النقل البري بين تركيا والخليج.. هل تستعيد سوريا دورها كممر تجاري؟

الثورة السورية – محمد كساح

يشكل تفعيل المسار البري بين تركيا والخليج العربي عبر سوريا فرصة قائمة، بوصفه أحد البدائل الممكنة في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة، لكن هذا المشروع المهم يحتاج إلى عمل منظم وتعاون إقليمي حقيقي، وإلى سلسلة من الخطوات المتكاملة التي تضع مصلحة التجارة والاستقرار في مقدمة الأولويات.

ومن جهة أخرى، يبقى مستقبل هذا المسار مرتبطاً بدرجة الاستقرار في المنطقة، ومدى قدرة الدول المعنية على بناء تعاون طويل الأمد، وتوفير بيئة آمنة وإجراءات واضحة وسريعة يمكن أن تدفع بهذا الطريق ليصبح جزءاً أساسياً من شبكة النقل الإقليمي.

ويتطلب تحقيق النجاح المنشود في تفعيل المسار البري المار عبر سوريا اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تدعمه بشكل مباشر، وأهمها: تحسين البنية التحتية للطرق والمعابر داخل سوريا بما يضمن سهولة الحركة وتقليل زمن الرحلات، إضافة إلى تنسيق الإجراءات الجمركية بين الدول المعنية لتقليل التعقيدات وتسريع عبور الشحنات، بالتوازي مع توفير ضمانات أمنية واضحة تعزز ثقة شركات النقل وتشجعها على استخدام هذا الطريق دون تردد.

تصريحات واجتماع ثلاثي

في التفاصيل، أعلن وزير التجارة التركي، عمر بولات، عن اتفاق بلاده مع المملكة العربية السعودية لتأمين تأشيرات عبور لجميع سائقي الشاحنات التجارية البرية الدولية من السعودية لمدة 15 يوماً، لتلبية الطلبات من منطقة الخليج العربي.

وخلال فعالية أقيمت في إسطنبول مؤخراً، قال بولات إن الشاحنات التركية المتجهة إلى سوريا والأردن والسعودية وجميع دول الخليج ستستفيد من اتفاقية تحرير حركة الترانزيت مع سوريا التي بدأت في آب/أغسطس الماضي.

وأضاف بولات حينها: “سيصبح الوصول إلى جميع دول الخليج ممكناً في غضون 3-4 أيام”، وفق وكالة الأناضول، مشيراً إلى أن الاتفاقية ستسهم في تسريع وتيرة التجارة المتبادلة بين دول المنطقة.

وفي هذا السياق، عُقد اجتماع ثلاثي في العاصمة الأردنية عمّان، ضم وزير النقل في سوريا يعرب بدر، ووزير النقل الأردني نضال القطامين، ووزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو.

وجرى خلال الاجتماع توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم لتعزيز التعاون في مجالات النقل البري والسككي والجوي والبحري بين الدول الثلاث، بما يسهم في دعم الربط الإقليمي وتسهيل حركة المسافرين والبضائع ورفع كفاءة الخدمات اللوجستية والبنية التحتية، على أن يبدأ التنفيذ اعتباراً من تاريخه ولمدة ثلاث سنوات، تُقيّم خلالها النتائج والمخرجات على أرض الواقع.

المسار البري.. فرصة استراتيجية

في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أوضح مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، أنه في إطار الترتيبات الجارية لتفعيل مسار نقل الصادرات التركية إلى دول الخليج عبر الأراضي السورية، تعمل الهيئة العامة للمنافذ والجمارك على اتخاذ حزمة من الإجراءات التنظيمية واللوجستية، بما يضمن انسيابية حركة الشحن ورفع كفاءة العبور.

وتشمل هذه الإجراءات تبسيط وتوحيد إجراءات العبور الجمركي، واعتماد نظام الترانزيت المنظم، إلى جانب التنسيق المباشر مع الجانب التركي ودول المقصد، بما يضمن تسريع حركة الشاحنات وتقليل زمن الانتظار على المعابر الحدودية، كما يجري العمل على تعزيز الجاهزية التشغيلية للكوادر العاملة في المنافذ، وتوسيع نطاق العمل على مدار الساعة لاستيعاب الزيادة المتوقعة في حركة الشحن.

وفيما يتعلق بالبنية التحتية، لفت علوش إلى أن المنافذ والطرق البرية في وضعها الحالي قادرة على استيعاب حركة الترانزيت، خاصة مع إعادة تفعيل عدد من المنافذ الحيوية، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تطويراً إضافياً يشمل رفع كفاءة الطرق الدولية، وتوسعة ساحات المعابر، وتعزيز الخدمات اللوجستية المرتبطة بقطاع النقل، بما يتواكب مع التحول المتوقع في حجم الحركة التجارية.

وأكد علوش أن مسار النقل البري بين تركيا والخليج، المار عبر سوريا، يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز موقع سوريا كممر إقليمي للتجارة بين آسيا وأوروبا والخليج، خاصة في ظل التحديات التي تواجه الممرات البحرية، الأمر الذي يعيد إحياء الدور الجغرافي لسوريا كمحور ربط بري في المنطقة، ويتطلب ذلك الاستمرار في تحسين بيئة النقل، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التعاون الإقليمي، بما يضمن استدامة هذا المسار وتحويله إلى خيار طويل الأمد.

أما فيما يتعلق بمستقبل هذا المسار، فألمح إلى أن استمراريته ترتبط بعدة عوامل، أبرزها استقرار الأوضاع الأمنية في المنطقة، واستمرار التحديات التي تواجه النقل البحري، إضافة إلى مستوى التنسيق الإقليمي، وقدرة هذا المسار على تقديم بدائل تنافسية من حيث الكلفة والوقت مقارنة بالمسارات الأخرى.

وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى هذا المسار ليس فقط كحل ظرفي فرضته التطورات الراهنة، إنما كفرصة قابلة للتحول إلى ممر تجاري مستدام، في حال تم الاستثمار فيه وتطويره بالشكل الأمثل.

مسافة أقصر وكلفة منخفضة

أشار الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، خلال حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن مسارات النقل البري بين تركيا ودول الخليج شهدت مؤخراً اهتماماً متزايداً، خصوصاً بعد إعلان وزير التجارة التركي عمر بولات عن تأمين تأشيرات عبور لسائقي الشاحنات من المملكة العربية السعودية لمدة 15 يوماً، وأضاف أن هذا التطور أعاد طرح خيار المرور عبر الأراضي السورية كمسار بديل، في ظل التوترات الإقليمية والتحديات التي تواجه طرق النقل التقليدية.

وينظر السيد عمر إلى المسار البري عبر سوريا كطريق أقصر من حيث المسافة والتكلفة مقارنة ببعض المسارات البحرية أو البرية البديلة، ملمحاً إلى وجود فرص ممكنة لتفعيل هذا المسار، خاصة مع اضطراب سلاسل التوريد في المنطقة، وبحث الشركات عن طرق أكثر استقراراً وأقل كلفة، وهو ما يمنح هذا المسار أهمية متزايدة، كما أن تسهيل إجراءات التأشيرات لسائقي الشاحنات يعد خطوة عملية تدعم فكرة إعادة تنشيط النقل البري الإقليمي.

لكن إمكانية تفعيل هذا المسار، وفقاً للسيد عمر، لا تعتمد فقط على الرغبة السياسية أو التسهيلات الإدارية، بل ترتبط بعوامل ميدانية وأمنية ولوجستية، منها أن مؤشرات الأمن في سوريا في بعض المناطق لم تصل إلى المستوى المطلوب، ما قد يؤثر على قرار شركات النقل والتأمين باستخدام الطريق، إضافة إلى أن البنية التحتية للطرق بحاجة إلى صيانة وتطوير في عدة محاور، لضمان سلامة وسرعة حركة الشاحنات.

ومن أبرز التحديات أيضاً مسألة الإجراءات الحدودية، فطول مدة الانتظار على المعابر، وتعدد الجهات المشرفة، قد يؤديان إلى تأخير الشحنات ورفع التكاليف، فضلاً عن أن اختلاف الأنظمة الجمركية بين الدول المعنية يتطلب تنسيقاً أكبر لتسهيل مرور البضائع دون تعقيدات، يضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات العابرة لمناطق تعتبرها بعض الشركات عالية المخاطر.

ورغم هذه التحديات، يرى السيد عمر أن المكاسب المحتملة لسوريا كبيرة في حال تفعيل هذا المسار، إذ يمكن أن تستفيد من رسوم العبور، وتنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية، وخلق فرص عمل جديدة، كما أن عودة حركة الشاحنات ستنعكس إيجاباً على الأسواق المحلية، من خلال زيادة الطلب على الوقود والخدمات والصيانة، فضلاً عن أن هذا المسار قد يسهم في إعادة دمج سوريا تدريجياً في شبكة التجارة الإقليمية.

أما بالنسبة لتركيا ودول الخليج، فيوضح السيد عمر أن هذا الطريق قد يمثل خياراً عملياً لتقليل الاعتماد على المسارات الأطول أو الأكثر تكلفة، خاصة في ظل تراجع بعض الصادرات التركية نتيجة ظروف الحرب والتوترات الاقتصادية، حيث تحتاج الشركات إلى تقليل النفقات والحفاظ على تنافسيتها.

شارك