في ظل تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما رافقها من توقف واسع لحركة الطيران في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط، اتجهت بعض الدول إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر أماناً لضمان استمرار حركة الطيران المدني.
وضمن هذا السياق، أعلنت سوريا إعادة فتح ممر جوي من حلب باتجاه البحر المتوسط أمام الخطوط الجوية السورية وشركات الطيران الأجنبية، بالتوازي مع استئناف حركة الطيران تدريجياً عبر مطار حلب الدولي.
وقال رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السوري عمر الحصري، إن إعادة فتح هذا الممر الجوي يهدف بشكل أساسي إلى “تأمين مسارات تشغيل آمنة للطيران القادم والمغادر من مطار حلب الدولي ضمن شبكة المسارات الجوية المتاحة حالياً”، مشيراً إلى أن استخدامه سيكون متاحاً لأي شركة طيران تلتزم بمعايير السلامة الدولية.
وأضاف الحصري: “بطبيعة الحال، فإن هذه الممرات ليست مخصصة حصراً للخطوط الجوية السورية، بل يمكن استخدامها من قبل شركات الطيران الأخرى التي تختار العبور أو التشغيل عبر المجال الجوي السوري، وذلك وفق الإجراءات التنظيمية المعتادة والتصاريح اللازمة”.
حلب ضمن شبكة الإمداد
في هذا الإطار، يرى الباحث والخبير الاقتصادي حسام عايش، أن تفعيل الممر الجوي بين حلب والبحر المتوسط يمثل خطوة استراتيجية ذات أهمية كبيرة، تتجاوز تأثيراتها الأوضاع الراهنة لتفتح آفاقاً مهمة للربط اللوجستي.
وقال عايش لصحيفة “الثورة السورية، إن الربط الجوي بين شمالي سوريا وغربها عبر هذا المسار يسهم في تقريب المسافات، ويسرع الوقت، كما يوفر فرصة إضافية لاستثمار الإمكانات الكامنة في سوريا، ما يؤدي إلى عملية اقتصادية اجتماعية استثمارية أكبر.
ولفت إلى أن تفعيل هذا المسار قد يمنح مطار حلب الدولي حضوراً ضمن شبكة الإمداد العالمية الجوية، كما سيعطي حلب مكانة إضافية على خريطة السياحة الإقليمية والعالمية، ويؤدي لمزيد من استقطاب الاستثمار، إلى جانب توفير فرص عمل جديدة، ويدفع لمزيد من النشاط في البنية الاقتصادية بشكل عام.
وخلال شهر شباط الماضي، بلغ إجمالي عدد المسافرين عبر مطار حلب الدولي 16,217 مسافراً، منهم 8,292 قادمون و7,925 مغادرون، فيما بلغ عدد الرحلات الجوية 194 رحلة، وعدد الشركات العاملة ست شركات.
معايير السلامة
لا تزال المسارات الجوية الجنوبية المرتبطة بمطار دمشق الدولي غير مستقرة، بسبب التوترات في المنطقة، الأمر الذي لا يسمح بتشغيل الرحلات عبرها حالياً، وفق ما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السوري.
وتعتمد تقييمات السلامة والأمن على مجموعة من العوامل التشغيلية المتغيرة، ويتم تقييم كل رحلة بشكل منفصل وفق عناصر عدة، من بينها مطار الإقلاع، ومسار الرحلة، واتجاه العبور في المجال الجوي، إضافة إلى الوجهة النهائية للرحلة.
وبناء على المعايير السابقة، جدولت الشركة السورية للطيران عدداً من الرحلات من مطار حلب الدولي إلى كل من إسطنبول وجدة والرياض عبر المسارات الجوية الشمالية المعتمدة حالياً.
وأشارت الهيئة إلى تواصل وتنسيق مع عدد من النواقل الجوية في دول الخليج الراغبة بتسيير رحلات إلى مطار حلب عبر المسار الجوي الشمالي، ومن المقرر الإعلان عن بقية الرحلات والمطارات بمجرد توفر الظروف التشغيلية الآمنة.
وكانت الهيئة قد أعلنت في وقت سابق، أنها أعادت “تشغيل الممرات الجوية في القطاع الشمالي من المجال الجوي السوري باتجاه تركيا، بالتوازي مع إعادة تشغيل مطار حلب الدولي”.
وغادرت أولى رحلات الخطوط الجوية السورية، مطار حلب الخميس، متجهة إلى إسطنبول ووصلت بسلام، “في خطوة تعكس استئناف الحركة الجوية تدريجياً عبر مطار حلب”.
وأشار الحصري إلى أنه من المقرر أن تستخدم الخطوط الجوية الملكية الأردنية هذا المسار ضمن رحلتها من عمّان إلى حلب، في إطار استئناف الحركة الجوية التدريجي.
إلغاء آلاف الرحلات
عقب الحرب، ألغيت آلاف الرحلات الجوية لشركات كبرى مثل طيران الإمارات، قطر إيرويز، الاتحاد للطيران، الخطوط الجوية التركية، الخطوط الجوية الفرنسية، كي إل إم، لوفتهانزا، دلتا إيرلاينز، ويز إير وغيرها، بينما اضطرت شركات أخرى لإعادة جدولة مساراتها لتجنب الأجواء المغلقة، ما أدى إلى زيادة التكاليف وتعطيل الملايين من المسافرين.
كما توقفت حركة النقل الجوي التجاري إلى حد كبير في معظم أنحاء الشرق الأوسط، في حين بدأت بعض المطارات الكبرى مثل دبي الدولي تشغيل رحلات محدودة.
ومع إغلاق أو تقييد بعض المجالات الجوية المجاورة، تكون التداعيات فورية وعالمية، فتضطر الرحلات إلى تغيير مساراتها، ما يزيد من مدة الطيران واستهلاك الوقود، فضلاً عن حدوث تعقيدات متتابعة للطواقم والطائرات، وارتفاع التكاليف.
[3/8/2026 12:39 PM] أيمن المراد: وكان المدير الاستشاري في شركة “Strategic Air” بأستراليا، توني ستانتون، قد وصف المجال الجوي في الشرق الأوسط بأنه “جسر عالي السعة” يربط بين أوروبا وآسيا.
وقال ستانتون: “عندما ينهار الجسر أو يُغلق، فإن الحركة لا تختفي في الغالب”، موضحاً أنها “تميل إلى التدفق شمالاً أو جنوباً عبر ممرّين رئيسين، وعندها نشهد ازدحاماً شديداً في هذين الممرّين بسبب ضيقهما”، لافتاً إلى أن النتيجة تتسبب بتأخيرات أطول، واضطرابات أكبر، والمزيد من عدم اليقين.
وأوضح الخبير الاقتصادي عايش، أن الظروف الراهنة في المنطقة، التي تشهد تصاعداً في العمليات العسكرية واستخداماً واسعاً للطائرات المسيرة والصواريخ والقصف المتبادل، قد تؤدي بطبيعة الحال إلى تعطل أو تراجع حركة الطيران في بعض الفترات، في معظم الدول الواقعة ضمن مناطق التوتر أو القريبة منها، بما فيها سوريا.
وشدد عايش على أهمية الاستعداد للمرحلة المقبلة، مبيناً أن تأسيس ممرات جوية جديدة في الوقت الراهن يتيح لسوريا أن تكون جاهزة لاستئناف حركة الطيران بشكل أسرع عندما تستعيد المنطقة هدوءها، ومؤكداً أن تفعيل هذا الممر يمثل خطوة إيجابية في تطوير دور قطاع الطيران السوري والممرات الجوية، وهي أحد أهم الأشكال الداعمة للعملية الاقتصادية.
المجال الجوي السوري
يخضع المجال الجوي السوري لمبدأ السيادة الجوية الكاملة والحصرية المنصوص عليه في المادة الأولى من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي 1944، وتتضمن الاتفاقية أحكاماً تلتزم بها الدول وتمنح كل دولة الحق الحصري في تنظيم وإدارة ومراقبة استخدام مجالها الجوي، بما في ذلك منح أو رفض حقوق العبور، وفرض رسوم عبور، وإصدار إشعارات للطيارين (NOTAMs)، وتحديد إجراءات السلامة.
وتنبع أهميته الاستراتيجية للمجال السوري من موقعه الجغرافي الذي يجعله جزءاً من أقصر المسارات الجوية بين أوروبا وجنوب آسيا.
وتشكل رسوم عبور الطائرات (overflight charges) أحد المصادر المالية المهمة نسبياً للدول التي تقع على ممرات طيران دولية كثيفة، وفق نموذج تسعير خدمات الملاحة الجوية الذي تعتمده منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، حيث يمكن لهذه الرسوم أن تشكل مورداً اقتصادياً إضافياً في حال استعادة حركة العبور الجوية تدريجياً.
ووفق بيانات الهيئة العامة للطيران المدني السوري، شهدت حركة الطائرات العابرة للأجواء السورية ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 6.4 بالمئة، أي أن 5244 طائرة عبرت الأجواء السورية خلال شهر كانون الثاني لعام 2026 مقارنة بكانون الأول 2025.
وقدمت بعض المراكز البحثية مجموعة من التوصيات لتعزيز سلامة وفعالية المجال الجوي السوري، من أبرزها تعزيز التنسيق الفوري مع منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) ودول الجوار لاسيما تركيا والأردن، لضمان إصدار إشعارات دقيقة ومحدثة حول مناطق الخطر، مع تبادل معلومات استخباراتية جوية في الوقت الفعلي، والعمل على وضع آليات إزالة التعارض (de-confliction mechanisms) بين الحركة المدنية والعمليات العسكرية، بما يشمل تحسين أنظمة الرادار والمراقبة والاتصالات المباشرة بين الجهات المعنية.
كما تضمنت التوصيات، دعم إعادة تأهيل البنية التحتية الجوية (مطارات حلب ودمشق وأبراج المراقبة) من خلال شراكات فنية ومالية دولية، مع التركيز على رفع مستوى السلامة والقدرة الاستيعابية، وتشجيع شركات الطيران بالتعاون مع “IATA” على تنويع المسارات طويلة الأمد لتقليل الاعتماد على ممر واحد عرضة للاضطراب، مع الحفاظ على خيار الممر السوري كبديل تنافسي عند توفر شروط السلامة الكافية.
