في عالم مترابط اقتصادياً، لا تحتاج الأزمات دائماً إلى أن تقع داخل حدود الدولة كي تترك أثرها العميق. يكفي أن يغلق شريان حيوي مثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية، حتى تبدأ موجات الارتدادات بالوصول إلى اقتصادات هشة مثل الاقتصاد السوري، مضاعفة من أزماته القائمة في الأصل.
تلك الارتدادات الناتجة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، دفعت العديد من الدول المجاورة لاتخاذ إجراءات تقشفية عاجلة، مثلما حصل في مصر التي اعتمدت “الإغلاق المبكر”، وكذلك في الأردن الذي بدأ “إجراءات تقشفية”.
في هذا الإطار، يحذر الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، من تداعيات كارثية قد تطال الاقتصاد السوري في حال طال إغلاق مضيق هرمز، مشيراً إلى أن هذه الصدمة الجيوسياسية البعيدة جغرافياً ستنعكس مباشرة على حياة السوريين عبر ارتفاع قياسي في الأسعار وانهيار متسارع لليرة، وهو حال الاقتصادات المحلية لدول المنطقة.
انعكاس مباشر
يقول رحال لصحيفة “الثورة السورية”: “في حال إغلاق مضيق هرمز، تشير التقديرات إلى احتمال ارتفاع سعر برميل النفط من متوسط يقارب 80 دولاراً إلى نطاق يتراوح بين 120 و180 دولاراً، مع سيناريوهات متطرفة تلامس 200 دولار على المدى القصير”.
ويضيف: “هذا الارتفاع الذي قد يتجاوز 100 بالمئة لن يبقى حبيس الأسواق العالمية، وسيتحول مباشرة إلى ضغط على الدول المستوردة، وتأتي سوريا – شبه المعتمدة بالكامل على الخارج في تأمين مشتقاتها النفطية – في مقدمة المتأثرين”.
وحتى الآن، حافظت الحكومة السورية على أسعار المحروقات ثابتة بالدولار، بينما يعود ارتفاع أسعارها بالعملة المحلية إلى تراجع الليرة.
وفي أحدث نشراتها، حددت الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية (محروقات)، أسعار المشتقات النفطية وفق سعر صرف للدولار يبلغ 123 ليرة جديدة (12,300 ليرة قديمة)، ارتفاعاً من 115,5 ليرة (11,550 ليرة قديمة) عند انطلاق الحرب.
ويبلغ سعر لتر البنزين “90” (00.85 دولار) 104.55 ليرة (10,455 ليرة قديمة)، والبنزين “95” (00.91 دولار) 111.93 ليرة (11,193 ليرة قديمة)، والمازوت (00.75 دولار) 92.25 ليرة (9,225 ليرة قديمة)، وأسطوانة الغاز المنزلي (10.50 دولار) 1,291.5 ليرة (129,150 ليرة قديمة)، وأسطوانة الغاز الصناعي (16.80 دولار) 2,066.4 ليرة (206,640 ليرة قديمة).
لكن رحال يوضح أن أسعار المحروقات في السوق السورية قد تشهد قفزات غير مسبوقة، ليقفز سعر لتر البنزين “إلى ما بين 15,000 و22,000 ليرة (قديمة) مع احتمال تجاوز 25,000 ليرة (قديمة) في السوق الموازية”.
أما المازوت، الذي وصفه رحال بـ”العمود الفقري للاقتصاد المحلي” لاعتماده في النقل والتدفئة والزراعة والصناعة، فقد يرتفع إلى حدود 12,000-20,000 ليرة قديمة للتر، وقد يسجل أرقاماً أعلى بكثير في السوق غير الرسمية. ويشدد على أن “هذه الأرقام تعني ارتفاعاً شاملاً في تكلفة كل شيء تقريباً”.
المواطن يدفع الثمن
يشير رحال إلى أن ارتفاع أسعار الوقود سينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية، متوقعاً زيادة أسعار الخضار والفواكه بين 40 بالمئة و100 بالمئة، وارتفاع اللحوم بنسبة قد تصل إلى 120 بالمئة، وقفز سعر الخبز غير المدعوم بين 30 بالمئة و70 بالمئة، إلى جانب زيادات في تعرفة النقل تتراوح بين 50 بالمئة و150 بالمئة.
ويحذر من أن “أي صدمة نفطية تتحول سريعاً إلى أزمة معيشية يومية، حيث يتآكل الدخل الحقيقي للمواطن بوتيرة تفوق قدرته على التكيف”.
الليرة تحت المجهر
فيما يخص سعر الصرف، يحذر الخبير الاقتصادي من أن “أي ارتفاع في فاتورة الاستيراد يترجم مباشرة إلى طلب متزايد على الدولار، ما يضع الليرة السورية أمام موجة تراجع جديدة”.
وأكد أن “هذا التراجع لا يعمل بمعزل عن بقية العوامل، بل يغذي التضخم ويسرع تآكل القدرة الشرائية في حلقة مفرغة يصعب كسرها”.
وتراجعت الليرة من مستويات 115 ليرة جديدة (11,500 ليرة قديمة) للدولار قبل الحرب، إلى نحو 125 ليرة (12,500 ليرة قديمة) للدولار حالياً.
ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أن المدة تلعب دوراً حاسماً في تحديد حجم الكارثة، موضحاً أن “إغلاق المضيق إذا كان قصير الأمد (أياماً أو أسابيع) قد يؤدي إلى ارتفاعات مؤقتة يعقبها استقرار نسبي. أما إذا طال أمد الأزمة لأشهر، فإن الأسعار المرتفعة ستتحول إلى واقع جديد، مع دخول الاقتصاد في مرحلة تضخم مستمر قد تقترب من التضخم المفرط الجزئي”.
مقارنة إقليمية
في معرض المقارنة مع دول المنطقة، أوضح رحال أن “دولاً مثل مصر والأردن قد تلجأ إلى رفع أسعار المحروقات أو تقليص الدعم، لكنها تمتلك أدوات مالية أوسع، وقدرة أكبر على الاقتراض، وشبكات أمان اجتماعي أفضل نسبياً”.
واستدرك: “في المقابل، تواجه سوريا هذه الصدمات بموارد محدودة للغاية، وإنتاج نفطي متراجع، واعتماد متزايد على الاستيراد، ما يجعل أثر الصدمة أعمق وأسرع انتقالاً إلى حياة الناس ومعيشتهم”.
إجراءات عاجلة
على ضوء ما سبق، يدعو رحال إلى عدم الاكتفاء بالحلول التقليدية مثل رفع الأسعار أو التقنين، مشدداً على ضرورة:
- إعادة توجيه الدعم نحو الفئات الأكثر هشاشة بدلاً من الدعم الشامل.
- تسريع الاستثمار في الطاقة البديلة لتخفيف الضغط على الوقود المستورد.
- دعم الإنتاج المحلي، خصوصاً الزراعي، لتقليل أثر التضخم المستورد.
- ضبط الأسواق والحد من ممارسات الاحتكار.
ويخلص رحال إلى أن إغلاق مضيق هرمز اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد السوري على الصمود. وبينما قد لا تملك البلاد القدرة على منع الصدمة، فإن إدارتها بفعالية قد تصنع الفرق بين أزمة مؤقتة مؤلمة، وانزلاق أعمق في دوامة عدم الاستقرار الاقتصادي التي قد يصعب الخروج منها.
فاتورة استيراد مرتفعة
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة وانعكاساتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، يحذر الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد، من تداعيات خطيرة تهدد واقع الطاقة في سوريا، داعياً الحكومة إلى تبني سياسات تقشفية عاجلة وإعادة ترتيب أولويات الاستهلاك في ظل “ضبابية المشهد” وارتفاع كلفة التأمين والشحن.
وفي تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، يقول محمد: “إن سوريا كانت ولا تزال دولة مستوردة للنفط”، مشيراً إلى أن الإنتاج المحلي قبل الاتفاق الذي أعاد حقول الجزيرة السورية لسيطرة الحكومة لم يكن يتجاوز 25,000 برميل يومياً، مقابل استهلاك يتراوح بين 150,000 و200,000 برميل.
ورغم عودة تلك الحقول، إلا أن الإنتاج الحالي لا يتجاوز تقديرياً 80,000-100,000 برميل يومياً موزعة على كامل الجغرافيا السورية، مع حاجة البنى التحتية النفطية إلى صيانة وإصلاح قد تمتد بين سنة وثلاث سنوات.
وأوضح أن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك لا تزال تُغطى عبر الاستيراد، حيث تستورد سوريا حالياً ما بين 50,000 و100,000 برميل يومياً، ما يجعلها عرضة بشكل مباشر لأي ارتفاع في الأسعار العالمية أو أي اضطراب في طرق الإمداد.
ويرى الخبير الاقتصادي محمد أن المشهد الحالي أكثر تعقيداً من مجرد ارتفاع الأسعار، مشيراً إلى انعكاسات التوتر العسكري على حركة الملاحة في مضيق هرمز، حيث انخفض عدد ناقلات النفط المارة يومياً من نحو 135 إلى سبع سفن فقط. ويضيف: “هناك تناقض في التصريحات بين الإيراني والأميركي حول انتهاء الحرب، ما يبقي الموقف في حالة ضبابية، والأمر ربما يتجه إلى مزيد من التصاعد ما لم يتم حسمه”.
ويشدد الدكتور محمد على أن فاتورة استيراد المشتقات النفطية ارتفعت بنسبة تتراوح بين 36 بالمئة و37 بالمئة مقارنة مع بداية شهر شباط (فبراير) الماضي، نتيجة ارتفاع سعر البرميل وتكاليف التأمين والنقل. وقال: “هذا الارتفاع يضغط بشكل مباشر على سعر صرف الليرة السورية، كما أن أي كمية يتم استيرادها تحمل تكاليف إضافية للنقل والتخزين والتصنيع، ما ينعكس على أسعار جميع المنتجات المصنعة محلياً”.
خطة طوارئ
يدعو الخبير محمد الحكومة إلى تبني “خطة طوارئ” تقوم على ثلاثة محاور رئيسة:
- تحديد أولويات القطاعات الحيوية: شدد على ضرورة توجيه المشتقات النفطية بشكل صارم إلى القطاعات الأساسية مثل المستشفيات والخدمات الطبية، المخابز، شبكات المياه والكهرباء، والقطاع الزراعي، معتبراً أن هذه القطاعات يجب أن تكون في مقدمة خطط التوزيع.
- مكافحة التهريب وضبط التوزيع: طالب بضبط عمليات توزيع المشتقات النفطية والغاز بشكل صارم، والقضاء على التهريب بكافة أشكاله، وإصلاح آليات التوزيع التي وصفها بأنها تعاني من فساد أدى إلى خروج كميات كبيرة من المنظومة الرسمية.
- ترشيد الاستهلاك وفرض سقوف محددة: اقترح وضع سقوف استهلاكية للبنزين والمازوت سواء للسيارات الخاصة أو العامة أو الحكومية، مع ضرورة دراسة هذه السقوف بناءً على الاحتياطي المتاح وسيناريوهات استمرارية الاستيراد في ظل فاتورة عادية أو في حال انخفاض القدرة على الاستيراد.
يختتم الدكتور محمد تحليله بالتركيز على ضرورة إعادة النظر في الموازنة العامة للدولة لعام 2026، مشيراً إلى أن الموازنة أقرت دون توقع وصول أسعار المشتقات النفطية إلى مستوياتها الحالية والتي قد تستمر في الارتفاع.
ويؤكد أن “ضبط الإنفاق العام وزيادة كفاءته، خاصة في ظل هذه الفاتورة الكبيرة، يجب أن يكون محط أنظار الحكومة لتأمين الموارد اللازمة للدعم، مع تحقيق الشفافية والعدالة في التوزيع”.
الإمارات وقطر.. رفع أسعار الوقود
في ظل الاضطرابات الراهنة في أسواق الطاقة العالمية، اتخذت دول عدة إجراءات عاجلة للتعامل مع صدمة ارتفاع أسعار الوقود، شملت رفع الأسعار وتقييد الاستهلاك وتعديل الدعم الحكومي، بهدف الحد من الضغوط على اقتصاداتها ومواجهة التبعات المترتبة على اضطرابات الإمدادات النفطية ومضيق هرمز.
ورفعت كل من الإمارات وقطر، الثلاثاء، أسعار الوقود في البلاد بنسب متفاوتة، حيث وصلت الزيادة في أبوظبي إلى نحو 70 في المائة.
في الإمارات، ارتفع وقود الديزل إلى 4.69 درهم للتر (1.28 دولار)، والبنزين “سوبر 98″ إلى 3.39 درهم للتر (0.92 دولار)، و”خصوصي 95″ إلى 3.28 درهم للتر (0.89 دولار)، و”إي بلس 91” إلى 3.20 درهم للتر (0.87 دولار).
أما في قطر، فقد ارتفع البنزين “سوبر 95” إلى 2.05 ريال للتر (0.56 دولار)، بينما ثبت سعر البنزين الممتاز 91 عند 1.85 ريال للتر (0.51 دولار) وسعر الديزل عند 2.05 ريال للتر (0.56 دولار).
وتأتي هذه الزيادات في ظل ارتفاع حاد بأسعار النفط، نتيجة استمرار تعطل مضيق هرمز في ظل استمرار الحرب التي أسهمت أيضاً في إعلان القوة القاهرة لبعض منشآت النفط في المنطقة، ما أدى إلى خفض الإنتاج وزيادة الضغوط على الأسواق العالمية.
الأردن.. تقشف حكومي
أصدر رئيس الوزراء الأردني جعفر حسّان، الإثنين، إعلاناً عاماً يقضي بترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق في جميع المؤسسات الحكومية والدّوائر الرسمية والهيئات العامة، في ظل الظروف الراهنة.
وجاء هذا القرار نتيجة تأثيرات حرب إيران على الأردن، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية مع استمرار تعطل مضيق هرمز، وسط مخاوف من استمرار النزاع لفترة أطول.
وينص الإعلان على منع استخدام المركبات الحكومية إلا للأغراض الرسمية وخلال أوقات الدوام، وإلغاء جميع الموافقات والاستثناءات السابقة بهذا الخصوص. كما تقرر إيقاف سفر الوفود واللجان الرسمية إلى الخارج لمدة شهرين، إلا للضرورة القصوى وبموافقة مسبقة من رئيس الوزراء، وإيقاف استضافة الوفود الرسمية والحد من نفقات المآدب الرسمية لنفس الفترة.
وأشار الإعلان أيضاً إلى منع استخدام المكيّفات ووسائل التدفئة الأخرى في الوزارات والمؤسسات العامة والدّوائر الحكومية، ضمن الإجراءات الرامية إلى ترشيد الاستهلاك وتخفيض الإنفاق.
مصر.. إغلاق مبكر
بدأت مصر الأسبوع الجاري تطبيق الإغلاق المبكر في التاسعة مساء لأغلب المحال والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي يومياً باستثناء الخميس والجمعة في 10مساء، عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات والمنشآت السياحية، في خطة لترشيد استهلاك الطاقة لتقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط، حسب الحكومة المصرية.
ورفعت الحكومة المصرية، الجمعة، أسعار القطارات ومترو الأنفاق بنسب وصلت إلى 25 في المائة، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.
كما تُطبِّق الحكومة المصرية “خطة ترشيد” تشمل “خفض إضاءة الأعمدة في الشوارع، وإيقاف إنارة الإعلانات على الطرق العامة، وغلق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية (شرق القاهرة) بالكامل في تمام الساعة السادسة مساءً؛ وذلك لتخفيف الضغوط على المواد البترولية المُستخدَمة في توليد الطاقة، تجنباً لحدوث انقطاعات في التيار الكهربائي”.
ولوَّح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، بـ”اتخاذ إجراءات استثنائية (تدريجية) حال استمرار حرب إيران”. وقال في تصريحات، السبت، إنه “حال استمرار الأزمة لفترة أطول سنضطر للجوء إلى مستوى آخر من القرارات الأكثر شدة من أجل تحقيق ترشيد أكبر لإنفاقنا”. وأوضح أن “هذا التدرج يهدف لمنح مساحة للاستمرار بالمنوال الحالي لأطول فترة ممكنة، على أمل توقف الحرب الإيرانية وعودة الأمور لطبيعتها”.
