في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وانعكاساتها على اقتصادات المنطقة، تبرز تساؤلات حول قدرة سوق دمشق للأوراق المالية (البورصة) على الحفاظ على استقرارها ومواصلة دورها في دعم الاقتصاد الوطني.
وتشكّل سوق دمشق للأوراق المالية جزءاً أساسياً من الحركة الاقتصادية، كونها منصة لتداول الأوراق المالية تسهم في تجميع المدخرات الداخلية والخارجية وتحويلها إلى استثمارات منتجة تدعم العملية الإنتاجية ونمو الاقتصاد الوطني. كما تلعب السوق دوراً مهماً في تحويل المدخرات غير المستثمرة إلى رؤوس أموال فاعلة تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد.
وبين تحديات السيولة، ومحدودية الارتباط بالأسواق العالمية، تحاول السوق ترسيخ حالة من التوازن والحفاظ على ثقة المستثمرين.
وقالت مديرة الدراسات والتوعية والعلاقات الخارجية في هيئة الأوراق والأسواق المالية، نيفين سعيد، لصحيفة “الثورة السورية”، إن التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لم تؤثر بشكل كبير على سوق دمشق للأوراق المالية، مقارنة ببعض الأسواق الإقليمية والعالمية.
وأوضحت سعيد أن هذه المرونة تعود جزئياً إلى انخفاض مستوى ارتباط سوق دمشق بالأسواق المالية العالمية، مما يجعلها أقل عرضة للصدمات الخارجية، كما أن غالبية المستثمرين في السوق محليون، ما يقلل من فرص “الهروب السريع” لرؤوس الأموال الساخنة، وهي الظاهرة التي تؤثر على الأسواق الناشئة الأكثر انفتاحاً.
وأضافت أن الهيئة والسوق تتبعان مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى تعزيز الاستقرار والثقة، على رأسها المتابعة، مشيرة إلى العمل بشكل دائم على مراقبة الأداء اليومي ورصد المؤشرات غير الطبيعية، لضمان الاستقرار.
كما أكدت سعيد أهمية الإفصاح المنتظم للشركات، ما يسهم في تقليل حالات عدم اليقين بين المستثمرين ويعزز ثقة السوق.
ثقة المستثمرين
في ظل جهود إعادة تنشيط الاقتصاد السوري بعد سنوات من الفساد وسوء الإدارة، تُعد الثقة بين المستثمرين المحليين والدوليين عنصراً أساسياً لنجاح سوق دمشق للأوراق المالية، إذ تشكل بيئة موثوقة أساساً لجذب الاستثمارات وتحريك عجلة التنمية الاقتصادية.
وأوضحت سعيد أن إعادة بناء الثقة عملية تراكمية تعتمد بشكل رئيسي على تحصين البيئة الداخلية، اقتصادياً أو أمنياً.
وأضافت أن الاستقرار السياسي في سوريا يعد العامل الأكثر تأثيراً في استعادة الثقة، لكن من الضروري تحديث الأطر التشريعية بشكل مستمر لتوفير بيئة استثمارية جاذبة.
واعتبرت سعيد أن تعزيز الشفافية وممارسات الحوكمة من خلال تطبيق معايير صارمة للإفصاح يعد من أهم العوامل لاستعادة هذه الثقة.
كما دعت إلى ضرورة العمل على تطوير الشركات والمؤسسات المالية عبر تشجيع التأسيسات الجديدة وإدراج شركات خاصة في السوق، بهدف توسيع قاعدة الاستثمارات المحلية والدولية.
وأشارت إلى أن سوريا تعمل تدريجياً على التخلص من تأثير العقوبات عبر تنمية أدوات مالية جديدة تستقطب رؤوس الأموال من داخل سوريا وخارجها، لافتة إلى أن العمل جارٍ على إطلاق منتجات مالية جديدة تلبي احتياجات المستثمرين المحليين والدوليين، في ظل التحول الرقمي الذي يسهم في تسريع الخدمات المالية.
وشددت على أهمية تحسين التعاملات المالية العابرة للحدود، وذلك عبر تحديث الأنظمة الرقمية التي تسهّل الوصول إلى المستثمرين المغتربين وتسهم في جذب استثمارات جديدة.
إعادة هيكلة السوق
مع إعادة هيكلة سوق دمشق للأوراق المالية، برزت الحاجة إلى تعزيز بنيتها التحتية وتحديث أنظمة التداول لتتمكن من مواجهة الصدمات المستقبلية، وضمان قدرة أكبر على جذب الاستثمارات المحلية والدولية، في ظل التحديات الاقتصادية والقيود المفروضة نتيجة العقوبات.
ورأت سعيد أن استقرار السوق في مواجهة الصدمات يعكس نجاح بعض الإجراءات التنظيمية، لكنها أشارت إلى أن السوق ما زالت تواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف السيولة وقلة عدد الشركات المدرجة، وهو ما يحول دون استثمار أكثر فعالية داخل السوق.
وأكدت سعيد أن السوق تحتاج إلى توسيع قاعدة الشركات المساهمة، في وقت تعمل فيه على تحديث بنية الأنظمة التكنولوجية.
وأشارت إلى أن تطوير البنية التحتية لأنظمة التداول يعد ضرورة ملحة، خاصة في ظل العقوبات التي حدّت من قدرة السوق على التحديث طوال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، أوضحت سعيد أن استثمار أنظمة تداول أكثر تطوراً سيمكن السوق من التكيف مع المتغيرات العالمية ويعزز من قدرته على جذب الاستثمارات المستقبلية.
تحليل مؤشر السوق
يعكس أداء سوق دمشق للأوراق المالية خلال الفترة الممتدة قبل وبعد بدء الحرب الإقليمية الحالية قدرة السوق على مواجهة الصدمات الخارجية نسبياً، مع تسجيل تغيرات محدودة في المؤشر والقيمة السوقية.
وأشارت سعيد، إلى أن آخر جلسة تداول قبل الحرب كانت يوم الخميس 26 شباط 2026، حينها أغلق المؤشر عند 135,910 نقطة، وبقيمة إجمالية للسوق بلغت 243,670,711,625 ليرة جديدة.
وبعد عطلة نهاية الأسبوع، استؤنف التداول يوم الأحد 1 آذار 2026، أي ثاني أيام الحرب، وأغلق المؤشر عند 134,604 نقطة، بانخفاض نسبته 0.96 بالمئة.
وفي 16 آذار، أي بعد نحو أسبوعين على بدء الحرب، سجل المؤشر 136,441 نقطة، بارتفاع نسبته 0.36 بالمئة مقارنة بنهاية شباط، فيما بلغت القيمة السوقية الكلية نحو 243,670,711,625 ليرة جديدة، أي بانخفاض 1 بالمئة عن نهاية الشهر ذاته، ما يشير إلى أن تأثير التوترات الإقليمية كان محدوداً نسبياً.
