في وقت تتكدّس فيه المنتجات الأجنبية منخفضة السعر على رفوف الأسواق، يجد صناعيّو حلب أنفسهم أمام معادلة صعبة تهدد استمرارية منشآتهم، فبين ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي وتدفّق البضائع المستوردة، تتراجع قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة، وتتقلص فرص تصريف المنتج المحلي، ما ينعكس في خسائر متزايدة وتسريحٍ لليد العاملة في المدينة التي شكّلت لعقود طويلة القلب الصناعي لسوريا.
بين أصوات الماكينات التي خفّ ضجيجها، يقف عمران العلي أبو أحمد داخل معمله الصغير للألبسة في أحد أحياء حلب الصناعية، يتفقد قطعاً تراكمت منذ أشهر في المستودع دون أن تجد طريقها إلى الأسواق، ويقول: «كنا نعمل بطاقتنا الكاملة، واليوم اضطررنا إلى إيقاف بعض خطوط الإنتاج لأن البيع لم يعد يغطي تكلفة التشغيل».
ولا تبدو هذه القصة استثناءً، بل تعكس واقعاً يعيشه عدد متزايد من الصناعيين في المدينة، في ظل منافسة حادة مع المنتجات المستوردة الأرخص ثمناً.
منافسة غير متكافئة
يوضح الصناعي بسّام عبد الحي، صاحب منشأة لصناعة البراغي الطويلة بطول يصل إلى 100 سم في مدينة حلب، أن منشأته كانت قبل الثورة تشغّل نحو ثمانية عمّال يعملون بشكل متواصل دون انقطاع، مع وجود طلبيات يومية محلية وخارجية، في ظل غياب المنافسة المباشرة باستثناء المنتج الصيني.
ويشير إلى أن الوضع تغيّر جذرياً في الوقت الحالي، إذ تراجعت المبيعات إلى الحد الأدنى، واقتصرت على تلبية الطلب على المقاسات أو “النمر المفقودة” في السوق نتيجة انتشار المنتجات المستوردة، ما أدى إلى انخفاض عدد العمال في المنشأة إلى عاملين فقط.
ويؤكد عبد الحي أن البضائع الصينية تدخل الأسواق بشكل نظامي، لكنها طغت على المنتج المحلي رغم تدني جودتها، موضحاً أن جودة منتجات منشأته تضاهي المنتجات الأوروبية، إلا أن فارق السعر لصالح المستورد جعل المنافسة غير عادلة، ويطالب بوقف استيراد المواد التي تُنتج محلياً حمايةً للصناعة الوطنية ومنعاً لمزيد من خسارة فرص العمل.
ويشير أصحاب منشآت صناعية أخرى إلى أن الفارق السعري الكبير بين المنتج المحلي ونظيره المستورد يعود إلى انخفاض تكاليف الإنتاج في بعض الدول المصدّرة، إضافة إلى دخول بضائع أجنبية لا تخضع في بعض الأحيان للمواصفات المطلوبة أو تدخل بطرق غير نظامية دون دفع الرسوم الجمركية، ما يضع المنتج المحلي أمام منافسة غير متكافئة.
وفي الوقت الذي يعاني فيه الصناعي المحلي من ارتفاع أسعار المواد الأولية والطاقة والنقل، يؤكد صناعيون أن ضعف الرقابة على الأسواق ومنافذ البيع أسهم في تفاقم المشكلة، ما أدى إلى تكدّس الإنتاج في المستودعات أو بيعه بأسعار تقلّ عن التكلفة بهدف تأمين السيولة والاستمرار في العمل.
انعكاسات على العمالة
ولا تقتصر آثار هذه الظاهرة على أصحاب المعامل فحسب، بل تمتد أيضاً إلى العمال، يقول أحد العاملين الذين جرى تسريحهم مؤخراً: «كنت أعيل أسرتي من هذا العمل، واليوم أبحث عن فرصة بديلة في ظل قلة الخيارات».
وتشير تقديرات صناعيين إلى أن عدداً من المعامل اضطر إلى تخفيض طاقته التشغيلية أو إيقاف بعض خطوط الإنتاج، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على فرص العمل في مدينة عُرفت تاريخياً بدورها الصناعي.
وفي الأسواق، يقف المستهلك بدوره أمام خيار صعب، إذ يقول عثمان العبد الله – أحد الزبائن – إن دخله لم يعد يسمح له بالالتزام بشراء المنتج المحلي الأعلى سعراً، رغم إدراكه لأهمية دعمه، مضيفاً أن «السعر أصبح العامل الحاسم في قرار الشراء».
ويعكس هذا الواقع معادلة معقدة بين تراجع القدرة الشرائية من جهة، وحاجة الصناعة المحلية إلى الحماية من المنافسة غير المتكافئة من جهة أخرى.
ويرى صناعيون أن معالجة هذه المشكلة تتطلب سياسات اقتصادية أكثر توازناً لتنظيم الاستيراد، بما يمنع إغراق الأسواق بالبضائع التي تتوافر لها بدائل محلية، إلى جانب تشديد الرقابة على الواردات وضبط جودة المنتجات المطروحة في الأسواق.
كما يشيرون إلى أهمية تخفيف أعباء الإنتاج عن المعامل، سواء عبر خفض تكاليف الطاقة أو تقديم تسهيلات مالية وإدارية تساعد المنشآت الصناعية على الاستمرار في العمل وتحسين قدرتها التنافسية.
غرفة صناعة حلب: مرحلة انتقالية حساسة
من جهته، أوضح أمين سر غرفة صناعة حلب المهندس أحمد مهدي الخضر، في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أن الصناعة المحلية تمر بمرحلة انتقالية حساسة نتيجة التحول السريع في بنية الاقتصاد الصناعي، ما أدى إلى حالة من عدم التوازن في أداء العديد من المنشآت.
وأشار إلى أن مدينة حلب، التي تضم أكبر مدينة صناعية في سوريا إضافة إلى نحو 16 منطقة صناعية، تشهد حراكاً استثمارياً ملحوظاً، إذ تضم المدينة الصناعية في الشيخ نجار نحو 950 منشأة عاملة، في حين دخلت قرابة 570 منشأة جديدة مرحلة الاستثمار والتسجيل خلال العام الأخير.
غير أن هذه المؤشرات الرقمية، بحسب الخضر، لا تعكس بالضرورة نمواً فعلياً في الناتج الصناعي، موضحاً أن معظم المنشآت الجديدة تحتاج إلى فترة لا تقل عن عامين للوصول إلى مرحلة الإنتاج الكامل، ما يعني أن أثرها في الناتج الصناعي ما يزال محدوداً حتى الآن.
وفي المقابل، بيّن أن عدداً كبيراً من المنشآت القائمة شهد تراجعاً في إنتاجه، إذ انخفض إنتاج نحو 90 بالمئة من المعامل إلى أقل من 30 بالمئة من طاقتها السابقة، فيما توقفت نسبة ملحوظة من المنشآت عن العمل فعلياً رغم عدم إعلان إغلاقها رسمياً، انتظاراً لتحسن الظروف الاقتصادية.
ويرى الخضر أن أحد أبرز أسباب هذا الواقع يتمثل في الانتقال السريع وغير المتدرج نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً وتنافسية، ما وضع العديد من الصناعات المحلية أمام منافسة صعبة مع المنتجات المستوردة.
وأكد أن معالجة هذه التحديات تتطلب مسارين متوازيين؛ الأول إسعافي يقوم على دعم الصناعة المحلية عبر سياسات جمركية متوازنة وتخفيف تكاليف الطاقة على القطاع الصناعي، والثاني استراتيجي يتمثل في تنظيم حركة الاستيراد وضبط المنافذ التجارية وتطوير بيئة العمل الصناعي وفتح أسواق خارجية جديدة.
واختتم الخضر حديثه بالإشارة إلى أن الصناعة الحلبية تقف اليوم أمام مرحلة دقيقة بين التعافي التدريجي أو الانكماش، مشدداً على أن الحفاظ على الصناعات القائمة وتطويرها يشكل أولوية اقتصادية، بالتوازي مع ضرورة تحديث الإدارة الصناعية وتعزيز قدرة المعامل على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية.
وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج وتزايد المنافسة الخارجية، يقف الصناعي أمام اختبار صعب؛ فإما أن تنجح السياسات الاقتصادية في خلق بيئة أكثر توازناً تحمي المنتج المحلي، أو تستمر الضغوط التي قد تدفع مزيداً من المعامل إلى تقليص نشاطها أو التوقف عن العمل.
