مع مضيّ سوريا في إعادة هيكلة سياساتها الاقتصادية بعد التحرير، يبرز أداء القطّاعات الإنتاجية ونشاط الأسواق كأحد أبرز مؤشّرات اختبار النتائج. فهل نجحت القرارات الحكومية في إحداث فرق ملموس في بيئة الأعمال؟
تتباين التقييمات حول هذه المرحلة، التي شهدت إلغاء قيود مزمنة، وتعديل قوانين الاستثمار والضرائب، وفتح باب الاستيراد والتعامل بالقطع الأجنبي، بين من يرى بداية مرحلة تعافٍ حقيقي، ومن يشير إلى تحدّيات ما تزال تعوق انطلاقة أوسع. فكيف تبدو المحصّلة بعد أكثر من عام على هذه التحوّلات؟
تحرير الاقتصاد
رأى رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، الدكتور مازن ديروان، أنّ القرار الشامل والأهم الذي شهدته سوريا هو تحرير الاقتصاد من القيود الكبيرة التي فرضها النظام المخلوع وعلى رأسها إلغاء “المنصّة المشؤومة”، في إشارة إلى منصّة تمويل المستوردات، والسماح بتداول القطع الأجنبي، والسيطرة على التضخّم عبر سياسات نقدية صارمة تحدّ من زيادة الكتلة النقدية بما يتوافق مع الناتج القومي الحقيقي.
وأوضح ديروان لصحيفة “الثورة السورية“، أنّ تحرير الاقتصاد قضى أيضاً على “احتكارات أزلام النظام واحتكارات القطّاع العام”، وأصبح بإمكان الجميع استيراد وتصدير أيّ سلعة والتعامل بها دون قيود.
وأضاف أنّ هذه الإجراءات أفضت إلى انخفاض كبير بأسعار السلع غير المدعومة، وصل إلى 80 بالمئة في بعض الحالات.
ولفت إلى أنّ السماح باستيراد معظم السلع وتخفيض الرسوم الجمركية على كثير منها أدّى إلى ازدهار الأسواق وتقليل التهريب، لا سيّما من لبنان.
كما أشار ديروان إلى تعديل قانون الاستثمار، الذي منح أيّ شخص الحقّ بالاستثمار دون الحاجة إلى شريك محلّي، مع إمكانية تحويل ما يصل إلى 90 بالمئة من الأرباح إلى الخارج، ممّا يشجّع المستثمرين على الانخراط في السوق السورية.
ولفت إلى أنّ قانون الضرائب المرتقب خفّض نسب الضرائب، واعترف بالمصاريف، وألغى العديد من الرسوم المتراكمة عبر السنوات، إضافة إلى إلغاء الضرائب التصاعدية، ومن المتوقّع أن يقلّص التهرّب الضريبي ويحدّ من فرص الفساد، ويزيد من التحصيل الضريبي الإجمالي.
وأكّد أنّ الحكومة تعمل حالياً على تعديل قانون حماية المستهلك (القانون رقم 8 لعام 2021) ليكون أكثر عدلاً، وتحديث قانون حماية الملكية، وإعادة تشكيل مجلس المصدّرين السوريين ليصبح أكثر فاعلية في تشجيع التصدير.
واعتبر ديروان أنّ هذه الإجراءات تمثّل “غيضاً من فيض الإنجازات الاقتصادية التي تحقّقت حتى الآن”.
قاعدة لإعادة بناء الاقتصاد
قال عضو غرفة تجارة دمشق، محمد لؤي الأشقر، لصحيفة “الثورة السورية”، إنّ سوريا شهدت بعد التحرير حزمة من القرارات والإجراءات الهادفة إلى دعم القطّاع الخاص، وتحفيز الاستثمار، وإعادة دوران عجلة الإنتاج، في إطار الجهود الوطنية لإعادة تنشيط الاقتصاد وتعزيز بيئة الأعمال.
وأضاف الأشقر أنّ أبرز هذه الإجراءات كانت تبسيط إجراءات تأسيس وترخيص الشركات، ما أسهم في تسجيل مئات الشركات الجديدة خلال الفترة الماضية، وهو مؤشّر على تحسّن مستوى الثقة بالسوق المحلية وعودة النشاط الاستثماري تدريجياً.
وأشار إلى إطلاق آليات تمويل وطنية لدعم مشاريع إعادة الإعمار والمشاريع الصغيرة والمتوسّطة، ما يعزّز فرص التشغيل ويوسّع القاعدة الإنتاجية في مختلف المحافظات. كما شملت الإصلاحات تعديلات على النظام الضريبي لتبسيط الإجراءات وتخفيف الأعباء الإدارية عن أصحاب الأعمال، بما يسهم في تحسين مناخ الاستثمار وتحقيق شفافية واستقرار تنظيمي أكبر.
ولفت الأشقر إلى اتخاذ خطوات لتعزيز استقرار العملة وتنظيم العمليات المالية، بما يساعد الشركات على التخطيط المالي بوضوح ويحدّ من تقلّبات السوق.
كما عملت الحكومة على تأهيل البنية التحتية الحيوية، وفتح طرق تجارية، وتحسين الخدمات اللوجستية، ما قلّل تكاليف النقل ويزيد من تنافسية المنتج المحلي.
ورأى الأشقر أنّ هذه الإجراءات تشكّل قاعدة مهمّة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، وتؤكّد التزام الحكومة بتهيئة بيئة أعمال مستقرة وجاذبة للاستثمار، بما ينعكس إيجابياً على النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتعزيز التنمية المستدامة.
انفتاح على الأسواق العالمية
أكّد رئيس الجمعية الكيميائية السورية ورجل الأعمال، محمد الشاعر، أنّ مجموعة القرارات الاقتصادية المتّخذة بعد التحرير أحدثت تحوّلاً إيجابياً ملموساً في المشهد التجاري السوري.
وقال الشاعر لصحيفة “الثورة السورية”، إنّ أبرز هذه القرارات تشمل إلغاء منصّة التمويل، وإزالة القيود المفروضة على التعامل بالعملات الأجنبية، وخاصة الدولار الأميركي، ورفع القيود التي كانت تعوق عمليات الاستيراد.
وأشار الشاعر إلى أن هذه الإجراءات أسفرت عن نتائج مباشرة وواعدة، إذ شهدت الحركة التجارية نمواً ملحوظاً في الاستيراد، ما يعكس انفتاحاً أكبر على الأسواق العالمية وتسهيل دخول البضائع الضرورية، كما أسهمت في فتح الأسواق المحلية، ما أتاح للمستهلكين خيارات أوسع، بينما شهدت أسعار العديد من السلع انخفاضاً ملموساً، وهو ما يمثل رافعة أساسية لتحسين القدرة الشرائية للمواطنين وتخفيف الأعباء الاقتصادية.
وأوضح الشاعر أن هذه التطورات تؤكد أهمية السياسات الاقتصادية المرنة والداعمة للتجارة في تعزيز النمو واستقرار الأسعار، وتشير إلى بداية مرحلة جديدة من الانتعاش الاقتصادي في سوريا، مدفوعة بقرارات جريئة تهدف إلى تيسير الأعمال وتنشيط الحركة التجارية.
رفع العقوبات
تسلط القرارات الاقتصادية الضوء على تحولات مهمة في قطاع الأعمال، ورأى أمين عام الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، الدكتور محمد عمار دلول، أن سوريا على موعد مع “مرحلة جديدة واعدة” نحو تعزيز التعافي الاقتصادي وتحفيز عجلة التنمية في البلاد.
وتحدث دلول لصحيفة الثورة السورية، عن مؤشرات إلى إمكانيات كبيرة لإعادة بناء الثقة في القطاع الاقتصادي،
وأشار إلى أن منصة التمويل ألحقت خسائر بالمستوردين وأسهمت في نمو الاقتصاد الموازي، لوجود أكثر من سعر للعملة، بينما يهدف إلغاؤها إلى معالجة هذه التشوهات، وهو ما أسفر عن توحيد نسبي لسعر الصرف، ما يعني وضوحاً أكبر في التكاليف وتقليلاً للمضاربات، مع توقع عودة جزء من التحويلات عبر القنوات النظامية.
وأكد أن هذا التحسن ينعكس إيجابياً على القدرة على التخطيط المالي لقطاع الأعمال، خاصة المستوردين والمصدرين، شريطة استقرار السياسة النقدية.
واعتبر دلول أن إلغاء القيود على التعامل بالدولار، ذو أثر إيجابي بالغ الأهمية، لأنه يعيد الثقة إلى القطاع الخاص ويسهل عمليات الاستيراد والتصدير، ويفتح الباب أمام جذب رؤوس الأموال من الخارج وتشجيع عودة المغتربين للاستثمار.
وأضاف: إن القرار يمثل فرصة لرجال الأعمال ذوي الارتباطات الدولية لتحويل الأرباح وضخّ استثمارات جديدة وتمويل مباشر، مع التنبيه لإدارة مخاطر الدولرة المفرطة وضغط العملة المحلية بحذر.
ولفت إلى أن إلغاء قيود الاستيراد خطوة حيوية نحو عودة المواد الأولية إلى الأسواق، ما يدعم تشغيل المعامل وزيادة المنافسة ويحد من احتكار بعض السلع، كما أشار إلى أهمية هذا القرار لقطاعات الصناعة والطاقة المتجددة والمعدات الصناعية والاتصالات، مع التنبيه إلى ضرورة حماية الصناعة المحلية تدريجياً لتجنب تضرر المنشآت الصغيرة.
ووصف دلول، رفع معظم العقوبات الغربية عن سوريا بأنه الخطوة ذات الأثر الأكبر للتغيير الاقتصادي إذا تحققت بشكل فعلي ومكتمل، متوقعاً أن يؤدي إلى عودة التحويلات المصرفية الدولية، وتمويل مشروعات الإعمار، ودخول شركات أجنبية، وتحسن التصنيف الائتماني، وانخفاض تكاليف الشحن والتأمين، لكنه شدد على أن رفع العقوبات وحده لا يكفي، بل يجب أن يترافق مع إصلاح قضائي، وشفافية مالية، واستقرار تشريعي، وحماية واضحة للاستثمار.
تعزيز مفهوم الاقتصاد الحر
تسعى القرارات الاقتصادية إلى تسجيل خطوات ملموسة نحو تعزيز الاقتصاد الحر وتحسين بيئة الأعمال، وأكد النائب السابق لرئيس غرفة تجارة دمشق، محمد الحلاق، أن القرارات المتعلقة بإلغاء “تشوهات” منصة التمويل، والسماح بالتعامل بالدولار، وإلغاء القيود على الاستيراد، وتعديل الرسوم الجمركية لتصبح على الوزن بدلاً من القيمة، تمثل نقاطاً إيجابية جوهرية في الاقتصاد الحر في سوريا.
وفي تصريح لصحيفة الثورة السورية، أوضح الحلاق أن المنصة الاقتصادية لم تكن من الأساس ذات وجود منظم وواضح، بل كانت أشبه بمجموعة قرارات متفرقة صادرة عن مصرف سوريا المركزي، اتسمت بالعديد من التشوهات وعدم الانضباط، وأضاف: إن هذه القرارات بدأت بالاستيراد والتصدير وتطورت لتشمل جوانب أخرى، مثل إيداع الأموال، ما خلق حالة من عدم الوضوح والتعقيد.
وقال الحلاق: “إن إلغاء أو عدم وجود هذه المنصة، بكل ما حملته من تشوهات، هو خطوة إيجابية مهمة تسجل لمصلحة الاقتصاد الحر، ولمفهوم السوق الحر الذي تتبناه الحكومة”.
وأضاف: إن السماح بالتعامل بالدولار يمثل مكسباً مهماً يعزز مبادئ الاقتصاد الحر ويؤكد توجه الحكومة نحو تطبيقه،
واعتبر الحلاق أن إلغاء القيود على الاستيراد خطوة إيجابية، إلا أن أبرز النقاط المهمة كانت تعديل آلية احتساب الرسوم الجمركية لتصبح على أساس الوزن بدل القيمة، وهو ما يمثل فائدة كبيرة للقطاعات الإنتاجية، خاصة قطاع الموارد الغذائية، الذي كان يعاني من تشوهات وتعقيدات في الاستيراد والتصدير.
وأشار الحلاق إلى أن الوضع السابق كان يفتقر للشفافية والمساواة، حيث كانت الرسوم تُحتسب على قيمة الفواتير، ما يفتح الباب أمام التلاعبات وتشوهات في ضريبة الدخل والرسوم الجمركية.
وتابع: “اليوم خرجنا من قصّة هذه التشوّهات، ويفترض أن تعود القيم واضحة ومعلنة للجميع، وأن تكون هناك آلية واضحة لتحديد القيمة، حتى لو تطلّب ذلك تفعيل مكتب القيمة مستقبلاً”.
وشدّد الحلاق على أهمية تبسيط الإجراءات الاقتصادية وتعزيز الشفافية، لما يسهم في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لتطبيق مبادئ اقتصاد السوق الحرّ، وتشجيع الاستثمار، وتذليل العقبات أمام حركة التجارة والصناعة في سوريا.
تحدّيات جوهرية
رغم الإجراءات الاقتصادية الأخيرة والتحوّلات الملحوظة في الأسواق، لا يزال القطّاع الصناعي والتجاري يواجه تحدّيات أساسية تعوق قدرته على النموّ وتحقيق الاستقرار.
وفي هذا الإطار، رأى النائب السابق لغرفة صناعة دمشق وريفها، لؤي نحلاوي، أنّ القطّاع الصناعي والتجاري، الذي يمثّل عصب الاقتصاد وركيزة أساسية للتعافي وإعادة الإعمار، يواجه تحدّيات جوهرية تعوق قدرته على خلق فرص العمل وزيادة الإنتاج وتحسين الميزان التجاري.
وأوضح نحلاوي لصحيفة “الثورة السورية” أنّ أبرز هذه التحدّيات تتمثّل في “استمرار البيروقراطية وتعقيد إجراءات التأسيس والتراخيص”، مشيراً إلى تعدّد الجهات المعنية بالموافقات، وطول مدد الحصول على التراخيص، وصعوبة الإجراءات الإدارية، وغياب نافذة موحدة فعالة. وأضاف أنّ هذه المعوقات تؤدي إلى تأخير انطلاق المشاريع، وزيادة التكلفة الاستثمارية، وتراجع جاذبية بيئة الأعمال.
وأشار نحلاوي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة، خاصة الكهرباء مقارنة بالدول المجاورة، ممّا يزيد تكلفة الإنتاج ويضعف القدرة التنافسية للمنتج الوطني ويقلّل هوامش الربحية. كما لفت إلى مشكلة الانفتاح التجاري غير المتوازن، حيث فتح باب الاستيراد بشكل واسع دون سياسات حماية كافية للمنتج المحلي، ممّا خلق منافسة غير عادلة وأثّر على الإنتاج المحلي.
وتطرّق نحلاوي أيضاً إلى ارتفاع الرسوم الجمركية وتكاليف استيراد المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، ما يزيد تكلفة التصنيع ويحدّ من التوسّع والاستثمار.
وأعرب عن قلقه من “ضعف مشاركة القطّاع الخاص في صنع القرار الاقتصادي”، حيث يظلّ إشراك ممثّليه محدوداً، ممّا قد يؤدّي إلى قرارات لا تعكس الواقع الفعلي للسوق.
وتحدّث نحلاوي عن ارتفاع تكاليف النقل واللوجستيات الحدودية نتيجة بعض الإجراءات، ما يزيد تكاليف المناولة ويؤخّر وصول البضائع ويرفع الكلفة النهائية. ودعا إلى معالجة هذه التحدّيات بشكل عاجل، مؤكّداً أنّ دعم القطّاع الصناعي والتجاري ضرورة وطنيّة لتعزيز ثقة المستثمرين، وتسريع وتيرة التعافي الاقتصادي، وبناء اقتصاد إنتاجي مستدام.
