لطالما شكلت الملكية الخاصة أحد أسس الحقوق الفردية، إلا أن تطبيق بعض القوانين مثل الاستملاك والإصلاح الزراعي في العقود الماضية أحدث خللاً كبيراً في هذا الحق، وأدى إلى تجميد حقوق مئات العائلات وإحداث نزاعات حول ملكيات لم تُستكمل إجراءاتها أو لم تُعوَّض بما يوازي قيمتها الحقيقية.
ومن أبرز هذه القوانين قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 لعام 1958، الذي استهدف عملياً وضع اليد على الأراضي التي تتجاوز الحد المسموح للفرد، ما أدى إلى نزع ملكية بعض الأشخاص دون وجه حق وغالباً دون أي تعويض. تلاه قانون الاستملاك رقم 60 لعام 1979 والمعدل بالمرسوم 20 لعام 1983، الذي عرف الاستملاك كوسيلة إدارية لنزع ملكية الفرد لصالح مشاريع النفع العام مع وعد بتعويض عادل، إلا أن التطبيق العملي كشف عن كثير من حالات الظلم والتعويض غير الكافي أو غير المنفذ، ما يعكس خللاً في تطبيق هذه القوانين رغم أهدافها المعلنة.
أوضح محمود حوري، أحد ورثة المتضررين، لصحيفة “الثورة السورية”، أن “الظلم” وقع على عائلته منذ نحو 45 سنة، حين استملكت محافظة دمشق منازلهم في منطقة المهاجرين فوق الجادة الخامسة خورشيد لإقامة مشروع “تلال الشام”، الذي ألغي لاحقاً في ثمانينات القرن الماضي.
وما زالت إشارات الاستملاك موجودة على صحائف العقارات، ما أدى إلى نقل مئات العقارات إلى اسم المحافظة بطريقة “غير قانونية”، دون الإفراج عنها أو تعويض أصحابها.
وأضاف أن الدولة استملكت لأقربائه أيضاً مئات الدونمات في مناطق قدسيا وجعيلة والبجاع منذ نحو نصف قرن، دون أن تتسلم العائلة ثمنها، ولا تزال هذه المساحات مهملة، غير مشغولة أو مستثمرة. وأوضح حوري أن وضعهم يعكس حالة مئات العائلات الأخرى التي لم تستفد من أراضيها، سواء بالزراعة أو عبر مشاريع النفع العام للدولة، ما أدى إلى فوات المنفعة على الجميع.
وتشير السيدة جميلة طبارة، أحد ورثة المتضررين، لصحيفة “الثورة السورية”، إلى استملاك أراض لوالدها في منطقة الزبداني بريف دمشق، وأدى ذلك إلى إصابته بمرض عضال. وقد وضعت له الدولة حينها مبلغاً زهيداً في البنك كتعويض تقديري عن الأراضي، لكنه رفض استلامه. وأضافت طبارة أنه بعد التحرير، تبلغت بإمكانية تقديم أوراق الأراضي لإعادة دراستها من الجهات المختصة، مما أعاد إليها الأمل في استعادة حقوق عائلتها بعد سنوات طويلة من الانتظار.
من جهته، يرى سامر حوري، المستثمر والخبير العقاري، أن الأخطاء الناتجة عن تطبيق هذه المراسيم في القرن الماضي كانت كبيرة. فاستملاك العقارات دون خطة واضحة لاستثمارها أو ميزانية لإنشاء المشاريع، وتركها متوقفة دون استفادة أحد، يُعدّ كارثة.
وقال حوري لصحيفة “الثورة السورية”، إن هذا الخطأ لم يُعالج حتى اليوم، حيث فوجئ بعض أصحاب العقارات “بطرح أملاكهم المستملكة للاستثمار على شركات خارجية”، مع العلم أن هذه الشركات لا تملك الحق بالتصرف فيها، لأن الاستملاك كان مخصصاً للنفع العام وليس للاستثمار أو البيع. وهنا يكون صاحب العقار هو الأحق بالحصول على قيمتها.
ولفت حوري إلى وجود عائلات ما زالت تحتفظ بطابو ملكية لعقاراتها، ولم تتسلم ثمن الاستملاك الذي ارتفعت قيمته اليوم إلى آلاف الأضعاف مقارنة بالقيمة الأصلية حسب الموقع والسوق الفعلية للعقارات.
وأضاف أن القانون السوري ينص على سقوط إشارة الاستملاك بعد مرور 45 عاماً دون تنفيذ المرسوم، إلا أن الملكية لم تُسترجع لأي من أصحابها حتى اليوم.
لجنة الاستملاك
أكد محافظ ريف دمشق، عامر الشيخ، في تصريح سابق، أن ملف الاستملاك الذي كان معمولاً به في عهد النظام المخلوع جائر، وأن الحكومة تدرس مقترحاً لإعادة حقوق المواطنين عبر سن قوانين جديدة تحقق العدالة.
وأضاف الشيخ أن الاستملاك موجود في كل دول العالم، والهدف منه هو صالح النفع العام، ويكون محصوراً ومحدداً بوقت، مضيفاً أنه يفترض عند الاستملاك أن تُحدَّد قيمة رائجة للعقار ويُعوَّض الناس، لكن ما تم استملاكه خلال عهد النظام المخلوع عبارة عن استملاكات جائرة جُيّرت لمصالح عائلته، وتشمل استملاكات واسعة.
وأشار إلى تشكيل لجنة خاصة في محافظة ريف دمشق تُعنى بدراسة واقع الاستملاك على جميع المستويات، تشمل جمع الملفات والقيود العقارية لكل حالة استملاك، وتحديد الجهة الشاغلة للعقار، تمهيداً لتقديم دراسة ومقترح للحكومة ولمجلس الشعب لوضع قوانين جديدة تُعيد الحقوق لأصحابها.
وقد تأسست هذه اللجنة منذ أشهر برئاسة المحافظ عامر الشيخ، لمتابعة ملفات الاستملاك وحماية حقوق المواطنين، حيث شرحت المحافظة آنذاك خطوات حفظ الطلبات المقدمة ضمن صناديق مخصصة، بعد تخصيص غرفة في مبنى المحافظة لحفظها بشكل منظم يضمن سلامة الوثائق وصون حقوق أصحابها.
وحسب اللجنة، فقد تم تنظيم جداول إلكترونية لكل جهة عامة مستملكة، تتضمن بيانات تفصيلية تشمل الوحدة الإدارية التي يقع ضمنها العقار المستملك، واسم مقدم الطلب، ورقم العقار، وحالته، والقيد العقاري، ورقم مرسوم الاستملاك، والجهة المستملكة لصالحها، والمشروع الاستملاكي، إضافةً إلى بيان ما إذا كان المشروع منفذاً أم غير منفذ.
كما تم إعداد مراسلات رسمية للجهات العامة التي صدرت لصالحها مراسيم وقرارات الاستملاك، استناداً إلى المعلومات والوثائق المقدمة من المواطنين. ووجّه رئيس اللجنة، المحافظ عامر الشيخ، أعضاء اللجنة لدراسة أجوبة هذه الجهات فور ورودها، وتقديم المقترحات اللازمة تمهيداً لرفع الموضوع مع التوصيات المناسبة إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية. وحتى اليوم، لم تصدر المحافظة أي إفادة جديدة حول نتائج هذا المسار.
وتعليقاً على ذلك، أشار حوري إلى أن المحافظة فرزت العقارات إلى فئات: المشغولة وغير المشغولة، والمدفوع ثمنها وغير المدفوع، والمنقولة ملكيتها وغير المنقولة. وبناء على ذلك، فإن العقار الذي ما زال باسم صاحبه ولم يُقبض ثمنه وكان شاغراً يُعد حالياً الأكثر أحقية لإزالة إشارة الاستملاك، في حين أن باقي الأقسام تحتاج إلى حلول أخرى يتم الاتفاق عليها بين الأطراف المعنية.
بين الواقع والقانون
أكد الحقوقي المتخصص بالشأن العقاري، مفيد حلاوة، لصحيفة “الثورة السورية”، أن القانون منح الإدارات والجهات العامة حق استملاك العقارات الخاصة، سواء كانت ملكاً صرفاً أو وقفاً أو مثقلة بحقوق، وذلك لتنفيذ مشاريع ذات نفع عام.
وأوضح حلاوة الفارق بين الاستيلاء والاستملاك، مبيناً أن الاستيلاء يقتصر على المساحات التي تتجاوز سقف الملكية المحدد قانوناً، مع الإبقاء على الحد القانوني ودون أي تعويض، في حين أن الاستملاك يتمثل في وضع اليد على ملكية الأفراد بغض النظر عن حجمها أو مجموع ما يملكه الشخص، حتى لو لم يكن يملك سواها.
وأشار إلى أنه على مدى أكثر من 40 سنة، جرى تبرير قوانين الاستملاك بتغليب المصلحة العامة على الخاصة، باعتبار أن المشاريع تهدف إلى تحقيق النفع العام، وأن ترك القرار للمواطن قد يدفعه لتقديم مصلحته الخاصة، بما قد يعرقل تنفيذ هذه المشاريع. وبناء على ذلك، منح القانون الجهات العامة هذا الامتياز، في خرق واضح للحقوق الخاصة.
وبحسب حلاوة، عند التمعن في قانون الاستملاك وتعديلاته، يتضح وقوع كثير من الظلم على الأفراد، رغم إحاطة الإجراء بجملة من الضمانات التي ثبت عدم فعاليتها، إذ تنفذ الإجراءات بالكامل من قبل الجهة الإدارية دون مشاركة حقيقية للأفراد، ما يؤدي إلى تغليب مصلحة الإدارة على حساب حق الفرد، لا سيما في مسألة تخمين قيمة العقار. حيث يتم الاعتماد على قوانين مالية قديمة تُقدّر القيمة بأقل بكثير من السعر الرائج، فيما يقتصر دور المتضرر على الاعتراض أمام لجنة إعادة النظر، المؤلفة بدورها من جهات عامة، ليصدر قرارها في النهاية بصيغة عقد إذعان واجب التنفيذ.
وأضاف حلاوة أنه، إمعاناً في ظلم الفرد، منح القانون الإدارة حق اقتطاع ما يُعرف بـ”الربع المجاني” من العقار دون أي تعويض، ما يعني حرمان المالك من قيمة ربع ملكه. وتبرز خطورة ذلك بشكل أكبر في حال كان الاستملاك جزئياً لعقار شائع، وغالباً ما يكون مقسماً بموجب مهايأة مكانية (أي تقسيم غير رسمي بين الشركاء)، إذ قد يقع الاستملاك على حصة أحدهم، وتُحتسب بالكامل ضمن الربع المجاني من كامل مساحة العقار.
ورأى أن المشكلة لا تقتصر على نص القانون، رغم قسوته، وتمتد إلى مخالفته من قبل العديد من الإدارات، حتى في حدوده الدنيا من الضمانات. فالقانون يوجب على الجهة المستملكة إيداع قيمة العقار المقدّرة لصالح المالك فوراً وقبل نقل الملكية، إلا أن ذلك لم يُنفذ في معظم الحالات، حيث وُضعت إشارات استملاك على صحائف آلاف الدونمات دون استكمال الإجراءات، سواء من جهة عدم دفع التعويض للمالك، أو من جهة عدم تنفيذ أي مشروع ذي نفع عام.
ويؤكد ذلك، بحسب حلاوة، غياب الجدية في الاستملاك، ما أدى إلى حرمان المواطنين من الانتفاع بعقاراتهم أو التصرف بها لعقود، وفي الوقت نفسه حرم الدولة من استثمار هذه العقارات بشكل أمثل، في مخالفة واضحة لقوانين الاستملاك.
تصحيح المسار
يشير حلاوة إلى أن هذه الممارسات كانت سائدة لدى المؤسسة العامة للإسكان خلال فترة النظام المخلوع، حيث اكتفت بوضع إشارة الاستملاك دون استكمال الإجراءات أو تنفيذ أي مشروع فعلي، ما يعكس –بحسب رأيه– توجهاً للسيطرة على الأراضي تحت غطاء القانون.
وبناء على ذلك، يرى أن قرارات الاستملاك ووضع الإشارة تُعد باطلة بطلاناً مطلقاً، ومستوجبة للإلغاء، لعدم الالتزام بالإجراءات القانونية، سواء من حيث عدم إيداع قيمة العقار لصالح المالك، أو عدم تنفيذ مشروع النفع العام المفترض، فضلاً عن ضياع إنتاجية العقار خلال تلك الفترة وحرمان المالك من التصرف به، إضافة إلى مرور مدة تقادم طويلة (15 عاماً) دون دفع التعويض أو تنفيذ المشروع.
في هذا السياق، يقترح حلاوة، رفع الظلم وتصحيح المسار عبر استصدار قرار مركزي يتضمن، أولاً، ترقين إشارات الاستملاك للعقارات الشاغرة لبطلانها القانوني ومخالفتها لأحكام قانون الاستملاك.
أما بالنسبة للعقارات التي تم إشغالها دون دفع قيمتها، فيقترح إجراء تخمين جديد يراعي الأسعار الرائجة الحالية، ودفع التعويض للمالكين، إضافة إلى إلغاء ما يُعرف بـ”الربع المجاني” ومنح كامل قيمة المساحات المستملكة. كما يدعو إلى تشكيل لجنة من المختصين لمتابعة هذه الحالات ودراستها ومعالجتها بشكل شامل.
الحاجة إلى الوقت
أكد مصدر مطلع على الملف لصحيفة “الثورة السورية”، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن معالجة ملف يمتد لأكثر من 60 عاماً لا يمكن أن تتم خلال فترة وجيزة من عمر الحكومة، ولا عبر تقديم الطلبات فقط، بل تتطلب سنوات من العمل والدراسة الدقيقة للأراضي التي تم التصرف بها، سواء تلك التي أُدرجت ضمن مخططات تنظيمية مستقبلية أو التي يجري تنفيذها تدريجياً، مثل ضاحية قدسيا.
وأشار المصدر إلى ضرورة تشديد الرقابة على الأراضي التي تتصرف بها البلديات خارج المخططات المعتمدة، والتي يتم تأجيرها لحساب البلديات أو لجهات اعتبارية، بما يضمن ضبط هذه التجاوزات.
وأضاف أن إصدار هذه المراسيم يتطلب وجود برلمان لتشريعها، مشيراً إلى أن الجهات المستملكة يجب أن تكون على دراية كاملة بتفاصيل هذا الملف، باعتبارها الجهة المسؤولة عن تحديد طبيعة التصرفات التي جرت على الأراضي المستملكة.
ويشمل ذلك بيان حالات الإشغال، وما إذا كان المالك قد تقاضى كامل حقوقه سابقاً، أو حصل على تعويض بديل كالأمتار الطابقية. وأكد أن معالجة هذه الحالات تتطلب دراسة مستفيضة بمشاركة جميع الأطراف المعنية.
