من 5 ليرات إلى 50.. ما الذي تغير في المصروف اليومي للمدرسة؟

الثورة السورية – مجد عبيسي

خلال العقدين الأخيرين شهدت العملة السورية تراجعات حادة انعكست مباشرة على القدرة الشرائية، لكن هل كان ارتفاع الأسعار متناسباً مع هذا التراجع؟

عند مقارنة الأسعار بالدولار بين عامي 2010 و2026، يتبيّن أن ارتفاع الأسعار فاق تراجع العملة، فعلى سبيل المثال، كان مصروف طفل في المدرسة يتراوح بين 5 و10 ليرات، أي ما يعادل نحو 10–21 سنتاً من الدولار، وكان يكفيه لشراء قطع من البسكويت أو البطاطا، أما اليوم، فقد يتراوح مصروف الطفل بين 20 و50 ليرة جديدة (2000-5000 ليرة قديمة)، أي ما يعادل نحو 20-43 سنتاً من الدولار، وهو مبلغ بالكاد يكفي لشراء قطعة بسكويت.

وفي مثال آخر، كان سعر سندويشة الشاورما عام 2010 نحو 35 ليرة، أي ما يعادل 75 سنتاً من الدولار، بينما يبلغ سعرها اليوم بين 150 و200 ليرة جديدة (15–20 ألف ليرة قديمة)، أي ما بين 1.30 و1.74 دولار.

وتشير هذه المقارنات إلى فجوة واضحة بين سعر الصرف والقيمة الفعلية للنقد، وتعكس مؤشرات التضخم المستمر.

ووفقاً للبنك الدولي، ارتفع سعر صرف الليرة السورية من 47 ليرة للدولار عام 2010 إلى 14,800 ليرة عام 2024، ما أدى إلى تضخم هائل؛ إذ بلغ متوسط مؤشر أسعار المستهلك السنوي 54.4 بالمئة بين عامي 2011 و2024، ما يجعل 1000 ليرة عام 2011 تعادل نحو 279 ألف ليرة قديمة في 2024.

لكن سعر صرف الليرة تحسن منذ سقوط النظام المخلوع في أواخر 2024، ليصل حالياً إلى نحو 115 ليرة جديدة (نحو 11,500 ليرة قديمة).

السيارات بين عقدين

يقول منصور عزيزية، موظف في صالة مبيعات، لصحيفة “الثورة السورية”: “قبل نحو عقد ونصف العقد، كان مرتبي 16 ألف ليرة سورية (نحو 310 دولارات)، وكانت مستلزماتي الشهرية لا تتعدى 12 ألف ليرة، والآلاف الأربعة الباقية أدخرها بغية شراء سيارة”، حين كان التقسيط متاحاً.

وتراجع متوسط الرواتب خلال فترة النظام المخلوع ليتراوح بين 200 و300 ألف ليرة (قديمة)، أي نحو 20 دولاراً، بينما أصدرت الحكومة الجديدة قراراً بزيادة الرواتب 200 بالمئة، ورفعت الحد الأدنى إلى 7500 ليرة جديدة (750 ألف ليرة قديمة)، أي قرابة 65 دولاراً.

وبالحديث عن السيارات، فقد كان سعر سيارة “كيا ريو – زيرو” موديل 2010 قبل 16 عاماً يتراوح بين 600 و700 ألف ليرة، ما يعادل نحو 15 ألف دولار، لكن سعرها حالياً انخفض بشكل طفيف ليصل سعر سيارة “ريو 2025 – زيرو” إلى ما بين 12 و13 ألف دولار، بعد أن فتحت الحكومة الجديدة باب الاستيراد وخفضت رسوم الجمارك.

وفي وقت كان فيه سعر ليتر البنزين 44 ليرة (نحو 0.93 سنتاً)، انخفض اليوم إلى 0.75 سنتاً من الدولار، أي 87 ليرة جديدة (8700 ليرة قديمة).

ملصق إعلاني لأنواع من السيارات عام 2010
ملصق إعلاني لأنواع من السيارات عام 2010

ارتفاع متفاوت

في مقارنات أخرى، كان سعر كيلوغرام الحليب قبل 2011 نحو 35 ليرة، أما اليوم فأصبح 70 ليرة جديدة (7000 ليرة قديمة، أي بزيادة 200 ضعف)، وكان كيلوغرام السكر نحو 15 ليرة، بينما اليوم يتذبذب سعره حول 80 ليرة جديدة (8000 ليرة قديمة، أي بزيادة أكثر من 530 ضعفاً)، كما كان سعر صحن البيض 55 ليرة، أما اليوم فوصل إلى 350 ليرة جديدة (35 ألف ليرة قديمة، أي بزيادة قدرها أكثر من 630 ضعفاً).

أما الخضروات مثل البندورة، التي كان سعر الكيلوغرام منها يقارب خمس ليرات، فوصل اليوم إلى أكثر من 50 ليرة (5000 ليرة قديمة، أي بارتفاع بلغ 1000 ضعف).

اقتصاد “شاذ”
يؤكد خبير الأسواق وأمين سر جمعية حماية المستهلك بدمشق وريفها، عبد الرزاق حبزة، لصحيفة “الثورة السورية” أن الفارق غير المتوازن بين تغير سعر الصرف وتغير الأسعار يتعلق بالتضخم لا بسعر الصرف، وهذا يرتبط بكثرة المضاربة التي وقعت على الليرة، ومضاربة التجار الذين يشترون الدولار بسعر يناسبهم، ثم يسعرون البضائع على هذا الأساس، عدا عن سبب يتعلق بانسيابية المواد إلى الأسواق.

وأشار حبزة إلى أن الاقتصاد المحلي “شاذ لا يخضع لقانون محدد، ويخالف اقتصادات العالم المتعلقة بالعرض والطلب وقيمة العملة الوطنية”.

وعزا الأمر إلى ضعف الأداء الحكومي وعدم قدرته على ضبط سعر الصرف والتحكم بانسيابية السلع إلى الأسواق.

وأشار أيضاً إلى ظاهرة انتشرت بين الباعة وهي “شلف” السعر من دون ضابط أو وازع، وأصبحت مستساغة خلال العقد السابق.

وحذر حبزة من دولرة الاقتصاد، هذه الظاهرة التي كان يحذر منها واليوم باتت معمولاً بها، مشيراً إلى أن العامل النفسي سواء عبر نشر الإشاعات عن انعدام قيمة العملة لأنه لا رصيد خارجي لها، أو أنها مزورة، لعب دوراً كبيراً.

وأضاف أن هناك اليوم من يسعى إلى الاصطياد بنفس الطعم عبر الترويج لشائعة أن هناك 500 ليرة من العملة السورية الجديدة مزورة في الأسواق، طاعناً بهذه الأساليب القديمة الواهية، التي – حسب تعبيره – ربما أفلحت سابقاً، ولكن مع العملة الجديدة هذا أمر صعب.

واعتبر أن الطامة بارتفاع الأسعار هي فقدان الثقة بالليرة، ففي الفترة السابقة أدى ذلك إلى استبدالها بالدولار والذهب، وهذا أدى لانخفاض قيمتها وارتفاع الأسعار أضعافاً مضاعفة.

خلل هيكلي عميق

اتفق المحلل الاقتصادي الدكتور سامر رحال مع رأي الخبير حبزة على أن سعر الصرف ليس المحدد الوحيد للأسعار في سوريا، وأن الاقتصاد يعاني من خلل هيكلي عميق، فالدولار والعملات ليست مرجعية للأسعار.

وأوضح رحال لصحيفة “الثورة السورية” أن سبب هذه الهوة في أسعار الخضار تحديداً هو انهيار العرض الزراعي، في ظل انخفاض العرض نتيجة خروج مساحات كبيرة عن الزراعة، وشح اليد العاملة، وارتفاع تكاليف الإنتاج المرتبطة بالدولار، بمعدلات تفوق الدولار نفسه، لأن التكاليف تراكمية بين ارتفاع سعر الدولار وارتفاع أسعار الغذائيات. كل هذا يفسر الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف وأسعار السوق.

ورغم هذه المؤشرات السلبية التي تراكمت خلال سنوات النظام المخلوع، إلا أن بوادر تعافٍ تلوح في الأفق، إذ إن الاقتصاد على موعد مع نمو للمرة الأولى بعد سنوات من التراجع وفق تقديرات مؤسسات دولية بينها البنك الدولي.

وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن 5-10 ليرات ستكفي طفلاً في المدرسة، بل إن المواطن ربما يكون قادراً على تخصيص 50 ليرة جديدة مصروفاً يومياً لطفله.

شارك