وهذا المسار الصعودي للأسعار كان قد بدأ في عام 2024 وتعزز في عام 2025 عندما ارتفعت أسعار الذهب بنسبة قاربة الـ 60 في المئة، فخلال أقل من عامين، تضاعفت قيمة المعدن النفيس أكثر من مرتين، مسجّلة أداءً غير مسبوق في العصر الحديث.
ووفقاً لبيانات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي، فقد ارتفعت ميزانيات التنقيب عن الذهب بنسبة 11 في المئة على صعيد عالمي في 2025، لتصل إلى 6.15 مليار دولار أميركي.
عودة الروح لذهب جنوب أفريقيا
وبحسب تقرير أعدته صحيفة “وول ستريت جورنال”، واطّلع عليه موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، فإن ارتفاع أسعار الذهب ساهم بإنعاش قطاع متعثر في جنوب أفريقيا، التي عُرفت على مدار القرن العشرين كـ “عاصمة للذهب” في العالم، مع إنتاجها لما يقرب من نصف سبائك الذهب والمجوهرات في ذلك الحين.
ولكن منذ عام 2007، تراجعت جنوب أفريقيا من موقعها الذي حافظت عليه طويلاً كأكبر منتج للذهب في العالم إلى المرتبة الثانية عشرة، وذلك بعد معاناتها من صعوبة في جذب الاستثمارات إلى هذا القطاع، بسبب اعتبار المستثمرين أنّ المناجم الموجودة هناك باتت قديمة وعميقة وخطيرة ومكلفة ومليئة بمشاكل العمالة.
ومع تراكم جميع هذه العوامل أصبحت تكلفة استخراج أونصة الذهب من المناجم الموجودة في جنوب أفريقيا بين الأعلى في العالم.
إلا أن هذا الوضع تغيّر في 2025 بالكامل، حيث عادت مناجم جنوب أفريقيا لجذب اهتمامات المستثمرين، فبحسب رودي ديسيل، الرئيس التنفيذي لشركة “ويست ويتس ماينينغ” الأسترالية، عانت الشركة منذ عام 2021 في إيجاد تمويل لمشروع منجم “كالا شالوز” الذي يقع على مشارف مدينة جوهانسبرغ، إذ لم يرغب المستثمرون حينها بالتحدث إلى الشركة بشأن هذا المشروع.
ولكن ومع بدء ارتفاع أسعار الذهب في الأعوام الأخيرة، تغيّرت المعادلة وحصل المشروع على تمويل من بنك محلي، ومؤسسة تمويل تنموي، وشركة تعدين أميركية، وتم ضخ نحو 100 مليون دولار في المنجم، ليتحول “كالا شالوز” نتيجة لذلك إلى أول منجم ذهب جديد تحت الأرض يُصار إلى تشغيله في جنوب أفريقيا منذ أكثر من 15 عاماً، مما يوضح كيف أعادت أسعار الذهب المرتفعة رسم خريطة الاستثمار في قطاع التعدين.
كلفة استخراج الأونصة
وقد استخرج مشروع “كالا شالوز” أول دفعة من الذهب في أكتوبر 2025، ومن المتوقع أن يستخرج حوالي 6000 أونصة من الذهب في عام 2026، قبل أن يرتفع الإنتاج إلى نحو 70000 أونصة سنوياً بحلول عام 2029، في حين يُعد سعر التعادل في المنجم، البالغ 1291 دولاراً للأونصة، أقل من أسعار التعادل في العديد من مناجم جنوب أفريقيا الكبرى، التي تعمل عادةً في مناطق أكثر عمقاً تحت الأرض وفي ظروف أكثر صعوبة.
علماً أن عمق منجم “كالا شالوز” يبلغ حالياً حوالي 60 متراً، مع خطط للوصول إلى أعماق أكبر في المستقبل.
عمالقة التعدين يتحركون
ورغم أن إنتاج منجم “كالا شالوز” لن يُحدث نقلة نوعية في صناعة الذهب في جنوب أفريقيا بمفرده، إلا أنه مؤشر إيجابي على أن أسعار الذهب المرتفعة قادرة على إعادة النشاط إلى هذا القطاع المتراجع.
فمثلاً، تقوم حالياً شركة “هارموني غولد”، أكبر منتج للذهب في جنوب أفريقيا، بتوسيع منجم “مبونينغ” – أعمق منجم في العالم، في خطوة من شأنها أن تُضاعف عمره الافتراضي إلى أكثر من 20 عاماً، وفي الوقت نفسه، تُفكر شركة “سيباني-ستيلووتر”، ثاني أكبر منتج للذهب في البلاد، في إعادة فتح منجم “بيرنستون”، حيث يقول إيزاك أودندال، استراتيجي الاستثمار في شركة إدارة الصناديق “أولد ميوتشوال”، إن قطاع تعدين الذهب في جنوب إفريقيا عانى من صعوبات متتالية على مر السنين، والآن يمثل الارتفاع الكبير في الأسعار فرصة استثنائية لإنعاشه.
عقبة العمالة
ولكن وفي المقابل، يُشكل التهافت على زيادة الطاقة الإنتاجية في مناجم الذهب في جنوب إفريقيا، تحديات كبيرة جداً، أبرزها صعوبة العثور على عمالة ماهرة، ما يؤدي إلى بطء وتيرة الإنتاج، ارتفاع تكاليف التشغيل، وزيادة مخاطر تأخير المشاريع، وهو ما قد يقلص المكاسب المحتملة من الأسعار القياسية للذهب.
هل يعود اللقب إلى جنوب أفريقيا؟
ويقول عبد الله المصري وهو خبير في تجارة الذهب، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن لقب “عاصمة الذهب” هو من نصيب الصين حالياً، بعد اصطدام إنتاج الذهب في جنوب أفريقيا بجدار التكاليف المرتفعة والأعماق الشديدة للمناجم، مشيراً إلى أن العمل في مناجم ذات أعماق سحيقة يُشكل تحدياً مزدوجاً يجمع بين المخاطر العالية والكلفة التشغيلية الباهظة، غير أنّ هذه المعادلة بدأت تتغيّر تدريجياً مع الطفرات السعرية القياسية للذهب التي وفّرت تدفقات نقدية ضخمة وهوامش ربح مريحة، وبالتالي فإن الأسعار المرتفعة ستتيح لشركات التعدين في جنوب أفريقيا الاستثمار في أحدث التقنيات والروبوتات المتقدمة القادرة على العمل في درجات حرارة مرتفعة ومساحات ضيقة وعميقة، ما يقلّص المخاطر التشغيلية ويُحافظ في الوقت نفسه على هوامش ربح مرتفعة نسبياً.
تحديات هيكلية
ويشرح المصري أنّ سوق الذهب العالمية لم تعد تُدار بمنطق الإنتاج وحده، فهي أصبحت ساحة تتقاطع فيها سلاسل التوريد والجغرافيا السياسية والقدرة على توفير بيئة عمل تنظيمية مستقرة وجاذبة لرؤوس الأموال، فمثلاً في الوقت الذي تستفيد فيه دول مثل الصين من أطر تنظيمية مرنة واستراتيجيات دعم واضحة لهذه الصناعة، ما زالت جنوب أفريقيا تعاني من تحديات هيكلية تتعلق بعدم استقرار السياسات وتذبذب التشريعات، وضغوط الطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى تعقيدات سوق العمل، حيث أن هذه العوامل مجتمعة تجعل عودتها إلى صدارة المشهد العالمي في صناعة الذهب أمر غير منطقي.
ويرى المصري أن جنوب أفريقيا قد تستعيد دوراً مهماً في سوق الذهب، وقد تتحول إلى قصة تعافٍ ملفتة في ظل الأسعار القياسية، إلا أنها لن تكون من الأوائل، علماً أن لقب “عاصمة الذهب”، أصبح اليوم لقباً رمزياً أكثر منه واقعية.
370 طناً تحسم اللقب
من جهته يقول الصحفي الاقتصادي جوزف فرح في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن جنوب أفريقيا لم تعد لاعباً أول في الإنتاج العالمي للذهب، فالدولة الأولى حالياً هي الصين، وبفارق كبير جداً لا يمكن تعويضه، فمثلاً تظهر بيانات مجلس الذهب العالمي وهيئة المساحة الجيولوجية الأميركية (USGS) لعام 2024، أن الصين أنتجت 370 طن من الذهب، مقابل 100 طن لجنوب أفريقيا، وهذا الفارق بحد ذاته يضع سقفاً لفكرة استعادة جنوب أفريقيا للقب، مشدداً على أن اللقب بات اليوم بيد من يملك النفوذ في سلسلة القيمة، من التكرير وصولاً إلى التخزين.
وبحسب فرح فإنه يمكن لجنوب أفريقيا أن تستعيد جزءاً من هويتها التاريخية المرتبطة بالذهب، وأن تعود لاعباً محورياً في خريطة الاستثمارات العالمية في هذا المعدن، ولا سيما إذا نجحت في توظيف الأسعار القياسية الحالية لإعادة هيكلة قطاع التعدين وتحديثه تقنياً ومؤسسياً، غير أن هذا المسار يظل محفوفاً بتحديات بنيوية عميقة في مقدمتها النقص المزمن في العمالة الماهرة وتعقيدات الإطار التنظيمي، إضافة إلى إرث طويل من التوترات العمالية التي تؤثر في استمرارية الإنتاج وكلفته، مشدداً على أن الاستثمار في التعدين أصبح يخضع لمعايير صارمة، ولذلك فإن أي دولة لا توفر قوانين واضحة وبنية تحتية موثوقة ستظل عاجزة عن جذب الاستثمارات، مهما كانت مواردها الطبيعية كبيرة أو تاريخها الإنتاجي طويلاً.
