استعادة الثقة للنهوض بالاقتصاد السوري.. والاستقرار الاجتماعي أهم مقومات التعافي

يشكل الاقتصاد السوري اليوم ملفاً محورياً في أي نقاش يتعلق بمستقبل البلاد، فبعد سنوات طويلة من التراجع المتواصل، تضاءلت القدرة الإنتاجية للقطاعات الرئيسية، وتراجعت مساهمة الصناعة والزراعة في الناتج المحلي، وارتفعت معدلات البطالة والتضخم إلى مستويات غير مسبوقة.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الحديث عن إعادة الإعمار ترفاً، بل أصبح أولوية ملحة تفرض نفسها على كل المستويات، ومع ذلك، لا تزال هناك مؤشرات على وجود فرص حقيقية للنهوض، شريطة استغلال الموارد الداخلية وتوفير بيئة اقتصادية ملائمة.

فرص متوافرة تدعو لتفاؤل معقول

وهذه المؤشرات التي تعبر عن فرص النهوض يمكن الإشارة إليها من جوانب مختلفة، لكن الأقدر على التوصيف أهل القطاع التجاري حيث أكد رجل الأعمال فيصل المنان لـ«الحرية» أن الأسواق المحلية تعاني من انخفاض القوة الشرائية بسبب ضعف الليرة السورية، وارتفاع الأسعار بشكل مستمر، ولكن هناك أيضاً بعض التفاؤل من خلال قدرة بعض القطاعات على التكيف مع الوضع مثل تجارة المواد الغذائية والسلع الأساسية. ويرى المنان أن الدعم الحكومي لقطاعات معينة قد يكون مفيداً في فترة التعافي.
وبالتالي فإن «التجارة» بحاجة إلى استقرار العملة المحلية وتوفير السلع الأساسية بأسعار معقولة، بالإضافة إلى تسهيل عمليات التصدير والاستيراد لتخفيف الضغط عن الأسواق المحلية، والحد من الارتفاعات السعرية التي ما زالت مستمرة.

الفرصة ما زالت قائمة لتطوير المنتج الصناعي

ضمن السياق ذاته يرى الصناعي محمد الحلاق أن ما ينطبق على الواقع التجاري وفعالياته، ينطبق على الواقع الصناعي، حيث تعرضت الصناعة الوطنية لضربة كبيرة خلال السنوات السابقة وخاصة خلال فترة الحرب، فالكثير من المصانع توقفت عن العمل أو دُمّرت، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الإنتاج وتراجع الصادرات، لكن الكثير من الصناعيين يعتقدون أن الفرصة ما زالت قائمة إذا تم العمل على تطوير الصناعات المحلية وتشجيع الاستثمارات.
وأكد الحلاق أنه يتوجب علينا أن نعيد بناء القطاع الصناعي بشكل تدريجي، من خلال تحديث المعدات وتعزيز الابتكار واستخدام التكنولوجيا الحديثة، وفتح الباب أمام الاستثمارات الخارجية، وقبلها تشجيع رأس المال المحلي المهاجر إلى العودة والمساهمة في بناء الاقتصاد الوطني من جديد.

نحتاج مجموعة إصلاحات هيكلية وبنيوية

أمام هذا الواقع أسئلة كثيرة تطرح نفسها على بساط البحث، والتي تحمل في مضمونها حقائق تحاكي التوقعات المستقبلية للاقتصاد الوطني، إلى جانب الآليات المطلوبة الواجب اتباعها لإصلاح اقتصادنا الوطني وتطوير بنيته الخدمية.
وهنا جاءت الإجابة على لسان الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، والذي أوضح أنه رغم التحديات، نجد أن الاقتصاد السوري يمكنه أن يبدأ مرحلة التعافي إذا تم تنفيذ مجموعة من الإصلاحات الهيكلية مثل تطوير نظام الضرائب وتحسين بيئة الأعمال، وضخ استثمارات كبيرة في البنية التحتية، وخاصة في قطاع النقل والطاقة.
إلى جانب فرض حالة التنوع في الاقتصاد والابتعاد عن الاعتماد الكبير على قطاع النفط، والأهم تشجيع الاستثمارات المحلية والدولية من خلال تقديم حوافز للشركات. ويرى عياش في الاستقرار السياسي والاجتماعي العامل الحاسم في استعادة الثقة في الاقتصاد السوري.

كيف يمكن لسوريا استعادة عافيتها الاقتصادية؟

لكن السؤال المهم والذي يثير تفكير الجميع: كيف يمكن لسوريا استعادة عافيتها الاقتصادية وسط هذه التحديات والتكيف مع المتغيرات الجديدة؟
عياش يختزل الإجابة في عدة نقاط أساسية تؤكد الفرص التي يمكن أن تساهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام، في مقدمتها استعادة العافية في القطاع الزراعي من خلال تحسين سبل الري وتوفير الدعم للمزارعين، وتطوير الصناعات المحلية مثل النسيج والصناعات التحويلية، والاستفادة من الموارد الطبيعية كالفوسفات والغاز الطبيعي.
وبالتالي فإن الطريق أمام الاقتصاد السوري ليس سهلاً، ولكنه ليس مستحيلاً، مع دعم من الحكومة والمجتمع الدولي، وكذلك من خلال التعاون بين مختلف الأطراف المعنية (التجار، الصناعيين، والخبراء الاقتصاديين)، يمكن لسوريا أن تبدأ رحلة التعافي والنمو المستدام.
الحرية – مركزان الخليل:

شارك