موازنة 2025.. مؤشرات إيجابية وتحديات مستمرة

الثورة السورية – ميساء العلي

للمرة الأولى منذ 35 سنة، حققت الموازنة العامة لعام 2025 فائضاً طفيفاً بلغ 46 مليون دولار، في مؤشر أولي على تحسن الإدارة المالية العامة وتحصيل الإيرادات. ورغم هذه الإشارات الإيجابية، تكشف الأرقام عن تحديات قائمة، ما يستدعي اتخاذ خطوات حاسمة لتحويل المؤشرات الإيجابية إلى مسار مستدام يدعم النمو الاقتصادي ويعزز ثقة المستثمرين، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الاستقرار المالي ومتطلبات التنمية.

ويعد هذا أول فائض تسجله الموازنة منذ عام 1990، ويمثل نحو 0.15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 30.6 مليار دولار، مقارنة بعجز بلغ 2.9 بالمئة في 2023 و2.7 بالمئة في 2024، وفق بيانات وزارة المالية.

وقال وزير المالية يسر برنية، إن هذا الفائض يعكس اتباع إدارة مالية رشيدة ومنضبطة، إلى جانب جهود مكافحة الفساد والهدر، مشيراً إلى أن الفائض كان قد بلغ نحو نصف مليار دولار مع نهاية الربع الثالث من العام الماضي، قبل أن يتراجع تدريجياً خلال الربع الرابع نتيجة زيادة بعض بنود الإنفاق وسداد الالتزامات المتأخرة.

ووصلت الإيرادات العامة في 2025 إلى نحو 3.493 مليار دولار، مقابل إنفاق 3.447 مليار دولار، بزيادة في الإيرادات بلغت 120 بالمئة مقارنة بعام 2024، الذي بلغت فيه الإيرادات 1.585 مليار دولار مقابل إنفاق 2.366 مليار دولار، ليبلغ العجز 781 مليون دولار.

أما عام 2023، فكانت الإيرادات 1.176 مليار دولار مقابل إنفاق 1.995 مليار دولار، أي أن العجز وصل إلى 819 مليون دولار.

وبلغ الناتج المحلي الإجمالي 28.5 مليار دولار في 2023، و28.8 مليار دولار في 2024، قبل أن يرتفع إلى 30.6 مليار دولار في 2025.

الإيرادات والإنفاق

تشير أرقام الموازنة العامة لعام 2025 إلى تحول ملحوظ في هيكل الإيرادات، حيث شكلت الرسوم الجمركية 39 بالمئة من الإجمالي، بينما بلغت مساهمة الضرائب والرسوم غير الجمركية 31 بالمئة.

وأسهمت بدلات الخدمات واستثمار أملاك الدولة بنسبة 13 بالمئة من الإيرادات، في حين مثلت الفوائض الاقتصادية غير النفطية 6 بالمئة. وبلغت حصة القطاع النفطي 2 بالمئة فقط من الإيرادات، بينما تمثل 28 بالمئة من الإيرادات في موازنة العام الحالي. في حين شكلت المصادر الأخرى 9 بالمئة من إجمالي الإيرادات.

ومن أبرز العوامل التي أسهمت في ارتفاع الإيرادات العامة، التحسن النسبي في النشاط الاقتصادي وارتفاع حجم عمليات التجارة الخارجية، إلى جانب زيادة نسبة الالتزام بتحصيل بعض المستحقات. كما لعب تحسن أداء المؤسسات والشركات العامة، واستقلالية إدارة المال العام والاستثمار، دوراً محورياً، إلى جانب الجهود المبذولة لمكافحة الفساد في احتساب وتحصيل الرسوم، وفق وزارة المالية.

أما الإنفاق العام، فيكشف عن تركيز واضح على الجوانب التشغيلية والاجتماعية، حيث استحوذت الرواتب والأجور والتعويضات على 41 بالمئة من الإجمالي، فيما خصصت النفقات التشغيلية 31 بالمئة، والنفقات التحويلية 25 بالمئة، بينما بلغت النفقات الاستثمارية 7 بالمئة، وخدمة الدين 5 بالمئة.

وتشمل العوامل المؤثرة في النفقات، وضع مخصصات إضافية لتعزيز نزاهة القضاء، وتأجيل الإنفاق الاستثماري لحين دراسة جدواه الاقتصادية والاجتماعية. كما شمل الإنفاق زيادة رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين لتحسين مستوى المعيشة، وزيادة الدعم المخصص للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، بالإضافة إلى تخصيص موازنات إضافية لدعم الخدمات العامة في المحافظات.

تحسن الأداء المالي

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر، أن البيانات التي أعلنتها وزارة المالية حول موازنة عام 2025 تعكس تحسناً في الإدارة المالية العامة، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية المعقدة.

وقال السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية”، إن الأرقام المعلنة تشير إلى تسجيل فائض طفيف للمرة الأولى منذ عقود، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في الإيرادات العامة، ما يمنح انطباعاً أولياً بوجود تحسن نسبي في الأداء المالي. وفي المقابل، يرتبط تفسير هذه المؤشرات بطبيعة الاقتصاد السوري والتحديات الهيكلية القائمة، ما يستدعي أخذ هذه العوامل بعين الاعتبار عند تقييم النتائج.

من حيث الشكل، أكد السيد عمر أن تحقيق فائض في الموازنة بقيمة تقارب 46 مليون دولار يظهر كإشارة إيجابية، خصوصاً بعد سنوات طويلة من العجز. هذا التحوّل يعكس درجة من الانضباط المالي وتحسناً في تحصيل الإيرادات، إضافة إلى إجراءات مرتبطة بضبط الإنفاق ومكافحة الهدر.

كما أن الزيادة الكبيرة في الإيرادات بنسبة تتجاوز 120 بالمئة مقارنة بعام 2024 تعكس تحسناً في النشاط الاقتصادي أو في كفاءة تحصيل الضرائب والرسوم، أو كليهما معاً.

لكن هذا الفائض يبقى محدوداً للغاية عند مقارنته بحجم الاقتصاد الكلي، حسب السيد عمر، إذ لا يتجاوز 0.15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا يعني أن أثره الفعلي على الاستقرار المالي أو على قدرة الدولة على تمويل مشروعات تنموية يبقى ضعيفاً.

كما أن تقلص الفائض خلال الربع الأخير من العام يشير إلى ضغوط إنفاقية مستمرة، خاصة مع تراكم الالتزامات المالية.

محدودية المصادر

من جهة الإيرادات، يرى السيد عمر أن هناك اعتماداً كبيراً على الضرائب والرسوم، التي تشكل معاً نحو 70 بالمئة من إجمالي الإيرادات. ويعكس هذا الاعتماد المرتفع محدودية تنوع مصادر الدخل الحكومي، ما قد يشكل عبئاً على النشاط الاقتصادي إذا لم يكن مصحوباً بنمو حقيقي في الإنتاج.

كما أن ارتفاع مساهمة الجمارك إلى 39 بالمئة من الإيرادات يعكس ارتباط هذا المصدر بحجم الاستيراد أكثر من ارتباطه بالإنتاج المحلي، ما يجعله أقل استقراراً على المدى المتوسط.

في المقابل، لاحظ السيد عمر أن الإيرادات النفطية مرشحة للعب دور أكبر في موازنة 2026، إذ من المقرر أن تبلغ 28 بالمئة من الإيرادات، وهو تطور مهم إذا تحقق فعلياً، لأنه قد يخفف الضغط عن النظام الضريبي. غير أن الاعتماد على الموارد الطبيعية يحمل في طياته مخاطر تقلب الأسعار والإنتاج، ما يتطلب إدارة حذرة وتخطيطاً بعيد المدى.

أما على صعيد الإنفاق، فيشير السيد عمر إلى أن استحواذ الرواتب والأجور والتعويضات على نحو 41 بالمئة من إجمالي الإنفاق يعكس تركيبة تميل إلى الطابع الجاري أكثر من الاستثماري.

وأضاف أن هذا النمط قد يكون ضرورياً في سياق اجتماعي محدد، لكنه يحد من قدرة الحكومة على توجيه موارد كافية نحو الاستثمار في البنية التحتية أو المشروعات الإنتاجية. كما أن الزيادة الكبيرة المتوقعة في الإنفاق لعام 2026، والتي تتجاوز ثلاثة أضعاف إنفاق 2025، تثير تحديات تتعلق بكيفية التمويل وضمان عدم العودة إلى العجز.

ويتوقع أن تصل الموازنة العامة لعام 2026 إلى نحو 10.516 مليار دولار من الإنفاق، مع تركيز على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، بينما يُقدّر إجمالي الإيرادات بنحو 8.716 مليار دولار.

اللافت أيضاً، بحسب السيد عمر، أن الناتج المحلي الإجمالي المقدر بنحو 30 مليار دولار يظل منخفضاً مقارنة بحجم الاحتياجات الاقتصادية، ما يعني أن أي سياسة مالية يجب أن ترتبط بتحفيز النمو الحقيقي وليس مجرد تحسين المؤشرات المالية.

وأضاف أن جذب الاستثمارات، الذي يُثار غالباً في سياق تطوير النظام الضريبي، يتطلب بيئة أوسع تشمل الاستقرار التشريعي، وتبسيط الإجراءات، وتحسين البنية التحتية، إضافة إلى وضوح السياسات المالية.

وفي هذا الإطار، قالت وزارة المالية لصحيفة “الثورة السورية”، إن القانون الضريبي المرتقب يعتبر من “أفضل النماذج” في المنطقة، مشيرة إلى أن حجم الإعفاءات في القانون سيكون عاملاً جاذباً للاستثمار، إضافة إلى كونه مصدراً للإيرادات العامة لخزينة الدولة.

النهج الاقتصادي

من جهته، يرى الخبير المالي والمصرفي الدكتور علي محمد، أن ما يميز موازنة العام 2025 هو تحقيق الفائض بعد سنوات من العجز المتواصل.

ورغم أن ذلك يعد مؤشراً إيجابياً، إلا أن الأهم يكمن في تفاصيل الإيرادات العامة التي أسهمت في تحقيق هذا الفائض.

وأوضح محمد لصحيفة “الثورة السورية” أن الجزء الأكبر من هذه الإيرادات جاء من الرسوم الجمركية، وهو ما يعكس اتباع سياسة اقتصاد السوق الحر، حيث غلبت كفة الاستيراد على التصدير في الميزان التجاري، لتصبح الرسوم الجمركية انعكاساً للواقع الاقتصادي الحالي.

وأضاف أن بند الضرائب والرسوم غير الجمركية، الذي يشكل 31 بالمئة من الإيرادات، يعكس أيضاً هذا التوجه الاقتصادي القائم على الاستيراد.

وأشار محمد أيضاً إلى بند بدلات الخدمات واستثمار أملاك الدولة، مؤكداً أن هذا الملف الحكومي شائك ومعقد. واعتبر أن وصول هذه البدلات إلى 13 بالمئة من إجمالي الإيرادات أمر إيجابي، مع الإشارة إلى أهمية توسيع هذا الاستثمار بطريقة مدروسة ودقيقة خلال السنوات المقبلة، ليزداد وزن هذه الإيرادات تدريجياً ويصبح لها أثر أكبر في دعم الموارد المالية للدولة.

ضعف الإنفاق الاستثماري

لفت محمد إلى أن الإنفاق العام يظهر أن الجزء الأكبر يذهب لبند الرواتب والأجور، الذي شهد زيادات متكررة؛ فقد بلغت الزيادة في العام الماضي 200 بالمئة، إضافة إلى زيادات نوعية لعدد من القطاعات الأخرى. ويستحوذ هذا البند على الكتلة الأكبر من النفقات، إلى جانب نفقات تشغيل المؤسسات، سواء كانت تشغيلية أو تحويلية، التي وصلت نسبتها مجتمعة إلى 47 بالمئة.

ويظل الجانب الأضعف في بنود النفقات هو الإنفاق الاستثماري، الذي لا يتجاوز حالياً 7 بالمئة من إجمالي النفقات، وهو رقم ضئيل مقارنة بالمعدل المعتاد الذي يتراوح بين 25 و30 بالمئة. وبناء عليه، يعود السبب الرئيس لتحقيق الفائض، رغم ارتفاع الإيرادات، إلى خفض الإنفاق الاستثماري بهذا الشكل، مع احتمال توجيه جزء من هذا التوفير لدعم كتلة الرواتب والأجور.

وبناء على ما سبق، تبدو أرقام موازنة العام 2025 أنها تحمل إشارات إيجابية، مثل تحقيق فائض وتحسن الإيرادات، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تحديات بنيوية، أبرزها محدودية تنوع مصادر الدخل، وارتفاع الإنفاق الجاري، وضعف الحيّز المالي المتاح للاستثمار.

ويعتمد استمرار التحسن على قدرة الحكومة على تحويل هذه المؤشرات إلى مسار مستدام يدعم النمو الاقتصادي ويعزز ثقة المستثمرين، مع الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار المالي واحتياجات التنمية.

شارك