إنتاج الأقمشة والمنتجات القطنية العضوية وذات البياض الناصع، وإعادة تنشيط صناعة المنتجات النسيجية الفلكلورية من الحرير الطبيعي وغيره، وإنتاج النسيج الفني المتخصص بالاستخدامات الصناعية، كالفلاتر والقشط والأقمشة العازلة للماء والكهرباء، وتشجيع إقامة العناقيد الصناعية النسيجية، وبشكل خاص من خلال عملية إعادة تأهيل المناطق الصناعية والمنشآت المتضررة في مناطق المخالفات والأراضي الزراعية.

كما يقدم التقرير توصيات أخرى في مراحل الصباغة والتحضير والتصميم والتدريب والتأهيل.

شارك