مع اقتراب رمضان.. هل تنجح الخطط الحكومية في كبح ارتفاع الأسعار؟

الثورة السورية – وفاء فرج:

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تتجه أنظار السوريين نحو الأسواق بقلق وترقب، متوجسين من ارتفاع الأسعار الذي أصبح تقليداً سنوياً في هذه الفترة.

وتطفو إلى السطح أسئلة ملحة: هل سيستغل بعض التجار إقبال الناس خلال الشهر لزيادة أرباحهم؟ وهل ستتمكن الجهات الرقابية والغرف التجارية من ضبط السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين؟

وخلال جولة ميدانية في الأسواق، لاحظت صحيفة “الثورة السورية” تفاوتاً نسبياً في ارتفاع الأسعار، مرتبطاً بتقلبات سعر صرف الدولار، لكن المخاوف تتزايد من تصاعدها خلال الأسابيع المقبلة.

بالنسبة للحوم خروف أو عجل، يتراوح سعر الكيلوغرام بين 1,400 – 2,000 ليرة جديدة (140,000 – 200,000 ليرة قديمة)، والفروج بين 250 – 300 ليرة جديدة (25,000 – 30,000 قديمة)، ويصل سعر كيلوغرام صدر الدجاج إلى 400 ليرة جديدة (40,000 قديمة) والفخذ ما بين 250 – 300 ليرة جديدة (25,000 – 30,000 قديمة).

أما الفواكه، فقد شكلت الحمضيات هذا العام مفاجأة بارتفاع أسعارها غير المسبوق رغم أنها منتج محلي، ووصل سعر الكيلوغرام ما بين 150 – 200 ليرة جديدة (15,000 – 20,000 قديمة) حسب الجودة، بينما التفاح سجل ما بين 200 – 250 ليرة جديدة (20,000 – 25,000 قديمة) حسب النوعية.

في حين تراوحت أسعار البطاطا والبندورة بين 60 – 100 ليرة جديدة (6,000 – 10,000 قديمة)، وأسعار الزيوت بين 220 – 230 ليرة جديدة لليتر الواحد (22,000 – 23,000 قديمة)، والسكر بين 75 – 85 ليرة جديدة (7,500 – 8,500 قديمة)، والأرز بين 100 – 150 ليرة جديدة (10,000 – 15,000 قديمة) حسب النوعية، وبلغ سعر كيلوغرام السمنة بين 300 – 400 ليرة جديدة (30,000 – 40,000 قديمة)، حسب النوعية أيضاً.

أصوات من الأسواق

تقول سامية الحمد، موظفة: “في الأساس، وقبل قدوم شهر رمضان المبارك، الأسعار مرتفعة وتفوق قدرة رواتب الموظفين، الذين لا يكفيهم الراتب حتى لمدة أسبوع. فكيف سيتدبرون أمورهم خلال الشهر الفضيل الذي يستغله بعض ضعاف النفوس لرفع الأسعار أكثر من المعتاد؟ نحن كموظفين نطالب برفع الرواتب حتى نتمكن من شراء حاجياتنا، وأيضاً بضبط الأسعار في الأسواق”.

أما فاطمة الزين، أم لأربعة أطفال، فتقول: “لا أعرف كيف سأتدبر أموري هذا العام، الأسعار مرتفعة بشكل لا يصدق، واللحوم أصبحت حلماً، وحتى الخضار الأساسية باهظة الثمن. ورمضان قادم، ومعه مخاوفي من أنني لن أتمكن من توفير وجبة إفطار كافية لأولادي”.

بينما يشير خالد الخباز، موظف حكومي: “راتبي لا يكفي حتى منتصف الشهر، فكيف سأتمكن من شراء مستلزمات رمضان؟ التجار يرفعون الأسعار وكأنهم لا يعيشون معنا في نفس البلد، لا يوجد رحمة”.

ويقول محمود العلي، متقاعد: “قضيت عمري في خدمة الوظيفة، والآن لا أستطيع حتى شراء كيلوغرام لحمة للإفطار. التجار يستغلون ضعفنا وحاجتنا، متسائلاً: أين الرقابة؟”.

أما رامي أحمد، صاحب أعمال حرة، فيضيف: “يجب على الجهات المعنية تكثيف حملات الرقابة على الأسواق ومحاسبة التجار الذين يستغلون حاجة الناس. كما يجب علينا كمواطنين أن نكون أكثر وعياً، وأن نرشد استهلاكنا ونتجنب الإسراف في شراء المواد الغذائية”.

خطط حكومية

يقول مدير مديرية حماية المستهلك في الإدارة العامة للتجارة الداخلية حسن الشوا، لصحيفة “الثورة السورية”: إن المديرية مستمرة في تكثيف جهودها لمراقبة الأسعار في جميع المحافظات، خاصة خلال شهر رمضان، وأشار إلى أن هذه الجهود تتضمن سبر الأسعار بشكل مكثف لضمان عدم التلاعب بها.

وأضاف الشوا أن المديرية ستطلق أسواقاً رمضانية بالتعاون مع غرف التجارة والصناعة، على غرار “أسواق الخير”، وذلك بهدف توفير السلع بأسعار مخفضة للمواطنين خلال الشهر الكريم.

وأوضح أن هناك خطة خاصة لتنظيم هذه الأسواق الرمضانية، تتضمن إقامة عدة معارض وبازارات لتقديم المنتجات بأسعار مناسبة.

وأكد الشوا أن المديرية تولي اهتماماً خاصاً بتوفير السلع الأساسية بأسعار معقولة للمواطنين خلال شهر رمضان، وأنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم استغلال التجار للظروف.

دعوة لتخفيض الأرباح

اعتبر رئيس غرفة تجارة ريف دمشق الدكتور عبد الرحيم زيادة أن الدعوة إلى تخفيض أسعار المواد الغذائية الأساسية والرمضانية هي دعوة مشروعة ومبررة تماماً، خاصة مع اقتراب شهر رمضان المبارك، حيث يعاني غالبية السوريين من ضغط اقتصادي وارتفاع في الأسعار.

وأوضح زيادة لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذه الدعوة تأتي في ظل القدرة الشرائية المنخفضة بعد سنوات الحرب والعقوبات والتضخم، فالرواتب لا تغطي إلا جزءاً يسيراً من احتياجات العائلة، ومع ازدياد الطلب على مواد مثل التمر والسكر والزيوت والأرز واللحوم والدجاج والخضار والبهارات والحلويات في رمضان، غالباً ما يستغل التجار المناسبة لرفع الأسعار أكثر، وحتى مع وجود بعض العروض في محلات معينة، إلا أنها محدودة ولا تشمل الجميع، والغالبية تشتري من السوق العادي بأسعار مرتفعة.

ووجّه زيادة الدعوة إلى التجار وأصحاب المحلات ومستوردي المواد الغذائية لخفض الهامش الربحي في رمضان ولو مؤقتاً، كما دعا الحكومة والجهات الرسمية، بما فيها وزارة الاقتصاد والغرف التجارية والصناعية، إلى إطلاق معارض رمضانية مباشرة من المنتج للمستهلك بأسعار مدعومة أو مخفضة بشكل حقيقي، وتفعيل رقابة صارمة على الأسعار والاحتكار، ودعم استيراد المواد الأساسية بتسهيلات أو تخفيض جمارك مؤقت في رمضان، وتشجيع المبادرات الخاصة مثل مهرجانات التسوق الموسمية.

كما ناشد الفعاليات الخيرية والمجتمعية لتنظيم حملات “رمضان الخير” جماعية لتوزيع سلل غذائية، وتشجيع المطاعم والمقاهي على تقديم وجبات إفطار بأسعار رمزية أو مجانية للمحتاجين.

تنظيم الأسواق

نفى النائب السابق لرئيس غرفة تجارة دمشق، محمد الحلاق، وجود جدوى من مصطلحي “ضبط الأسواق” و”ضبط الأسعار”، مشدداً على أهمية “تنظيم آلية عمل الأسواق” كبديل فعال.

وأوضح الحلاق لصحيفة “الثورة السورية”، أن ذلك يتحقق عبر الإعلان الواضح عن الأسعار، وتعزيز التنافسية من قبل الحكومة، وتشجيع قطاع الأعمال على زيادة الإنتاج وتوفير السلع في الأسواق.

وأشار إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في الفجوة الكبيرة بين النفقات والدخل، ما يؤدي إلى ثلاثية: العجز والتضخم والفقر، وللخروج من هذه الدائرة، دعا إلى “ثلاثية النجاح”: كفاءات ذات قيم، وإدارة حقيقية، وإرادة قوية.

وفيما يتعلق بتنظيم الأسواق، أكد الحلاق أهمية الإعلان عن السعر، ووضع بطاقة بيان صحيحة للمنتجات، والتحقق من تاريخ الصلاحية، ومنع التزوير والتلاعب.

وأشار إلى توقعات بوجود مبادرات ووفرات كبيرة خلال شهر رمضان المبارك، ما سينعكس إيجابياً على دعم المواطن والاقتصاد السوري.

وشدد على أن دعم المواطن يؤدي إلى زيادة الطلب، وبالتالي زيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل، ما يخفف من البطالة، مشيراً إلى أن هذه العملية تشكل حلقة متكاملة تساهم في تحسين الوضع الاقتصادي.

استغلال المناسبات

أكد أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، لصحيفة “الثورة السورية”، أن سياسة السوق الحر لم تحقق الأهداف المرجوة منها في خفض الأسعار وتوفير السلع، مشيراً إلى استمرار ارتفاع الأسعار في الأسواق واستغلال بعض التجار للمواسم والأعياد.

وأوضح حبزة أن الجمعية تتابع من كثب حركة الأسعار في الأسواق، وتسعى إلى حماية حقوق المستهلكين، لافتاً إلى أن ارتفاع الأسعار يزداد خلال المواسم الدينية والوطنية، وحتى بعد الزيادات في الرواتب، ما يضاعف الأعباء على المواطنين.

وأشار إلى أن “السوق الحر يسمح للتاجر بتسعير السلع وفقاً للتكلفة التي يحددها، مع إضافة هامش ربح معلن، إلا أن هذه السياسة لم تلقَ تجاوباً من المستهلكين والتجار على حد سواء”.

وانتقد حبزة ما وصفه بـ”الربح الفاحش” الذي يمارسه بعض التجار، داعياً إلى تفعيل دور الرقابة التموينية لمراقبة الأسعار ومكافحة الغش والاحتكار، ومع ذلك أقر بأن هذه الإجراءات لا تحقق نتائج فورية.

وطالب بوضع سقف لهامش الربح المسموح به، وإعادة العمل بـ”بيان التكلفة” الذي يقدمه التاجر لتحديد سعر السلعة، معرباً عن أسفه لعدم الالتزام به في السابق، ومشيراً إلى أن “هذه التجربة لم تنجح بسبب تلاعب التجار في بيانات التكلفة”.

ودعا المستهلكين إلى التوجه نحو الأسواق الشعبية وشراء المنتجات الأساسية من مصادرها المباشرة، وتجنب المناطق التي تشهد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، كما نصحهم بشراء الكميات التي يحتاجونها فقط، وتجنب التخزين الزائد خلال المواسم، ما يشجع التجار على رفع الأسعار.

السوق الحر

رأى حبزة أن “السوق الحر يهدف إلى خلق منافسة بين التجار وخفض الأسعار وتوفير السلع، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق، بل على العكس، ارتفعت الأسعار بشكل كبير، ولا يوجد ضابط حقيقي للأسعار”.

وأشار إلى أن الحكومة تحاول التدخل من خلال استيراد بعض المواد أو منع تصديرها، إلا أن هذه الإجراءات لم تنجح حتى الآن في كبح جماح ارتفاع الأسعار، الذي يتأثر بعدة عوامل، مثل سعر الصرف وتكاليف النقل والطاقة ودخل المواطن.

وأكد أمين سر جمعية حماية المستهلك أن “السوق الحر ليس سوقاً مفتوحاً بالكامل، بل هو نظام يسمح للتاجر بالإعلان عن السعر الذي يراه مناسباً، مع خضوعه للمساءلة في حال المخالفة”.

شارك