في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وما تفرضه من ضغوط متزايدة على الاقتصاد العالمي، تبرز مخاوف جدية من انعكاسات ما يُعرف بـ”الصدمة الثلاثية” على الاقتصادات الهشّة، وفي مقدمتها سوريا. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتباطؤ النمو العالمي جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، يجد الاقتصاد السوري نفسه أمام اختبار جديد يطرح تساؤلات حول قدرته على الصمود في مواجهة موجة ضغوط متسارعة تتجاوز حدوده الداخلية.
وحذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير، الإثنين، من انزلاق أكثر من 32 مليون شخص حول العالم إلى براثن الفقر، جراء التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية، متوقعاً أن تكون الدول النامية الأكثر تضرراً.
ووسط شكوك حول هشاشة وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ذكر البرنامج أن العالم يواجه ما وصفه بـ”الصدمة الثلاثية” التي تشمل الطاقة والغذاء وضعف النمو الاقتصادي.
وأوضحت الوكالة المعنية بمكافحة الفقر أن الصراع يُقوّض المكاسب التي تحققت في مسار التنمية الدولية، ومن المتوقع أن يكون تأثيره متفاوتاً بين المناطق.
وبعد عرض ثلاثة سيناريوهات للحرب، خلص البرنامج إلى أنه في أسوأ الحالات – التي تتضمن ستة أسابيع من التعطيل الكبير لإنتاج النفط والغاز، وثمانية أشهر من ارتفاع التكاليف المستمر – سيقع ما يصل إلى 32.5 مليون شخص حول العالم في براثن الفقر.
واستخدم التقرير خط الفقر المخصص لذوي الدخل المتوسط الأعلى، وهو معيار دولي يُحسب وفق البنك الدولي، ويُعرّف بأنه دخل يقل عن 8.30 دولارات للفرد يومياً.
وأشار التقرير إلى أن الدول الغنية تبدو في وضع أفضل للتخفيف من تداعيات الحرب، بينما تواجه دول الجنوب العالمي وضعاً أكثر هشاشة، وتتعرض بالفعل لقيود مالية شديدة.
قطاعات متأثرة
ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد خلال الأسابيع الستة للحرب الإيرانية، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز إلى انقطاع إمدادات النفط والغاز عن الاقتصاد العالمي. ومع ما ترتب على ذلك من آثار سلبية على إمدادات الأسمدة والشحن العالمي، وسط تحذيرات من أن “قنبلة موقوتة” تهدد الأمن الغذائي في العالم النامي.
وقال مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ألكسندر دي كرو: “سنشهد أثراً طويل الأمد، لا سيما في الدول الأفقر، حيث يُدفع الناس إلى براثن الفقر مجدداً. هذا هو الجانب الأكثر إيلاماً. فالذين يُدفعون إلى الفقر غالباً ما يكونون هم أنفسهم الذين كانوا يعيشون في فقر، ثم خرجوا منه، والآن يُدفعون إليه من جديد”.
ورأى الخبير الاقتصادي الدكتور جمعة حجازي، أن تداعيات الحرب تجاوزت التأثير المباشر، وأطلقت سلسلة من الارتدادات الاقتصادية المتزامنة التي تضرب بنية الاقتصاد من عدة اتجاهات في وقت واحد.
وأوضح حجازي لصحيفة “الثورة السورية”، أن أولى هذه التأثيرات تظهر في قطاع الطاقة، حيث يؤدي أي اضطراب في الإمدادات إلى تراجع إنتاج الكهرباء وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل فوري.
وأضاف أن التجارة الخارجية تمثل نقطة ضعف رئيسة، في ظل تعقّد طرق النقل وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع وتوافرها في الأسواق.
ومن أبرز المخاطر التي أشار إليها حجازي تسارع معدلات التضخم، خاصة مع ارتفاع تكاليف الاستيراد، ما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر.
وأكد أن هذه التطورات ستضع شريحة واسعة من السكان تحت ضغوط معيشية قاسية، وهو ما يتماشى مع التحذيرات الدولية من اتساع رقعة الفقر.
أما على صعيد السوق النقدية، فقد يؤدي تزايد الطلب على العملات الأجنبية إلى تراجع قيمة العملة المحلية ويزيد من حالة عدم الاستقرار.
الاستثمار تحت ضغط عدم اليقين
لفت الخبير حجازي إلى أن بيئة الاستثمار في مثل هذا الوضع تصبح أكثر هشاشة في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية، حيث تميل رؤوس الأموال إلى التريث أو الانسحاب، ما يؤدي إلى تأجيل المشاريع وتراجع النشاط الاقتصادي.
وحذر من أن استمرار التصعيد قد يدفع الاقتصاد من مرحلة التباطؤ إلى مرحلة أكثر خطورة، تتسم بارتفاع معدلات البطالة وتراجع الإنتاج.
كما تطرق حجازي إلى تأثير الأزمة على ملف عودة اللاجئين، مشيراً إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية يقلل من فرص العودة، وقد يدفع بعض العائدين إلى المغادرة مجدداً.
وأشار أن مستقبل الاقتصاد السوري يبقى مفتوحاً على سيناريوهات عدة، تتراوح بين احتواء محدود للأزمة في حال تهدئة التصعيد، وبين سيناريوهات أكثر خطورة في حال استمرار النزاع أو اتساع نطاقه.
وشدد حجازي على أن العبء الأكبر سيقع على كاهل المواطن، في ظل اقتصاد يعاني أصلاً من اختلالات هيكلية عميقة، ما يجعل أي صدمة إضافية كفيلة بتفاقم الوضع الإنساني بشكل كبير.
وأضاف أن المعطيات الواردة في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشير إلى مرحلة اقتصادية دقيقة تمر بها المنطقة والعالم، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية لتنتج واقعاً معقداً.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحّة إلى اعتماد سياسات اقتصادية مرنة وإصلاحات هيكلية عميقة قادرة على امتصاص الصدمات وتعزيز القدرة على التكيف، خاصة في الدول الهشة مثل سوريا، وفق حجازي، الذي شدد على أن العامل الحاسم يتمثل في القدرة على التحرك السريع والفعّال لتجنب الأسوأ وتحويل التحديات إلى فرص ممكنة للنهوض الاقتصادي.
تأثير مباشر
قال مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن “صراعاً كهذا يُعد تراجعاً للتنمية، وحتى في حال توقف الحرب ووقف إطلاق النار -وهو موضع ترحيب كبير – فإن آثار الصراع ستظل قائمة بالفعل”.
كما صرّح رئيس صندوق النقد الدولي بأن “الآثار المدمرة” للحرب قد تترك ضرراً دائماً بالاقتصاد العالمي، حتى في حال انتهائها.
ورأى رجل الأعمال فيصل عطري، أن سوريا تقع ضمن واحدة من أكثر المناطق عرضة لتداعيات هذه الأزمة، وتواجه مخاطر اقتصادية مرتفعة نتيجة موقعها الجغرافي وطبيعة ارتباطها بالاقتصاد الإقليمي.
وبحسب عطري، فإن السيناريوهات التي يطرحها التقرير تشير إلى احتمال انكماش الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة بنسبة تتراوح بين 5.2 بالمئة و8.7 بالمئة، مع خسائر إقليمية قد تصل إلى 194 مليار دولار. ويترتب على ذلك فقدان عشرات الآلاف من فرص العمل، إلى جانب ارتفاع حاد في أسعار الوقود والغذاء والأدوية.
وقال عطري لصحيفة “الثورة السورية”، إن تعطّل سلاسل الإمداد، خاصة في مجالي الغاز والكهرباء، سيزيد من الضغوط على الاقتصاد السوري، في وقت تعاني فيه البلاد أساساً من تحديات هيكلية عميقة. كما أن تراجع الاستثمارات الخارجية والمساعدات، خصوصاً من دول الخليج، سيحدّ من قدرة الاقتصاد على التعافي.
وتوقع عطري أن تمتد التأثيرت إلى البعد الاجتماعي، بما في ذلك ارتفاع معدلات الفقر في سوريا بنحو 5 بالمئة، ما يعني انضمام ما بين 2.85 و3.3 ملايين شخص إضافي إلى دائرة الفقر.
كما أشار إلى أن احتمالات تدفق العائدين من لبنان أو عودة اللاجئين ستفرض ضغوطاً إضافية على الخدمات العامة والبنية التحتية، ما قد يؤدي إلى زيادة التوترات الاجتماعية وتعميق الفجوات الاقتصادية، فضلاً عن تهديد الاستقرار.
إصلاحات اقتصادية
في تقريره الذي نُشر بالتزامن مع اجتماع قادة العالم في واشنطن لحضور اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي، أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ضرورة وجود استجابة عالمية لدعم الدول الأكثر تضرراً من التداعيات الاقتصادية.
وأشار البرنامج إلى الحاجة لتحويلات نقدية موجهة ومؤقتة لحماية الأسر الأكثر ضعفاً في الدول النامية، بتكلفة تُقدّر بنحو ستة مليارات دولار للتخفيف من آثار الصدمات على من يعيشون تحت خط الفقر.
وقال دي كرو: إن الوكالات الدولية وبنوك التنمية يمكنها تقديم الدعم المالي، مضيفاً: “هناك عائد اقتصادي إيجابي من تقديم تحويلات نقدية قصيرة الأجل لتجنب عودة الناس إلى الفقر”. ويمكن أن تشمل التدخلات البديلة إعانات مؤقتة أو قسائم للكهرباء أو غاز الطهي.
وفي هذا الإطار، دعا عطري إلى تبني نموذج حكومي قائم على الكفاءة والخبرة، وتنفيذ إصلاحات هيكلية عاجلة، تشمل تعزيز الحوكمة والشفافية وإطلاق مصالحة مجتمعية شاملة، وتبسيط الإجراءات الاستثمارية ومنح إعفاءات للمواد الأولية.
كما شدد على ضرورة دعم الإنتاج المحلي، خاصة في القطاعين الزراعي والصناعي، وتنويع مصادر الطاقة عبر الاستثمار في الطاقة المتجددة، إضافة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي بعيداً عن الاعتبارات السياسية.
ورأى عطري أن هذه الأزمة، رغم خطورتها، قد تشكل فرصة لإعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس حديثة، إذا تم التعامل معها برؤية إصلاحية شاملة.
