الثورة السورية – وعد ديب
تشهد سوق الإسمنت في سوريا تحولات تعيد رسم ملامح قطاع البناء، مع تصاعد الضغوط على المعروض وسط طلب متزايد تقوده مشاريع الإعمار. وفي ظل توقف إنتاج الكلنكر، المادة الأولية للإسمنت قبل الطحن، إلى جانب تعثر الواردات أو زيادة تكلفتها، برزت فجوة واضحة في السوق دفعت الأسعار إلى الارتفاع بشكل ملحوظ، حيث قفز سعر الطن من نحو 100 دولار قبل شهرين إلى ما بين 120 و150 دولاراً حالياً، وفقاً لما يتم تداوله في السوق.
وتأتي هذه التطورات في وقت تبرز فيه صناعة الإسمنت كأحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني، نظراً لدورها المحوري في تحريك قطاع البناء وإعادة الإعمار، ما يفتح الباب أمام تساؤلات ملحّة حول أسباب تعثر الإنتاج المحلي، والخيارات المتاحة لمعالجة الأزمة ودعم استقرار السوق.
أسباب توقف الكلنكر
قال مدير الشركة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت ومواد البناء “عمران” المهندس محمود فضيلة، لصحيفة “الثورة السورية”، إن توقف إنتاج الكلنكر يعود بشكل أساسي إلى ارتفاع تعرفة الطاقة، التي تشكل أكثر من 65 بالمئة من تكلفة الإنتاج.
وأوضح فضيلة أن عملية الإنتاج تعتمد بشكل أساسي على الحرق، ما يجعل استمرار العملية صعباً في ظل ارتفاع أسعار الوقود.
وأضاف أن تهالك خطوط الإنتاج ونقص الصيانة في بعض المعامل يزيدان من التكاليف، ما دفع بعض المعامل إلى التوقف عن الإنتاج مؤقتاً.
زيادة الطلب وقلة العرض
رصدت صحيفة “الثورة السورية“، انتشار الإسمنت المستورد من دول مصر والأردن وتركيا والعراق.
وأشار فضيلة إلى وجود خلل بين العرض والطلب في سوق الإسمنت، حيث يزداد الطلب بشكل كبير نتيجة مشاريع إعادة الإعمار، في حين لا تستطيع المعامل المحلية تلبية هذا الطلب بسبب محدودية القدرة الإنتاجية، ورغم توفر الإسمنت في بعض المعامل، تبقى الأسعار، والكلام لفضيلة، مرتفعة بسبب نقص العرض.
ولتلبية جزء من احتياجات السوق، تستورد الشركة كميات كبيرة من الإسمنت من مصر وتركيا، لكن فضيلة أكد أن الاستيراد ليس حلاً دائماً، خاصة أنه يربط الأسعار بأسعار المنشأ ويعرضها لتقلبات السوق العالمية، مما يزيد من الأسعار بشكل غير متوقع.
وأكد فضيلة أنه لا يمكن لأي دولة الاعتماد كلياً على الاستيراد لهذه المادة الاستراتيجية، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة تعزيز قدرة الإنتاج المحلي لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وفي هذا الإطار، وضعت الشركة خطة لتحديث خطوط الإنتاج في المعامل المحلية باستخدام التكنولوجيا الحديثة، بهدف تقليل تكاليف الإنتاج على المدى الطويل.
كما لفت إلى أن إعادة تأهيل معمل حماة وطرطوس ستبدأ قريباً، ومن المتوقع أن تدخل هذه المعامل في الإنتاج خلال العامين أو الثلاثة المقبلة.
وستكون مصانع الشركة في حلب وحماة وطرطوس قادرة بنهاية العام على ضخ 3.5 مليون طن من الإسمنت، ما يعادل نحو 40 بالمئة من حاجة السوق المحلي.
وكانت “عمران” قد وقعت مؤخراً عقداً استثمارياً مع شركة “QZ” الإماراتية، لمدة 15 عاماً، بهدف إعادة تأهيل وتشغيل مطاحن معمل أسمنت طرطوس، في خطوة تهدف إلى “تعزيز الإنتاج المحلي وتحسين كفاءة القطاع”.
وفي تشرين الأول 2025، وقعت الشركة مذكرة تفاهم مع مجموعة “فيرتكس” العراقية للاستثمارات، لإعادة تأهيل وتطوير وتشغيل الخط الثالث في معمل إسمنت حماة.
ويهدف المشروع إلى رفع الطاقة الإنتاجية للمعمل خلال 13 شهراً، في إطار خطة لتطوير قطاع الإسمنت بشراكات إقليمية.
مطالب بتخفيض الرسوم الجمركية
تعمل “عمران” على استيراد مادة الكلنكر بشكل مرحلي ومدروس بهدف دعم استمرارية إنتاج الإسمنت في المعامل العاملة، وذلك وفق تقديرات دقيقة لحاجة السوق المحلية والطاقة الإنتاجية المتاحة للمعامل.
وتسلمت الشركة في السابع من الشهر الماضي شحنات من الكلنكر من شركة “سيسكو” المصرية، وذلك تنفيذاً لمذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان في وقت سابق.
وقال فضيلة إن الزيادة في أسعار الإسمنت لدى المعامل خلال هذه الفترة من العام لم تتجاوز ثلاثة دولارات مقارنة بالعام الماضي، وذلك لكلا القطاعين العام والخاص.
وأضاف أن ارتفاع الطلب من الأردن ومصر، إلى جانب تأثير أزمة الطاقة الناجمة عن الظروف الإقليمية على قدرة الشركات المحلية، انعكس بشكل غير مباشر على ارتفاع الأسعار محلياً.
وأوضح فضيلة أن الشركة، في إطار سعيها لخفض تكاليف الإنتاج، طالبت الجهات المعنية بتخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على الكلنكر المستورد، لما لذلك من أثر مباشر في تقليل كلفة الإنتاج داخل المعامل المحلية.
وأضاف أن هذا الإجراء من شأنه أن ينعكس تلقائياً على أسعار الإسمنت في السوق، عبر خفضها وتعزيز تنافسيتها.
تحديات وحلول
حول واقع صناعة الإسمنت في سوريا، رأى المحلل الاقتصادي عامر ديب، أن هذا القطاع يواجه تحديات تؤثر بشكل مباشر على إنتاجه وأسعاره في الأسواق. وأوضح ديب لصحيفة “الثورة السورية” أن أبرز هذه التحديات تكمن في تراجع إنتاج حوامل الطاقة وارتفاع تكاليفها، إلى جانب ضعف انسيابية البضائع في السوق المحلية، مشيراً إلى صعوبة التعامل مع المعتمدين في القطاع العام مقارنة بالقطاع الخاص.
وأضاف أن غياب نظام الحوكمة الفعال أسهم في توسيع الفجوة بين العرض والطلب، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار، خصوصاً في المناطق التي يشهد فيها الطلب على الإسمنت نشاطاً عمرانياً مكثفاً.
وأشار إلى أن الاعتماد على الاستيراد أصبح أمراً حتمياً في الظروف الحالية، مع التأكيد على أهمية تعزيز القدرة الإنتاجية المحلية، وتكثيف الشراكة بين القطاعين العام والخاص لضبط الأسعار وتحقيق التوازن بين الإنتاج والتسويق.
ولفت إلى أن تزايد الاعتماد على الاستيراد نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والغاز يضاعف الضغوط على الاقتصاد المحلي، مشدداً على ضرورة إعادة هيكلة قطاع الإسمنت بشكل جذري، خصوصاً في ما يتعلق بتوزيع الغاز والطاقة، وضمان شفافية التعامل مع الوسطاء.
وأكد ديب أن الحلول الاقتصادية الفعّالة تتطلب سياسات تشجع استثمار القطاع الخاص في صناعة الإسمنت، بما يضمن توفير المواد الخام بأسعار مناسبة ويعزز استقرار السوق.
وحول الحلول المستقبلية للقطاع، أوضح ديب أن سوريا بحاجة إلى رؤية استراتيجية واضحة، داعياً إلى وضع خطة تصاعدية تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات لتغطية احتياجات السوق من الإسمنت، حيث من المتوقع أن يصل الطلب إلى نحو 20 ألف طن سنوياً في المستقبل القريب.
وتوقع أن يغطي الإنتاج المحلي في السنة الأولى نحو 15 ألف طن فقط، ما يجعل الاستيراد حلاً مؤقتاً غير كافٍ لضمان استقرار السوق على المدى الطويل، مؤكداً أن الحلول تتطلب دراسة دقيقة للإنتاج وحاجة السوق المتزايدة، لا سيما في ضوء اتساع الفجوة بين العرض والطلب المحلي.
كما شدد على أهمية التنسيق بين القطاعين العام والخاص لتحسين الإنتاج وتقليل التكاليف، بما يعكس استقرار الأسعار ويضمن تلبية احتياجات السوق المحلية على المدى الطويل، مشيراً إلى ضرورة وضع ضوابط واضحة للأسعار وتحديد هامش ربح مناسب للمنتج النهائي، سواء كان الإسمنت الأبيض أو الأسود، لضمان توازن فعّال بين العرض والطلب.
