تشهد أسواق الطاقة الأوروبية تحولاً جذرياً في طريقة إدارة مخزونات الغاز الطبيعي، بفعل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، وما تسببه من اضطراب في الإمدادات وارتفاع مستويات عدم اليقين قبل الشتاء.
هذا الواقع الجديد دفع السوق إلى الابتعاد عن القواعد التجارية التقليدية التي كانت تعتمد على فروقات الأسعار الموسمية.
من الربحية إلى الأمن الطاقي
ويؤكد خبراء الطاقة أن تخزين الغاز لم يعد يُدار وفق الفارق السعري بين الصيف والشتاء، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بأمن الإمدادات.
وفي تصريح لشبكة “سي إن إن” اليوم الأحد، تشير الباحثة في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة كاتيا يافيمافا إلى أن اندلاع الحرب في شباط الماضي قلب المعادلة، إذ تحوّل الفارق السعري إلى سلبي في بعض الفترات، ما أضعف الحافز التجاري للتخزين.
وتوضح أن عودة الفارق إلى الإيجابية لاحقاً لم تكن نتيجة تحسن طبيعي، بل بفعل عوامل استثنائية، أبرزها تغيّر أهداف التخزين الأوروبية وتوقعات استمرار التوترات الجيوسياسية.
تحديات التخزين في أوروبا
وتواجه دول الاتحاد الأوروبي تحدياً كبيراً يتمثل في ضرورة إضافة نحو 45 مليار متر مكعب من الغاز للوصول إلى مستويات التخزين المستهدفة قبل الشتاء، وسط منافسة شديدة مع الأسواق الآسيوية على شحنات الغاز الطبيعي المسال.
وتزيد اضطرابات الإمدادات من مناطق إنتاج رئيسية من حدة التنافس، ما ينعكس مباشرة على قدرة أوروبا على ملء مخزوناتها في الوقت المناسب.
اختلال الأسواق وتغير سلوك الشركات
وتشير تحليلات السوق إلى أن الشركات الأوروبية تتبنى حالياً نهجاً أكثر حذراً، إذ تؤجل عمليات الحقن بسبب ارتفاع الأسعار وضعف الفارق السعري بين الصيف والشتاء.
ويعكس هذا السلوك حالة من التردد في ظل غياب رؤية واضحة لمسار الإمدادات خلال الأشهر المقبلة، كما تحتاج أوروبا إلى كميات كبيرة من الغاز خلال الصيف لضمان بلوغ مستويات التخزين الإلزامية، في وقت يبقى فيه الطلب العالمي على الغاز المسال مرتفعاً.
الغاز المسال في قلب المعادلة
وأصبح الغاز الطبيعي المسال محورياً في موازنة العرض والطلب في أوروبا، مع تزايد الاعتماد عليه لتعويض تراجع الإمدادات عبر الأنابيب، غير أن هذا الاعتماد يضع القارة في منافسة مباشرة مع آسيا، ما يجعل أي اضطراب إضافي عاملاً مؤثراً في الأسعار.
ويرى خبراء أن استمرار التوترات الجيوسياسية، وخصوصاً في ممرات الإمداد الحيوية، يزيد هشاشة خطط التخزين الأوروبية.
المشهد المستقبلي
وتتفق التقديرات على أن قدرة أوروبا على تجاوز أزمة التخزين ستظل رهناً بتطورات المشهد الجيوسياسي واستقرار تدفقات الطاقة العالمية، أما في حال استمرار الاضطرابات فقد تواجه القارة صعوبات كبيرة في تأمين احتياجاتها خلال ذروة الطلب الشتوي، ما يضع أمن الطاقة الأوروبي أمام اختبار غير مسبوق.
وأدخلت الحرب في الشرق الأوسط سوق الغاز الأوروبي مرحلة إعادة تشكيل شاملة، لم تعد فيها الأسعار وحدها المحرك الأساسي، بل أصبحت اعتبارات الأمن الطاقي والاستقرار الجيوسياسي هي العامل الحاسم في رسم سياسات التخزين خلال المرحلة المقبلة.
