ارتفاع الأسعار بعد منع الاستيراد.. الفروج في معادلة التوازن بين المنتج والمستهلك

تتداخل عوامل العرض والطلب والسياسات التجارية في تشكيل واقع سوق منتجات الفروج، حيث ينعكس أي تغيير في إجراءات الاستيراد أو الدعم مباشرة على الأسعار. وبين محاولات حماية الإنتاج المحلي وضبط الأسواق من جهة، وتذبذب الكلف ومحدودية المعروض من جهة أخرى، يبرز قطاع الدواجن كأحد أكثر القطاعات حساسية للتقلبات الاقتصادية، ما يفتح النقاش حول آليات تحقيق التوازن بين مصلحة المنتج واستقرار السوق والأسعار.

وشهدت أسعار منتجات الفروج في السوق المحلية ارتفاعاً، بعد صدور قرار منع استيرادها.

ووفقاً لما رصدته صحيفة “الثورة السورية” في الأسواق، فقد ارتفع سعر كيلوغرام الفروج الحي من 200 ليرة جديدة (20 ألف ليرة قديمة) إلى 230 ليرة (23 ألف ليرة قديمة)، بينما تراوح سعر كيلوغرام الفروج المنظف بين 260 و300 ليرة (26–30 ألف ليرة قديمة).

كما شهدت أسعار أجزاء الفروج ارتفاعاً ليتراوح كيلوغرام الفخذ بين 290 و320 ليرة (29–32 ألف ليرة قديمة)، بعد أن كان بحدود 250 ليرة (25 ألف ليرة قديمة)، في حين ارتفعت أسعار الجوانح من 180 ليرة (18 ألف ليرة قديمة) لتتراوح حالياً بين 200 و240 ليرة (20–24 ألف ليرة قديمة)، وبلغ سعر كيلوغرام الشرحات نحو 490 ليرة جديدة (49 ألف ليرة قديمة).

وتنعكس هذه الزيادات على القدرة الشرائية للمواطن وإمكانية حصوله على منتجات الدواجن بأسعار مناسبة، رغم أن قرار منع الاستيراد يهدف إلى دعم المنتج المحلي. وهنا يبرز التساؤل حول كيفية تحقيق التوازن بين مصلحة المستهلك والمنتج في آنٍ معاً.

اضطراب الإنتاج

أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير، أواخر الشهر الماضي، قراراً بمنع استيراد عدد من المنتجات الزراعية خلال فترات محددة من العام الحالي، استناداً إلى الروزنامة الزراعية المعتمدة، وفي إطار متابعة واقع الأسواق المحلية وحماية المنتج الوطني. ونصّ القرار على منع استيراد بيض الطعام والفروج الطازج والمجمّد وأجزائهما.

وجاء القرار بعد فترة سماح بالاستيراد امتدت من 10 رمضان حتى نهاية الشهر الماضي، بالتزامن مع حملة مقاطعة شعبية للفروج ومنتجاته، على خلفية الارتفاع الملحوظ في الأسعار، التي انخفضت تدريجياً قبل أن تعاود ارتفاعها بعد قرار منع الاستيراد.

ويرى رئيس لجنة الدواجن المركزية في اتحاد غرف الزراعة السورية نزار سعد الدين، أن سياسات استيراد الدواجن، خاصة الفروج الحي، أحدثت اضطراباً ملحوظاً في السوق المحلية وأثرت سلباً على المنتجين المحليين، موضحاً أن الهدف المعلن من الاستيراد، وهو تخفيض الأسعار للمستهلك، لم يتحقق بالصورة المرجوة، بل أدى إلى تراجع كبير في الإنتاج المحلي.

وأوضح سعد الدين لصحيفة “الثورة السورية” أن السوق شهدت في وقت سابق “كبت إنتاج” دفع المربين إلى بيع منتجاتهم لأشهر عدة دون تغطية الكلفة، ما أدى إلى خسائر فادحة. وفي شهر رمضان حدثت “فجوة” في المعروض، ما استدعى استيراد “الفروج الحي الريش”، مشيراً إلى أن أسعار المستورد كانت “أرخص من تكلفة المنتج المحلي”، ما زاد الضغط على المربين وأدى إلى تكبدهم خسائر كبيرة.

وأضاف أن سياسة الاستيراد الحالية لا تعيد التوازن إلى السوق، وتضغط على المنتجين بشكل كبير، موضحاً أنه عند الاستيراد بهدف إعادة التوازن يجب فتح سوق موازٍ، وليس طرح مادة أرخص تؤدي إلى إضعاف المنتجين.

وأكد أن الأسعار الحالية “لم ترتفع” من منظور المربي، الذي لا يزال يبيع على الكلفة أو دونها بنسبة تصل إلى 10 بالمئة.

وأشار إلى مشكلة “عادة المستهلك” في شراء الدجاج بأسعار منخفضة في فترات سابقة، وعند ارتفاعها قليلاً يواجه ذلك اعتراضاً، ما يدفعه للمقارنة مع أسعار الخضروات المرتفعة مثل الكوسا وورق العنب، وهو ما ينعكس على قرارات الشراء.

وتساءل سعد الدين عن جدوى استيراد الفروج الحي، خاصة في شهر رمضان، مشيراً إلى أن المستوردين باعوا منتجاتهم بالأسعار نفسها في السوق دون نقل فارق السعر إلى المستهلك، ما يعني تحقيق أرباح إضافية على حساب المنتج المحلي.

وأكد أن الإنتاج المحلي كافٍ لتغطية السوق، لكن المشكلة تكمن في سياسات الاستيراد التي تفتقر إلى رؤية واضحة لدعم المنتج الوطني.

تقلبات في مصلحة التجار

من جهته، يرى أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة، أن أسعار الدواجن تشهد تقلبات مستمرة تصب غالباً في مصلحة التجار على حساب المستهلك، نتيجة قرارات غير مدروسة وتخبط في السياسات.

وأوضح حبزة لصحيفة “الثورة السورية”، أن منع استيراد الفروج أو أجزائه يؤدي إلى ارتفاع فوري في الأسعار قد يصل إلى 3 بالمئة، ما يعكس غياب الدراسة الواقعية للسوق.

وأشار إلى أنه في الفترات التي سُمح فيها بالاستيراد، انخفضت الأسعار بشكل ملحوظ، إلا أن ذلك أدى إلى عزوف بعض المربين عن الإنتاج وخلق فجوة في المعروض لاحقاً.

واعتبر أن غياب التنسيق بين الجهات المعنية، مثل وزارتي الزراعة والاقتصاد والجمارك، هو سبب رئيسي في هذه الاضطرابات، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار عند وقف الاستيراد، ويمنح المنتجين مبرراً لرفع الأسعار.

واقترح حبزة تقصير دورة تربية الدواجن إلى 30 يوماً بدلاً من 45 يوماً، مع توعية المستهلك بقبول أحجام أصغر، إضافة إلى تنظيم طرح الإنتاج في الأسواق عبر توزيع دورات الإنتاج زمنياً بإشراف حكومي، بما يضمن توازن العرض والطلب. كما دعا إلى فتح الاستيراد بشكل مدروس ومؤقت عند وجود نقص فعلي، وليس بشكل عشوائي.

وأكد أن ارتفاع أسعار البدائل الغذائية مثل اللحوم الحمراء والخضروات والفواكه يدفع المستهلكين إلى الاعتماد أكثر على الدواجن، ما يزيد الطلب ويرفع الأسعار. كما انتقد غياب سياسة تصديرية واضحة، مشيراً إلى تصدير منتجات تحتاجها السوق المحلية، ما يخلّ بالتوازن ويزيد من معاناة المستهلك.

التوازن المفقود

بدوره، اعتبر أمين سر غرفة صناعة حمص سابقاً عصام تيزيني، أن قرارات منع استيراد السلع الغذائية الأساسية تثير تساؤلات حول التوازن بين حماية المنتج المحلي وحماية المستهلك، متسائلاً عن حق المستهلك في الحصول على هذه المواد بأسعار مناسبة.

وقال تيزيني لصحيفة “الثورة السورية”، إن الزراعة اليوم أصبحت استثماراً اقتصادياً يجب دعمه، لكن دون إلزام المستهلك بمنتجات محددة، بل عبر إتاحة البدائل وترك حرية الاختيار له.

وأضاف أن الحماية يجب أن تركز على المستهلك، مشدداً على أن الحل يكمن في تعزيز المنافسة لا المنع، الذي يؤدي إلى الاحتكار وارتفاع الأسعار.

ورأى أن سياسات المنع تزيد من الأعباء الاقتصادية على المواطنين، داعياً إلى تحقيق توازن يضمن مصلحة كل من المنتج والمستهلك.

شارك