فواتير الكهرباء «الصادمة».. هل ينهار العقد الاجتماعي الطاقي قبل أن يُعاد بناؤه؟

الحرية- رشا عيسى:
يتفقد ربّ أسرة في أحد أحياء دمشق فاتورة الكهرباء أكثر من مرة، ليس بحثاً عن خطأ حسابي، بل محاولة لفهم كيف تحولت خدمة تأتي لبضع ساعات يومياً إلى بند يلتهم جزءاً كبيراً من دخله الشهري.

هذا المشهد لم يعد استثناءً في سوريا عام 2026، بل أصبح القاعدة، مع قفزات غير مسبوقة في تعرفة الكهرباء، ليكون السؤال الذي يتردد في بيوت السوريين، كيف يمكن لخدمة محدودة أن تُسعَّر وكأنها تعمل على مدار الساعة؟ وهذا السؤال مشروع خاصة أن زيادة تعرفة الكهرباء لم يواكبها تحسن في الرواتب أو الدخل حيث بقي الدخل الحقيقي في حالة تآكل مستمر.

زيادة كبيرة

من 10 ليرات إلى 600–1800 ليرة للكيلو واط/ ساعة، زيادة كبيرة بالنسبة الدخل الشهري، فهل كان التوقيت والتنفيذ خاطئين؟ يشرح الدكتور هشام خياط الخبير في السياسات الاقتصادية والاستراتيجية، ورئيس الجمعية السورية لمستشاري الإدارة لـ”الحرية” أن الزيادة الأخيرة في تعرفة الكهرباء، من حيث المبدأ، لم تكن خياراً ترفياً، فبحسب تقديراته، تبلغ كلفة إنتاج الكيلو واط/ساعة اليوم نحو 1500–1600 ليرة سورية، (أي ما يقارب 0.13–0.14 دولار)، بينما كانت التعرفة السابقة لا تتجاوز 10 ليرات فقط، ما يعني أن الدولة كانت تغطي نحو 99% من التكلفة.
ويضيف خياط: إن استمرار هذا النموذج في ظل عجز مزمن في الخزينة العامة، وتراكم ديون على مؤسسة الكهرباء، وصعوبة الوصول إلى تمويل خارجي، كان سيقود إلى انهيار شبه كامل للقطاع.

إشكالية توقيت التنفيذ

لكن الإشكالية وفق خياط، لا تكمن في قرار الرفع بحد ذاته، بل في طريقة وتوقيت التنفيذ.
فرفع السعر بآلاف المرات دون تحسن فوري وملموس في ساعات التغذية –التي لا تزال تراوح بين 4 و8 ساعات يومياً في معظم المناطق– يحوّل الإصلاح المالي إلى إجراء يُنظر إليه اجتماعياً على أنه عقاب جماعي، ويهدد الثقة بين المواطن والدولة، ويزيد من مخاطر الامتناع عن الدفع، والاستجرار غير المشروع، وتفاقم الفقر الطاقي.

نِسَب غير مستدامة تهدد الاستقرار الاجتماعي

يشير الدكتور هشام خياط إلى أن المعيار الدولي المقبول لعبء الطاقة على الأسرة (كهرباء، تدفئة، وقود) لا يتجاوز 8–10% من الدخل المتاح، لكن الواقع السوري مختلف تماماً.
حتى قبل الزيادات الأخيرة، كانت أسر كثيرة تنفق 20–35% من دخلها على بدائل الكهرباء مثل الأمبيرات والمولدات والأنظمة الشمسية الصغيرة، ومع التعرفة الجديدة، ارتفع العبء الكلي إلى 30–45% أو أكثر لدى شريحة واسعة من الأسر المتوسطة والفقيرة.
ويحذّر خياط من أن هذه النسب تؤدي مباشرة إلى تقليص الإنفاق على الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، ما يعمّق الفقر متعدد الأبعاد ويهدد التماسك الاجتماعي.

جوهر المشكلة

ويضيف الخبير الاقتصادي: إن المقارنة الإقليمية توضح جوهر المشكلة، ففي دول مثل مصر أو الأردن، ورغم زيادات سابقة في أسعار الكهرباء، يبقى العبء أقل بفضل دخل أعلى نسبياً وأنظمة دعم أكثر دقة.
أما في سوريا، فالمشكلة الأساسية هي الفجوة الكبيرة بين السعر والدخل المنخفض جداً، لا السعر المطلق وحده.

الأولوية بإصلاح الهيكل

من منظور استراتيجي، يؤكد الدكتور خياط أن تقليص الفاقد الفني والتجاري يجب أن يكون الأولوية القصوى.
فالقطاع يخسر أكثر من 30% من الكهرباء المنتَجة، وتصل الخسائر في بعض المناطق إلى 40% أو أكثر.
ويشرح أن كل خفض بنسبة 1% في الفاقد يحقق وفورات مالية كبيرة دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في محطات توليد جديدة، ما يجعله أعلى عائد استثماري ممكن في الظروف الحالية.
إلى جانب ذلك، يدعو خياط إلى تسريع التحول نحو الطاقة اللامركزية، خصوصاً الطاقة الشمسية على الأسطح والمجمعات الصغيرة، مع توفير حوافز حقيقية لشراكات القطاعين العام والخاص.

استثمار عودة حقول النفط

كما يشدد على أهمية استثمار عودة السيطرة على حقول النفط والغاز الرئيسية وزيادة إمدادات الغاز، بهدف رفع الإنتاج الفعلي إلى 3000–3500 ميغاواط مستقرة.
ويرى أن رفع الأسعار دون هذه الإصلاحات يبقى إجراءً مالياً مؤقتاً، لا يؤسس لقطاع مستدام ولا يعيد الثقة المفقودة.
ويقترح الدكتور خياط رؤية متعددة المسارات تقوم على خمسة محاور مترابطة:
إصلاح تدريجي للتسعير مع حماية اجتماعية دقيقة: شريحة أساسية مدعومة بقوة (0–200 أو 250 كيلوواط ساعة شهرياً) بسعر رمزي، يليها انتقال إلى سعر يقترب من الكلفة الحقيقية، مع ربط الدعم ببطاقات طاقة أو مساعدات نقدية مشروطة للفئات الهشة.
برنامج وطني عاجل لتقليص الفاقد ونشر عدادات ذكية مسبقة الدفع، إعادة تأهيل الشبكات في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، وبرامج تسوية قانونية للاستجرار غير المشروع مقابل الدمج الرسمي.
وتنويع مزيج الطاقة حيث الأولوية للطاقة الكهرومائية المحلية، ثم توسع سريع في الطاقة الشمسية اللامركزية، مع الاستفادة من الغاز المحلي والمستورد.
وتفعيل الربط الإقليمي واستكمال الربط مع الأردن والعراق، واحتمال التوسع لاحقاً، لاستيراد كهرباء أقل كلفة في ساعات الذروة مع الحفاظ على السيادة الطاقية.
وحوكمة شفافة وبناء الثقة وفصل واضح بين التوليد والنقل والتوزيع، ونشر دوري وعلني لأرقام الكلفة الحقيقية، والفاقد، وحجم الدعم، والإيرادات.
ويؤكد خياط أن الشرط الحاسم لنجاح أي إصلاح هو ربط كل زيادة سعرية بتحسن قابل للقياس في جودة الخدمة وعدد ساعات التغذية.
وأكد خياط أن العقد الاجتماعي الطاقي الجديد، برأيه، يجب أن يقوم على مبدأ واضح: «أدفع أكثر.. لكن أحصل على خدمة أفضل، وبشكل ملموس».
ويرى الدكتور هشام خياط أن سوريا تقف اليوم أمام خيارين، إما إصلاح هيكلي تدريجي يعيد بناء الثقة ويحقق استدامة مالية واجتماعية، أو الاستمرار في حلقة مفرغة من الغضب الشعبي والعجز المالي.
ويبين أن الفرص متاحة مع عودة الحقول النفطية إلى الاهتمام الإقليمي واتفاقيات الغاز– لكن نجاحها، مرهون بالشفافية، والتوازن الاجتماعي، والإدارة الحكيمة قبل أي شيء آخر.

شارك