يعد الناتج المحلي الإجمالي من أبرز المقاييس الاقتصادية العالمية التي تعكس حجم النشاط الإنتاجي والقوة المالية لأي دولة، فهو مرآة صادقة لأداء الاقتصاد ويتيح تقدير مدى تأثير السياسات الاقتصادية على حياة المواطنين.
في سوريا، أثارت الأرقام الرسمية خلال السنوات الأخيرة جدلاً واسعاً حول مدى دقتها وقدرتها على تقديم صورة واقعية عن الاقتصاد، خاصة في ظل الانكماش الكبير منذ عام 2010 وتراجع نصيب الفرد من الدخل القومي إلى مستويات منخفضة.
مع ذلك، تشير التوقعات الرسمية إلى بوادر انتعاش، حيث يتوقع أن يصل النمو الاقتصادي هذا العام إلى نحو 10 بالمئة، مدفوعة بعوامل عدة.
ما الناتج المحلي؟
يُعرف الناتج المحلي الإجمالي بأنه القيمة النقدية الإجمالية لجميع السلع والخدمات النهائية المنتجة داخل حدود الدولة خلال فترة زمنية محددة، عادة سنة أو ربع سنة. ويُعد المقياس الرئيسي للصحة الاقتصادية والنشاط الإنتاجي، إذ يشمل القيمة المضافة من السكان والمؤسسات، ونفقات الاستهلاك، والاستثمار، والإنفاق الحكومي، وصافي الصادرات، ليعكس حجم الاقتصاد ومدى نشاطه الفعلي.
أما بالنسبة لما يقيسه الناتج المحلي الإجمالي، فهو يركز على السلع والخدمات النهائية لتجنب الحساب المزدوج، ويُحسب داخل الحدود الجغرافية للدولة بغض النظر عن جنسية المنتج. كما يُسجل الإنتاج بأسعار السوق الحالية، مع تعديل هذه الأسعار لأخذ التضخم بعين الاعتبار بهدف قياس النمو الحقيقي الفعلي.
وبحسب الإحصاءات المتوفرة لدى البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي في سوريا بين 2010 و2022 بأكثر من 53 بالمئة، إذ بلغ نحو 67.54 مليار دولار في عام 2011، وانخفض إلى 23.6 مليار دولار في عام 2022، مع تراجع نصيب الفرد من الدخل القومي إلى 830 دولاراً أميركياً في عام 2024، ما يضعه في تصنيف البلدان منخفضة الدخل.
وبعد سنوات من الانكماش، من المتوقع أن يتضاعف النمو الاقتصادي ليناهز 10 بالمئة هذا العام، مع مُساهمة رفع العقوبات الأميركية في دعم التعافي.
وقال وزير المالية، محمد يسر برنية، في مقابلة مع “بلومبرغ”: “هناك زخم الآن، وندخل عام 2026 بتفاؤل كبير”، مشيراً إلى ترسخ الاستقرار في أنحاء سوريا، والخطوة المحورية التي اتخذتها واشنطن عبر رفع العقوبات، والعودة التدريجية للعمالة السورية الماهرة التي كانت ضمن الملايين الذين هُجّروا من البلاد.
وأضاف: “معظم العمالة العائدة من المستثمرين، ورواد الأعمال، والمثقفين.. وكل ذلك يخلق فرصاً جيدة ويجعلنا متفائلين جداً حيال أدائنا الاقتصادي”، وقدر نمو الاقتصاد بنحو 5 بالمئة خلال عام 2025، مع الإشارة إلى أن قاعدة المقارنة بالعام الأسبق منخفضة.
مرآة الاقتصاد
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، لصحيفة “الثورة السورية“: إن مقياس الناتج المحلي الإجمالي من أهم المقاييس العالمية لقياس الواقع الاقتصادي الدولي، حيث يُعتبر مرآة لحجم الاقتصاد بغض النظر عن كونه اقتصاداً ضعيفاً أو قوياً، لأنه يظهر حجم الاقتصاد على حقيقته، ويمكن من خلاله معرفة قوة الاقتصاد وتطوره ونموه.
وأضاف شعبو أن ارتفاع حجم الناتج المحلي الإجمالي يعني أن الدولة تنتج المزيد من السلع والخدمات، أي أن هناك صادرات وعملات أجنبية، مع تحسن في الميزان التجاري، بمعنى أن الدولة لا تستورد كثيراً، إلا أن هذا مشروط بأن يكون النمو حقيقياً وليس اسميّاً.
طرق القياس
أوضح شعبو أن بعض طرق القياس تأخذ التقييم على أساس القيمة السوقية، وهذا بحد ذاته “كارثة”، مضيفاً: “ببساطة، لنفترض أننا أنتجنا مليون طن من القمح في العام 2010، وكان سعر الطن مليون دولار، فالناتج المحلي الإجمالي يكون مليون دولار. لكن إذا أنتجنا 1.5 مليون طن من القمح في العام 2025، وكان سعر الطن 10 ملايين دولار، فإن الناتج المحلي الإجمالي يتضاعف رقماً، لكنه في الحقيقة لم يتضاعف، بل فقط القيمة تضاعفت”.
وتابع: “نحن لا نركز على السعر دائماً، نأخذه بسنة أساس، وهنا يكون التلاعب. فعند تسجيل الناتج كل سنة بالأسعار الجارية، هذا ما يعطينا شعوراً بالتحسن والنمو، وهذه إحدى طرق التلاعب”.
المعيار
رأى شعبو أن المعيار هو باتجاه النمو، أي هل نما الناتج المحلي الإجمالي بشكل إنتاجي في المجالات التي من شأنها زيادة التصدير وتحسين الميزان التجاري، أم نما بالاتجاه الاستهلاكي؟ وما يحصل اليوم هو أن معدلات النمو تركز على حجم النمو أكثر من التركيز على اتجاهه.
ولفت شعبو إلى أن أغلب الدول تستخدم حجم النمو، لكن إذا اتجه النمو لمصلحة أصحاب المعامل والشركات والثروة في بلد قائم أساساً على الدخل، فنرى الاقتصاد ينمو، لكن دون تحسن يذكر بالنسبة للمواطنين.
نور…, [2/13/2026 12:35 PM]
لذلك فإن اتجاه النمو يلعب دوراً مهماً في الناتج المحلي الإجمالي، بمعنى أن نموه بمعدلات كبيرة في القطاعات الرأسمالية التي يستفيد منها المستثمرون الكبار لا يعني تحسناً حقيقياً في الواقع الاقتصادي والمعيشي للمواطن.
ويضيف شعبو أن الاتجاه نحو النمو والقطاعات الحيوية الأساسية للاقتصاد ككل، وليس مجرد حجمه أو قيمته أو معدل نموه، هو المعيار حتى يُعتبر النمو حقيقياً. لذلك هناك دائماً خلط بين النمو الاسمي والنمو الحقيقي.
ونبه شعبو إلى ضرورة استبعاد التضخم دائماً من الناتج المحلي الإجمالي حتى يكون هناك نمو حقيقي، لأنه يمكن تقديم بيانات متضخمة بسبب ارتفاع الأسعار، لكن دون زيادة فعلية في حجم الإنتاج. فحين إنتاج الكمية ذاتها مع تغير القيمة، فهذا لا يعني زيادة حقيقية في الناتج المحلي الإجمالي.
وفي هذا الإطار، طرح شعبو مثالاً حول تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي التي أعلن فيها أن حجم الاحتياطي من الذهب البالغ 26 طناً كافٍ أو يعادل قيمة الكتلة النقدية المطبوعة في السوق.
واعتبر شعبو أن هذا التقييم غير دقيق، لأن “الكمية نفسها لم تتغير، لكن ما تغير هو حسابها بالأسعار الجارية، فتتعاظم قيمتها الظاهرية”.
وتابع: “معظم الدول تستخدم هذه الطريقة أحياناً لتقدير الناتج المحلي الإجمالي، لكن هذا يعطي صورة وهمية للنمو دون استبعاد تأثير التضخم”.
