هبوط البورصات العالمية يشعل سباق المعادن النفيسة… قراءة في حركة الذهب والفضة

الحرية – وديع فايز الشماس:

تُعد العلاقة بين أسواق الأسهم العالمية وأسعار الذهب والفضة من أكثر العلاقات الاقتصادية حساسية وتعقيداً، نظراً لارتباطها المباشر بثقة المستثمرين وتوقعاتهم تجاه مستقبل الاقتصاد العالمي، فعندما تتعرض البورصات لهزات قوية أو موجات هبوط حادة، تتجه رؤوس الأموال سريعاً نحو الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها المعادن النفيسة، وقد شهدت الأسواق العالمية مؤخراً تقلبات حادة في مؤشرات الأسهم، تزامنت مع ارتفاعات ملحوظة في أسعار الذهب والفضة، ما يعكس تحولات جوهرية في سلوك المستثمرين وتقييمهم للمخاطر.

كيف يؤثر انخفاض أسعار البورصة في الذهب والفضة؟

عندما تتراجع مؤشرات الأسهم الكبرى مثل داو جونز وS&P 500 وناسداك، ترتفع مستويات القلق في الأسواق، ويبدأ المستثمرون بتقليل تعرضهم للأصول عالية المخاطر، هذا التحول يؤدي إلى انتقال واضح للسيولة نحو الأصول الدفاعية، وعلى رأسها الذهب والفضة.
وأبرز الإشارات الاقتصادية المصاحبة لهبوط البورصات هي

  • مخاوف من ركود اقتصادي أو تباطؤ في النمو العالمي
  • تشدد أو ارتباك في السياسات النقدية للبنوك المركزية.
  • تصاعد التوترات الجيوسياسية أو الأزمات المالية.
  • ضعف ثقة المستثمرين بالأسواق المالية وارتفاع مؤشر الخوف (VIX).

وهذه العوامل مجتمعة ترفع الطلب على المعادن النفيسة، ما يؤدي غالباً إلى ارتفاع أسعارها أو على الأقل تماسكها مقارنة بالأصول الأخرى التي تتعرض لخسائر حادة.

الذهب والفضة كملاذات آمنة في أوقات الأزمات

يُعدّ الذهب تاريخياً مخزناً للقيمة ووسيلة تحوط فعّالة ضد التضخم والانهيارات المالية، أما الفضة، فهي تجمع بين صفتين: الأولى معدن ثمين يُستخدم للتحوط والثانية مكوّن صناعي يدخل في قطاعات التكنولوجيا والطاقة الشمسية والطب لذلك، عند هبوط البورصات:

  • يرتفع الطلب على الذهب بدافع الحماية من الخسائر وتتأثر الفضة بعاملين متناقضين:
  • زيادة الطلب التحوطي
  • تراجع الطلب الصناعي في حال توقع ركود اقتصادي

وهذا ما يفسر تفوق أداء الذهب على الفضة خلال الأزمات العميقة.

سلوك المستثمرين يتأثر بشكل كبير بتوقعاتهم تجاه أسعار الفائدة

الخبير الاقتصادي مروان زغيب يشير إلى أن العلاقة بين انخفاض البورصات وارتفاع أسعار المعادن ليست آلية أو تلقائية، بل تعتمد على طبيعة الأزمة وعمقها.
ويؤكد لـ”الحرية”: «في حالات الهبوط السريع الناتج عن ذعر مالي أو مخاوف نظامية، يتحول الذهب فورًا إلى ملاذ آمن، بينما تستفيد الفضة بدرجة أقل، أما إذا كان الهبوط مرتبطاً بتوقعات ركود اقتصادي طويل، فقد يتراجع الطلب الصناعي على الفضة، ما يحد من مكاسبها مقارنة بالذهب.»
كما يوضح أن سلوك المستثمرين يتأثر بشكل كبير بتوقعاتهم تجاه أسعار الفائدة والسياسات النقدية، وليس فقط بحركة الأسهم نفسها. فكلما زادت احتمالات خفض الفائدة، ارتفع جاذبية الذهب باعتباره أصلاً لا يدر عائداً لكنه يحافظ على القيمة.

هل العلاقة بين الأسهم والمعادن دائماً عكسية؟

وعلى الرغم من أن العلاقة بين البورصات والذهب والفضة غالباً ما تكون عكسية، إلا أنها ليست قاعدة ثابتة، ففي بعض الفترات:

  • قد تهبط الأسهم والذهب معاً إذا ارتفع الدولار الأمريكي بقوة.
  • وقد ترتفع جميع الأصول مؤقتاً نتيجة ضخ سيولة نقدية كبيرة في الأسواق.
  • كما قد تتأثر المعادن بعوامل أخرى مثل التضخم، أسعار الفائدة، وتوقعات النمو الصناعي.

لكن على المدى المتوسط، يبقى الذهب والفضة من أهم المؤشرات التي تعكس مستوى الخوف أو الطمأنينة في الاقتصاد العالمي.

خلاصة تحليلية

يمثل انخفاض أسعار البورصة العالمية أحد أهم العوامل الداعمة لارتفاع أسعار الذهب والفضة، وخاصة في فترات عدم اليقين الاقتصادي، فالذهب يستفيد بشكل أوضح باعتباره ملاذاً آمناً ومخزناً للقيمة، والفضة تبقى أكثر تقلباً بسبب ارتباطها الوثيق بالقطاع الصناعي.
وتبقى تحركات المعادن النفيسة مرآة دقيقة لثقة المستثمرين في النظام المالي العالمي، ومؤشراً حساساً لقياس مستوى المخاطر في الأسواق.

شارك