كيف يمكن تخفيف فاتورة الاستيراد وسط الضغوط العالمية؟

الثورة السورية – ميساء العلي

في ظل التحديات الاقتصادية العالمية والاعتماد على الواردات لتأمين الاحتياجات الأساسية، تواجه سوريا ضغوطاً مستمرة على ميزانها التجاري وقيمة عملتها المحلية. ومع ارتفاع فاتورة الاستيراد، يصبح الإنتاج المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي أولوية اقتصادية عاجلة، إذ يمثل خفض الاعتماد على الواردات خطوة استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي، وتشغيل القطاعات الإنتاجية، وإعادة التوازن للنظام الاقتصادي الوطني.

ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية في ضوء الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية الإنتاجية خلال السنوات الماضية، وتراجع مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي الإجمالي. وفي المقابل، ارتفع الاعتماد على الواردات التي شملت مواد أساسية مثل الغذاء والدواء والمشتقات النفطية، ما أدى إلى ضغوط متواصلة على سعر صرف الليرة وارتفاع مستويات التضخم.

وبذلك، باتت سوريا اليوم أمام اختبار حقيقي يتمثل في خفض فاتورة الاستيراد من خلال إحلال المنتجات المحلية محل المستوردة، أي عبر تفعيل الإنتاج الوطني بما يسهم في خلق فرص عمل، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم استقرار العملة المحلية.

ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، لصحيفة “الثورة السورية”، إن التقديرات، في ظل غياب الإحصائيات الرسمية، تبرز أن فاتورة الاستيراد السورية ضخمة جداً مقارنة بحجم الصادرات، ما يعكس فجوة تجارية كبيرة وخللاً عميقاً في بنية الاقتصاد.

وأضاف رحال أن مسألة الاستيراد تعود إلى الواجهة في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، خصوصاً في الخليج، إلا أن الوضع الحالي يختلف، إذ تشير المعطيات إلى نموذج اقتصادي أصبح مكشوفاً أمام أي صدمة خارجية، أي أن ذلك لا يعكس خللاً مؤقتاً.

طبيعة المستوردات

أشار الخبير الاقتصادي إلى أن المشكلة تكمن في طبيعة فاتورة الاستيراد أكثر من حجمها. فجزء كبير من المستوردات يذهب إلى سلع استهلاكية، تتراوح من بضائع منخفضة التكلفة إلى سيارات تُقدّر وارداتها وحدها بمليارات الدولارات، بينما تبقى نسبة المستوردات الموجهة للإنتاج محدودة. وهذا يعني أن الاقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، ويستورد أكثر مما يعيد تصديره أو تصنيعه.

وأوضح أن قطاع الطاقة يعد من أبرز مصادر الضغط على الاقتصاد، إذ تعتمد سوريا اليوم على الاستيراد لتغطية نحو 70 بالمئة من احتياجاتها من المشتقات النفطية، ما يجعلها شديدة التأثر بأي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع الأسعار العالمية، وهو سيناريو مرجح في ظل أي تصعيد إقليمي، خصوصاً في الخليج. وينطبق هذا الوضع بدرجات متفاوتة أيضاً على الغذاء والمواد الأولية.

وسط هذا الواقع الاقتصادي، تبرز فرصة جديدة تستحق الاهتمام: ماذا لو اعتُبرت فاتورة الاستيراد وسيلة لإعادة توجيه الاقتصاد، بدل أن تكون عبئاً مالياً؟

الأرقام تقدم إجابة واضحة، وفق رحال، فخفض فاتورة الاستيراد بنسبة 10 بالمئة فقط، بناء على تقدير الفاتورة عند 60 مليار دولار، يعني توفير نحو ستة مليارات دولار سنوياً، بينما يؤدي تقليصها بنسبة 20 بالمئة إلى رفع هذا الرقم إلى 12 مليار دولار. وإذا ما أعيد توجيه هذه المبالغ لدعم الإنتاج المحلي، يمكن أن يحدث فرقاً ملموساً في قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة.

الزراعة أولاً

يرى رحال أنه في الزراعة، ورغم كل التحديات، لا تزال هناك إمكانية واقعية لرفع الإنتاج في محاصيل أساسية، ما يخفف من استيراد الغذاء ويعزز الأمن الغذائي، وفي الصناعة، يمكن لإحلال جزء من السلع المستوردة حتى بنسبة 20 أو 30 بالمئة أن يفتح المجال أمام تشغيل منشآت متوقفة وخلق فرص عمل جديدة، دون الحاجة إلى استثمارات هائلة بقدر الحاجة إلى بيئة تشغيل مستقرة.

الأهم من ذلك، بحسب رحال، أن جزءاً كبيراً من هذه المعالجة لا يحتاج إلى قرارات جذرية بقدر ما يتطلب وضوحاً في الأولويات: ما الذي يجب إنتاجه محلياً؟ وما الذي يظل من الضروري استيراده؟ وكيف يمكن توجيه القطع الأجنبي لدعم الإنتاج بدلاً من استنزافه في الاستهلاك؟

وفي ظل التوترات الإقليمية، يزداد هذا السؤال إلحاحاً، إذ إن أي اضطراب في سلاسل التوريد أو أسعار الطاقة لن يؤثر فقط على الأسعار، بل على القدرة الفعلية للاقتصاد على الاستمرار.

وشدد رحال على أن فاتورة الاستيراد في سوريا تجاوزت كونها مجرد بند في الميزان التجاري، لتصبح مؤشراً واضحاً على مستوى الاستقلال الاقتصادي، وكل انخفاض فيها، حتى لو تدريجياً، يمثل خطوة نحو اقتصاد أكثر توازناً وقادر على الصمود.

شارك