بجانب مدفأة بيته، يجلس أبو قاسم ويعيد للمرة الثالثة عدَّ حزمة من الأموال بين يديه، يترك جزءاً منها في يده اليسرى، بينما يلفّ الجزء الثاني في يمناه، يتنهّد ثم يناول الأموال من إحدى يديه لابنه قاسم، ويطلب منه أن يخبر مدير مدرسته أنه سيسدّد بقية القسط في أول الشهر المقبل: “بس نقبض يا بابا”.
تشهد محافظة دمشق وريفها انتشاراً متزايداً للمدارس والمؤسسات التعليمية الخاصة في السنوات الأخيرة، إذ بات كثير من سكان دمشق وريفها يحملون على عاتقهم مسؤولية تأمين تكاليف وأقساط مدارس أبنائهم الخاصة، رغم وجود مدارس حكومية مجانية تزيح عنهم عبء التكلفة المادية التي قد تصل في بعض المدارس الخاصة إلى أضعاف دخل المواطن السوري.
أبو قاسم واحد من مئات المواطنين الذين يتحملون أعباء مالية تفوق قدراتهم نتيجة ارتفاع أقساط المدارس الخاصة، إذ فقدت بعض المدارس الحكومية ثقة الأهالي في السنوات الماضية، ما جعل مئات المدارس الخاصة تنتشر بالتزامن مع الحاجة الماسة إليها، على حد وصفه.
كما أفاد بالقول: “في الصف الأول كان يدرس قاسم في مدرسة حكومية قريبة من منزلنا، لكن كثرة المشاكل التي واجهتنا هناك كانت سبباً لنقله إلى مدرسة خاصة أخرى، من بينها غياب المعلمين المتكرر، وتسيّب الطلاب من الصفوف الدراسية، وافتعال الشجارات خلال الدوام، حاولت تقديم شكوى أكثر من مرة للإدارة، إلا أنني كنت أحصل على مزيد من الوعود بحل المشكلة، مع العلم أنني لا أؤيد توجيه الطلاب نحو التعليم الخاص، لكن أوضاع التعليم العام ما تزال مأساوية، سواء خدمياً أو تعليمياً”.
التعليم الخاص من وجهة وزارة التربية
أما مدير مكتب التعليم الخاص في وزارة التربية، معن السيد، فيرى أن وجود المدارس الخاصة حالة طبيعية ومن متطلبات نجاح العملية التعليمية، مؤكداً أن المؤسسات التعليمية الخاصة لا تحتكر التعليم، إنما تدعمه.
وأفاد السيد في حديث مع صحيفة “الثورة السورية” بأن “المدارس الخاصة في سوريا تُعد رافداً أساسياً للتعليم العام، كما تقدم خدمات ومميزات إضافية إلى جانب المناهج الإثرائية”.
أما عن تكاثر أعداد المدارس الخاصة، فيقول: “الكل يعلم الدمار الهائل الذي خلّفه النظام المجرم في المدارس العامة، ما يعني أن العدد الكبير للمدارس الخاصة جاء نتيجة الضرورة والاحتياج”.
من جهته، يرى أبو قاسم أن النظام المخلوع تعمّد في سنواته الأخيرة إهمال المدارس العامة وتهميش التعليم وبخس المعلم حقه، ما نتج عنه انخفاض كبير في مستوى التعليم وغياب أساليب التدريس الحديثة، فضلاً عن إهمال أبنية المدارس وترك جدران كثير منها متصدعة وغير آمنة.
في المقابل، يرى معن السيد أن عمل وزارة التربية بات يتمحور حول تحسين مستوى المدارس العامة بعد سقوط النظام، وجعلها قادرة على منافسة المدارس الخاصة.
ويعتبر آخرون أن مشاهد التعنيف التي تنتشر مؤخراً تزيد الشرخ وتفاقمه بين ثقة الأهالي والمدارس الحكومية، إذ أعربت فاطمة، وهي أم لأحد الطلاب، لصحيفة “الثورة السورية” عن استيائها من المقاطع التي تنتشر كل فترة لمدرّسين يعنّفون الطلاب، سواء لفظياً أو جسدياً.
وأضافت: “من الطبيعي أن يفقد الآباء ثقتهم بالمدارس الحكومية عندما يشاهدون مقاطع تُظهر العنف وسوء معاملة الأطفال من قبل بعض المعلمين والمعلمات، في حين تستمر المدارس الخاصة بنشر مقاطع فيديو للطلاب أثناء قيامهم بنشاطات تعليمية وترفيهية، يظهر فيها استمتاعهم في المدرسة”.
وفي هذا السياق يقول معن السيد: “تقوم مديريات التربية والتعليم، وبإشراف مباشر من وزارة التربية، بجولات ميدانية إشرافية لمتابعة حسن سير العملية التعليمية، كما تعطي الوزارة الشكاوى المقدمة من أولياء أمور الطلاب اهتماماً كبيراً لتحديد الخلل، إن وجد، ومعالجته فوراً”.
ومع غياب مكتب الإرشاد النفسي عن بعض المدارس السورية، يعتقد أبو نزار، أحد الأهالي، أن ذلك مؤشر على زيادة حالات التعنيف الناتج عن سوء الفهم بين المعلم والطالب، كما يعتبره سبباً للعشوائية في المدارس نتيجة افتقاد الطالب لطرف يسمعه داخل المدرسة ويوجهه، إلا أن معن السيد أكد لصحيفة “الثورة السورية” أن دوائر البحوث والإرشاد في مديريات التربية والتعليم تعمل على متابعة عمل المرشدين الاجتماعيين والنفسيين، وبإشراف مباشر من الوزارة، إلى جانب إقامة دورات وورشات عمل لمتابعة آلية التعامل مع الأطفال وسلوكياتهم المختلفة.
وأضاف: “نود التأكيد بأن معظم المدارس لديها اختصاصيون في الإرشاد النفسي والاجتماعي، وتقوم الوزارة بدراسة أعداد الخريجين لدمجهم في المدارس حسب الاحتياج”.
أما ريم، معلمة الرياضيات في إحدى المدارس الحكومية سابقاً، فتقول: “كثير من الأهالي يُقبلون على تسجيل أطفالهم في المدارس الخاصة ظناً منهم أن التعليم فيها أفضل، بحكم حصول أطفالهم على علامات مرتفعة باستمرار، لكن الحقيقة أن بعض تلك المدارس تتبع سياسة (الكل شاطر عنا)، أي أن العلامات المرتفعة يحصل عليها الأطفال من كل المستويات، حتى ذوي المستويات المتوسطة، وبهذه الطريقة تكسب الإدارة ثقة الأهل، فضلاً عن وسائل الترفيه ووسائل التعليم الحديثة التي لا تتوافر إلا في المدارس الخاصة، وهي أحد أساليب جذب الطالب”.
ما يزال ملف التعليم في سوريا محط جدل بين مستاء من واقعه ومراهن على التغيير نحو الأفضل، كذلك ما تزال أقساط المدارس الخاصة ترهق الأهالي، وسط وعود مستمرة بتحسين جودة التعليم العام، والعمل على مراقبة سير العملية التعليمية بشكل أكبر.
