يعود الحديث مجدداً عن استثمارات أميركية محتملة بقطاع النفط والغاز في سوريا، بعد أن استعادت الدولة السيطرة الكاملة على الموارد والثروات في منطقة الجزيرة.
ورغم أن الاستثمار الأجنبي قد يشكّل قاطرة لتعافي قطاع النفط بعد سنوات من الاستنزاف، ورافعة لتحسين الإيرادات وتوفير فرص العمل، إلا أنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول التحديات والمخاطر المحتملة.
وأكد الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، خلال مؤتمر صحفي عقده في حقل العمر بريف دير الزور، أحد أبرز الحقول النفطية في سوريا، أن شركات أميركية مثل “شيفرون” و”كونوكو فيليبس” قادمة للاستثمار في قطاع النفط والغاز.
استثمار نوعي
يصف الخبير الاقتصادي حسام عايش الاستثمار الأميركي المحتمل في قطاع الطاقة في سوريا بـ”الاستراتيجي والنوعي”، لأنه قد يتضمن نقل التقنيات والمعرفة ومعايير الإدارة والحوكمة، وهو ما يحتاجه القطاع.
ويقول عايش لصحيفة “الثورة السورية”: إن دخول لاعب عالمي بمستوى الشركات الأميركية الكبرى سيخلق “مفعول القاطرة”، إذ يشكّل إشارة ثقة قوية للسوق الدولية، يعقبها دخول مستثمرين أوروبيين وخليجيين وآسيويين كانوا ينتظرون من يفتح الباب.
كما يحسّن الموقع التفاوضي لسوريا مع شركاء آخرين، فوجود خيار أميركي على الطاولة يرفع مستوى المنافسة.
وتتيح الشركات الأميركية عملياً تعزيز سيادة سوريا على ثرواتها من خلال تحديث أنظمة الرصد والمحاسبة والإدارة، ما يجعل من الصعب تهريب النفط أو التلاعب بأرقام الإنتاج، وفق عايش.
ويضيف الخبير الاقتصادي أن المكاسب المرتقبة تتضمن توفير “آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة”، سواء في الشركات المستثمرة بمستويات رواتب عالية ومهارات جديدة، أو في قطاعات الدعم اللوجستي والنقل والخدمات والإنشاءات.
ويشير إلى أن الشركات الأميركية مرشحة لنقل الخبرات في مجالات الاستخراج والتكرير والإدارة والسلامة البيئية، وهو ما يبني كوادر سورية جديدة يمكن أن تقود القطاع لاحقاً.
وعلى مستوى الطاقة، من الممكن أن تدعم الاستثمارات الأميركية قطاع الكهرباء وتقلص فجوة الغاز، ما يعني تقليص ساعات التقنين وزيادة نشاط المصانع.
ويتوقع عايش أن تسهم الاستثمارات في قطاع النفط في تحسين إيرادات الخزينة العامة عبر الضرائب وأرباح الشركة السورية المشغلة، وكذلك دعم ميزان المدفوعات عبر زيادة حصيلة الصادرات من النفط والغاز، فضلاً عن استقرار سعر الصرف، لأن النقد الأجنبي الداخل من الصادرات النفطية يغذي احتياطي البلاد من العملة الأجنبية، وهو ما قد يخفف من الضغوط التضخمية المستوردة، وبالتالي كبح التضخم.
ويوضح عايش أن الاحتياطيات في سوريا “تُقدّر بنحو 2.5 مليار برميل نفط و250 مليار متر مكعب غاز، إضافة إلى 1.2 مليار متر مكعب من احتياطيات الغاز البحري”.
ويؤكد إمكانية “رفع الإنتاج النفطي إلى مستويات ما قبل 2011 (حوالي 386 ألف برميل يومياً)” و”رفع إنتاج الغاز إلى 15 مليون متر مكعب يومياً كمرحلة أولى”.
ويشدد عايش على أن الاستثمار في الطاقة سيكون “بداية حركة” للتعافي في 2026، لكنه يذكّر بالتحديات، إذ تحتاج سوريا إلى “استثمارات إجمالية تتراوح بين 250 و400 مليار دولار لإعادة الإعمار بشكل كامل”، أي إن عائدات النفط، حتى لو عادت إلى أعلى مستوياتها، ستكون جزءاً من حلٍّ يحتاج إلى مشاركة دولية أوسع واستقرار سياسي دائم.
إمكانيات متنوعة
يقول الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي البروفيسور مراد كواشي، لصحيفة “الثورة السورية”: إن قطاع الطاقة يُعدّ الأكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين، والأكثر حاجة إلى التحديث، لافتاً إلى أن “الطاقة الآن ربما تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وتكنولوجيا عالية، خاصة في مجال البحث والتطوير والاستخراج”.
ويرى كواشي أن شركات مثل “شيفرون” و”إكسون موبيل” تمتلك هذه الإمكانيات التكنولوجية والمالية والبشرية التي يمكن أن “تقدم الإضافة لأي بلد تستثمر فيه”.
ويضيف أن “سوريا تتمتع بإمكانيات طاقية واحتياطات كبيرة من النفط، وإمكانيات فلاحية بأرض خصبة صالحة لزراعة أنواع مختلفة من الخضروات والفواكه وتربية المواشي، إضافة إلى ثروة سياحية كبيرة جداً، فهي بلد الحضارة”، ما يعني أن المشكلة ليست في انعدام الإمكانيات، بل في آلية تعبئتها وتمويلها.
ويطرح كواشي رؤية للتعافي تقوم على ثلاث دعامات رئيسة: التنويع، والتوازن، والمنفعة المتبادلة.
ويشير إلى ضرورة “عدم تركيز العلاقات فقط مع الولايات المتحدة الأميركية”، والعمل بدلاً من ذلك على “تنويع العلاقات الاقتصادية”، مؤكداً أن هذا التنويع ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على هامش المناورة السياسي والتفاوضي للدولة السورية.
ويوضح أن التعاون، على سبيل المثال، مع الاتحاد الأوروبي في مجالات التكنولوجيا الخضراء وإعادة الإعمار الحضري، ومع الدول الخليجية في التمويل والاستثمارات السياحية واللوجستية، ومع دول الشرق الآسيوي في البنى التحتية والتكنولوجيا، يمكن أن يشكّل شبكة أمان تحمي الاقتصاد السوري من تقلبات السياسة الخارجية لأي طرف.
كما يدعو إلى تبني “شراكات موزونة”، أي البحث عن شركاء ليسوا فقط أقوياء اقتصادياً، بل لديهم استعداد لبناء علاقة متكافئة تحترم السيادة الوطنية.
ويشدد على أن أي شراكة، خاصة في القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة، يجب أن تكون مدروسة بعناية، معتبراً أن الاتفاقيات مع أميركا قد تعود بالنفع “في حال وضع بنود مناسبة لاتفاقية الشراكة تضمن حق الشعب السوري وحق الاقتصاد السوري”.
وحول متطلبات التحديث الشامل، يلفت كواشي إلى احتياجات القطاع، مثل: إعادة هيكلة الآبار القديمة، والاكتشافات الجديدة (خاصة في الطبقات العميقة أو البحرية)، وتحديث شبكة النقل والأنابيب المتهالكة.
استثمار غير تقليدي
يرى رجل الأعمال السوري المغترب في الولايات المتحدة فيصل محمد البراك أن “واشنطن تنظر إلى النفط السوري ليس كمورد اقتصادي فحسب، بل كأداة نفوذ استراتيجي تسمح بإعادة التموضع في شرق البحر المتوسط وموازنة أدوار لاعبين دوليين آخرين”.
ويوضح البراك لصحيفة “الثورة السورية” أن هذه الرؤية تعني أن أي مفاوضات اقتصادية ستكون محكومة بأجندات تتجاوز الربح والخسارة المباشرين.
فوجود شركة أميركية كبرى في دير الزور، على سبيل المثال، ستكون له أبعاد أمنية وسياسية، ويمكن استخدامه كورقة ضغط في ملفات إقليمية أخرى، أو كوسيلة لاستبعاد منافسين جيوسياسيين مثل روسيا.
ويرجّح أن “الاستثمار الأميركي المتوقع لن يكون تقليدياً يركز على إعادة الإعمار الكلاسيكية، بل سيتجه نحو مشاريع ذات عائد سريع، مثل إعادة تأهيل البنية التحتية النفطية المتضررة ومحطات الكهرباء المرتبطة بها”. وهذا يعني أن التركيز سيكون على مشاريع تضخ النفط إلى الأسواق العالمية بأسرع وقت وبأقل تكلفة استثمارية ممكنة.
لكن البراك يحذّر من أن هذا النموذج الاستثماري قد يؤدي إلى قطاع نفطي متطور، في مقابل بقاء القطاعات الأخرى متأخرة.
ويشدد على أهمية العدالة والشفافية والتنمية المحلية، وربط أي استثمار بتحقيق عدالة اجتماعية واقتصادية، خاصة للمناطق المهمشة تاريخياً.
ويؤكد البراك على أهمية أن يكون الرهان السوري الحقيقي على كيفية استثمار النفط ضمن رؤية اقتصادية وطنية طويلة الأمد، وليس فقط على “هوية المستثمر”.
ويوضح ضرورة “استفادة أبناء الجزيرة السورية من هذه الخطوات وألا يبقوا مهمشين كما كانوا في ظل النظام المخلوع”، وكذلك ضرورة تحويل العائدات لصالح الشعب، أي “أن تتحول عائدات الإنتاج النفطي والزراعي والطاقي والمائي لصالح تحسين الظروف الاقتصادية للمنطقة”.
دور المغتربين
يشير البراك إلى أهمية رأس المال السوري في الخارج، إذ “تُقدَّر استثمارات السوريين في الولايات المتحدة وحدها بنحو 25 مليار دولار، مع نمو تحويلات المغتربين بنسبة 35 بالمئة خلال العامين الماضيين”.
ويؤكد أن المغتربين يمكن أن يكونوا شركاء أساسيين في إعادة الإعمار، لكن “شريطة توفر نظام حوكمة مؤسساتي شفاف وبيئة استثمارية جاذبة”.
ويلفت إلى أن المغترب الذي عاش في “بيئات تحترم القانون وحقوق الملكية” لن يخاطر بأمواله في “فوضى اقتصادية أو في نظام يحتمل الفساد”.
