غلاء الأسعار يغيّر عادات الشراء للأسر السورية.. الضروريات أولاً والكماليات مؤجلة

صراع كبير تعيشه الأسر السورية اليوم، وضغوطاً متزايدة في تأمين احتياجاتها اليومية، في ظل ارتفاع تكاليف السلع والخدمات، بالتوازي مع محدودية الدخول، الأمر الذي ينعكس على القدرة الشرائية ويعيد ترتيب أولويات الإنفاق، ولا سيما في مواسم الأعياد والمناسبات، وحتى في الأيام العادية.

وفي أسواق الألبسة والغذاء على سبيل المثال: تبدو هذه الفجوة أكثر وضوحاً، مع تفاوت الأسعار بين المحال وتراجع الإقبال على الشراء، فيما يتركز الطلب على القطع الضرورية والأقل كلفة، وفق ما ترصده جولات ميدانية في الأسواق.

ارتفاع التكاليف يرفع أسعار الألبسة

الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر يرى أن تكلفة الإنتاج تشكل أحد العوامل الرئيسة في تحديد أسعار الألبسة، في ظل ارتفاع تكاليف المواد الأولية المستوردة، وتأثرها بسعر الصرف، إضافة إلى تكاليف الطاقة والنقل والإيجارات والرسوم.

ويلفت إلى أن الاعتماد على المولدات عند انقطاع الكهرباء، وارتفاع تكاليف المحروقات، يضيفان أعباء جديدة إلى المنتج، قبل وصوله إلى المستهلك.

كما يسهم تعدد حلقات الوساطة بين المنتج وتاجر الجملة والمفرق في زيادة السعر النهائي، في وقت تشكل فيه تقلبات التكاليف عاملاً إضافياً يؤثر في قرارات التسعير.

الدخل في مواجهة الأسعار

ويشير اسمندر بحديثه لـ«الحرية» إلى أن الجانب الأكثر تأثراً في المعادلة هو دخل المواطن، إذ إن ارتفاع الأسعار لا يرافقه بالضرورة تحسن مماثل في مستوى الدخل، ما يؤدي إلى تراجع القدرة على شراء السلع غير الأساسية.

ومن خلال مشاهداتي في الأسواق أن عدداً من المواطنين يتجهون إلى تقليص المشتريات والبحث عن بدائل أقل سعراً، في حين يركز آخرون على تأمين الضروريات.

الأولوية للسعر المناسب

مراسلة «الحرية» بدمشق تواجدت في بعض أسواق العاصمة ورصدت عن قرب الحالة السعرية للمواد التي تشهد ارتفاعات سعرية غير مسبوقة، وحالة عدم استقرار اعتادت عليها سابقاً، لكن ليس بهذه الصورة وفق آراء مواطنين وأرباب أسر، والذين أشاروا خلال أحاديثهم لـ«الحرية» إلى أن ارتفاع أسعار الألبسة يدفع الأسر إلى تقليص حجم مشترياتها، وتأجيل شراء بعض الاحتياجات، والبحث عن العروض والأسعار الأقل.

في المقابل يوضح أصحاب محال تجارية، منهم التاجر محمد مصطفى، أن ارتفاع أسعار المواد الأولية والنقل والتكاليف التشغيلية ينعكس على أسعار البيع، مؤكدين أهمية استقرار تكاليف الإنتاج وتحسين حركة السوق.

حلول تبدأ من الإنتاج وتنتهي بالدخل

أما فيما يتعلق بطبيعة الحلول للمشكلة المطروحة، يقترح الخبير اسمندر ضرورة دعم مدخلات الإنتاج وتسهيل استيراد المواد الأولية، إلى جانب تحسين واقع الطاقة وتخفيف الأعباء التي ترفع تكاليف الإنتاج، بما يساعد المنتج المحلي على المنافسة.

إلى جانب تعزيز الرقابة على الأسواق ومتابعة الأسعار عبر مختلف حلقات التوريد، والحد من تعدد الوسطاء، وتشجيع البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك، بالتوازي مع سياسات تسهم في تحسين مستوى الدخول ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وهذا الرأي يتوافق مع أهمية دعم الإنتاج المحلي، والذي طرحته فعاليات تجارية وصناعية خلال جولة «الحرية» في الأسواق، والذين أكدوا على معالجة التحديات المتعلقة بتعدد الرسوم وتفاوت تكاليف الإنتاج وغيرها.

معالجة ضرورية لتحسين القدرة الشرائية

وتبقى معالجة فجوة الأسعار والدخول مرتبطة بمجموعة من الإجراءات المتكاملة التي تجمع بين خفض تكاليف الإنتاج، وتحسين كفاءة الأسواق، وتعزيز المنافسة والرقابة، ورفع قدرة المواطنين على مواجهة تكاليف المعيشة. فاستقرار الأسعار وتحسين القدرة الشرائية لا يرتبطان بعامل واحد، وإنما يتطلبان معالجة متوازنة لمختلف حلقات الإنتاج والتوزيع والدخل.

الحرية – مركزان الخليل:

شارك