الثورة السورية – وعد ديب:
رغم مرور نحو شهر على طرح العملة السورية الجديدة، لا يزال تداولها في الأسواق محدوداً. وبين وعود التوزيع التدريجي وشكاوى المواطنين من شحّها، تتزايد التساؤلات حول أسباب بطء وصول الليرة إلى التداول الفعلي، وانعكاسات ذلك على مستوى الثقة بالسياسات النقدية.
ويرى خبراء أن هذا الواقع يعود إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والإدارية التي تعيق وصول العملة الجديدة إلى المواطنين بشكل فعال.
وقال حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية، في تصريح سابق لصحيفة “الثورة السورية”، إن العملة الجديدة متوفرة بكميات كافية لتغطية احتياجات المحافظات السورية ومراكز الاستبدال المعتمدة، لكن عملية الاستبدال لا تزال في مراحلها الأولى، لذلك من الطبيعي حدوث بعض التحديات اللوجستية والتشغيلية، داعياً المواطنين إلى عدم الاستعجال أو الهرع لاستبدال العملة القديمة.
تداول محدود
في جولة ميدانية لصحيفة “الثورة السورية” على أسواق دمشق وريفها، ومن خلال التواصل مع عدد من المواطنين في محافظات عدة، تبين أن تداول العملة الجديدة لا يزال ضيق النطاق.
كما أكد عدد من أصحاب المحال التجارية أن العملة الجديدة لم تجد طريقها بعد إلى متاجرهم.
وقال سعيد العلبي، تاجر مواد غذائية: “منذ طرح العملة السورية الجديدة، لم نرَ منها شيئاً في الأسواق.. مع كل زيارة للسوق لا نجدها، لذلك ما زلنا نستخدم العملة القديمة في تعاملاتنا حتى اليوم”.
وأضاف عمر الشيخ، سائق من محافظة دير الزور: “منذ طرح العملة الجديدة، لم أتمكن من الحصول عليها لا من الأسواق ولا حتى من المصارف.. نسمع عن وجودها على الإنترنت، لكن الواقع في السوق مختلف تماماً”.
أما ريما إسماعيل، ربة منزل، فقالت: “الجميع يتحدث عن العملة الجديدة، لكنني لم أتمكن من التعامل بها حتى الآن. لا أراها في الأسواق ولا أعرف كيف يمكن الحصول عليها”.
وتواصلت الصحيفة مع عدد من البنوك الخاصة للاستفسار عن مدى توفر العملة الجديدة، فكان الرد بأنها متوفرة بكميات كافية، خلافاً للواقع في الأسواق.
لكن مصدراً في أحد البنوك الخاصة، رفض التصريح عن اسمه، تحدث عن تأخر المصرف المركزي في تسلم الفائض من العملة القديمة لاستبدالها، ما أدى إلى تأخير ضخ كميات كافية من العملة الجديدة إلى الأسواق.
طرح متحفظ
يرى الباحث الاقتصادي الدكتور حسن غرة، أن “ندرة العملة السورية الجديدة بعد نحو شهر من بدء الاستبدال لا تعني بالضرورة أنها غير موجودة أو لم تُطبع، بل تعكس غالباً مزيجاً من طرح متحفظ من المصرف المركزي، واختناقات لوجستية في قنوات التوزيع، وضعف رقابة يسمح بالاحتكار أو التلاعب، ضمن بيئة اقتصادية تعاني أصلاً من نقص السيولة وارتفاع الدولرة وتراجع الثقة”.
وأوضح الدكتور غرة لصحيفة “الثورة السورية”، أن الأسباب الرئيسة لندرة العملة الجديدة تتوزع على محاور عدة، أولها الطرح التدريجي الحذر، حيث أعلن المصرف المركزي عن فترة تعايش بين العملتين القديمة والجديدة قد تمتد لعام كامل، وحدد منافذ استبدال، مع التركيز على ضبط الكتلة النقدية.
وأشار إلى أن هذا الإجراء يعكس سياسة حذر شديدة، ما يجعل عملية ضخ العملة الجديدة بطيئة، ويؤدي إلى حدوث نقص ملموس في تداولها اليومي.
أما المحور الثاني فيتعلق باختناقات التوزيع، حيث أشارت تقارير ميدانية إلى أن العملة الجديدة تظهر بشكل محدود في الأسواق، وأن عدداً من التجار لا يحصلون عليها عبر المصارف أو الصرّافات بالكميات اللازمة لتسيير التعاملات اليومية، ما يرجح وجود خلل في سلسلة الاستلام-الضخ بين المصرف المركزي والمصارف ومنافذ الاستبدال، وفق غرة.
ومن الأسباب أيضاً، بحسب غرة، حبس السيولة وضعف الثقة، حيث سياسات تقييد السحوبات تُضعف دوران النقد في السوق. ومع إطلاق عملة جديدة، قد يميل الناس إلى الاحتفاظ بها بدلاً من إنفاقها بسرعة، خصوصاً في اقتصاد يعاني من تضخم ودولرة عالية.
ويضيف أن الاحتكار أو التلاعب داخل قنوات التوزيع يلعب دوراً أيضاً في شح العملة، مشيراً إلى تقارير عن تجميع كميات من النقد الجديد عند نقاط معينة مثل المصارف أو الصرّافات أو الوسطاء بدلاً من وصوله إلى الجمهور، ما يخلق ندرة مصطنعة ويفتح باب “سوق عمولات” على الاستبدال.
ونفى الدكتور غرة وجود أي أدلة رسمية حتى الآن تُثبت وجود تهريب واسع النطاق للعملة الجديدة، ومع ذلك أشار إلى احتمال محدود للتهريب في ظل بيئة رخوة وفوارق في الأسعار.
الوصول العادل
حول كيفية ضمان وصول العملة الجديدة إلى المواطنين بشكل عادل، أشار غرة إلى إجراءات عدة يمكن أن تسهم في ذلك، وتشمل زيادة الشفافية عبر نشر المصرف المركزي أرقاماً دورية عن كميات العملة الجديدة التي تم ضخها في السوق، بحيث تتوزع حسب المحافظات والفئات النقدية.
كما أكد ضرورة ربط العملة بالرواتب والمدفوعات الحكومية، من خلال صرف الرواتب والأجور والمعاشات والتحويلات الحكومية بالعملة السورية الجديدة، ما يساهم في توفير العملة للمواطنين وتفعيل دورها في الاقتصاد المحلي.
ودعا غرة إلى تعزيز الرقابة على منافذ الاستبدال والمصارف لضمان عدم احتكار العملة الجديدة، ومحاسبة أي جهة تقوم ببيعها بعمولات غير قانونية، إضافة إلى تعزيز المدفوعات الإلكترونية، بما يساعد على تخفيف الضغط على الورق النقدي ويسرّع عملية دوران العملة الجديدة في السوق.
وفيما يتعلق بعدم الإفصاح عن مكان طباعة العملة الجديدة، أوضح غرة أن السرية في هذا الجانب ممارسة عالمية نظراً للطبيعة الحساسة للأمور الأمنية المتعلقة بهذه الصناعة.
