تحصيل الرسوم الحكومية بالعملة الجديدة.. توسيع التداول يواجه شحّ السيولة

في إطار توجهات ترمي إلى تعزيز حضور العملة الجديدة في التداول وتسريع وتيرة الاستبدال النقدي، تعمل الحكومة على تحصيل الرسوم بالليرة السورية الجديدة، وسط تباين في التفاعل الشعبي والاقتصادي. ومع تداخل عوامل ترتبط بواقع السيولة وتعدد قنوات الدفع وآليات الصرف، تتزايد التساؤلات حول انعكاسات هذه الخطوة على سير المعاملات اليومية، ومدى قدرتها على دعم الاستقرار النقدي وتخفيف التعقيدات الناجمة عن تعدد الصيغ النقدية المتداولة في السوق.

وخلال شهر نيسان الماضي، أصدرت العديد من الجهات الحكومية قرارات تقضي بحصر تسلّم الرسوم بالليرة السورية الجديدة حصراً.

وأوضح مدير فرع مصرف سوريا المركزي في حلب، هشام حسين، لصحيفة “الثورة السورية”، أن الاعتماد على العملة الجديدة في المعاملات الحكومية من شأنه زيادة ضخها في السوق، وبالتالي تسريع عملية الاستبدال النقدي.

وأكد حسين أن الدوائر الحكومية التي تتقاضى رسومها بالليرة الجديدة أسهمت في زيادة توفير العملة الجديدة في السوق.

في المقابل، رأت شريحة من المواطنين أن من المبكر تقييد المعاملات بالعملة الجديدة، ولا سيما في ظل شكاوى واسعة من محدودية توفرها، بما لا يتيح تطبيق هذه الخطوات بسهولة في الوقت الراهن.

وقال مضر حاج خالد، سائق خط خارجي في حلب، لصحيفة “الثورة السورية”، إن الإيصالات اليومية في حلب والشهرية في إدلب باتت تُستوفى بالليرة السورية الجديدة حصراً، مشيراً إلى أن المبالغ التي يدفعها السائق يتقاضاها من الركاب أساساً، في حين يدفع معظم الركاب بالليرة القديمة، ما يفرض عليه التوجه إلى الصرافين للاستبدال.

وأضاف: “ندعم العملة الجديدة، لكن هناك مشاكل لم تُحلّ حتى اللحظة، من بينها نقص السيولة في العملة الجديدة، واعتماد سكان الشمال على الليرة التركية حتى الآن، وهو ما جعل العملة الجديدة محصورة عملياً بيد موظفي الدولة فقط، لكونهم يتقاضون رواتبهم بها”.

وكان مصرف سوريا المركزي قد أصدر قراراً يقضي بتمديد مهلة استبدال العملة لمدة 30 يوماً إضافية، اعتباراً من الأول من حزيران 2026.

احتياجات السوق

أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية، في وقت سابق من الشهر الحالي، أن عملية استبدال العملة تسير بوتيرة متسارعة تفوق التوقعات، مشيراً إلى استبدال ما يعادل 56 بالمئة منها حتى الآن.

وتُقدّر الكتلة النقدية بنحو 14 مليار قطعة نقدية، تقارب قيمتها 42 تريليون ليرة قديمة.

ويشتكي صرّافون من أن الكميات المسلّمة من الليرة الجديدة لا تكفي احتياجات السوق، لا سيما في المدن الكبيرة ذات الكثافة السكانية مثل حلب، وفقاً لرؤى الصفدي، صاحبة مكتب للصرافة في حلب.

وأضافت الصفدي لصحيفة “الثورة السورية”: “الكتل النقدية من العملة الجديدة التي نحصل عليها من المصرف المركزي كبيرة نسبياً، لكنها باتت غير كافية لعمليات الاستبدال، خصوصاً في أيام الذروة التي تُصرف فيها رواتب الموظفين. الجميع يريد أمواله بالليرة الجديدة. والآن نحن على موعد مع توفير كميات أكبر من العملة الجديدة في النصف الثاني من العام الجاري، والهدف بالمقام الأول تسريع عملية الاستبدال ودعم الليرة الجديدة وتمكينها في السوق”.

في حين اعتبر رياض مللي، صاحب مكتب صرافة في حلب، أن الخطوات الحكومية الأخيرة وحصر كثير من الرسوم بالعملة الجديدة أسهما في زيادة الطلب، وهو ما شكّل ضغطاً كبيراً على مكاتب الصرافة، لافتاً إلى أن الكتل النقدية من العملة الجديدة يتم تسلّمها من المصرف المركزي صباح كل يوم، لكنها تنفد مع حلول الظهر، فيما يتحمّل الصرّافون وحدهم تبعات هذا الأمر.

بالمقابل، نفى مدير فرع مصرف سوريا المركزي في حلب وجود أي نقص في العملة الجديدة، مؤكداً أنها تُوزَّع على الصرافين المعتمدين بكميات كافية يومياً.

وأشار حسين إلى أن الكتلة النقدية من العملة الجديدة التي تُمنح للصرافين تكفي احتياجات السوق تقريباً، إلا أن بعض الصرافين يعملون على توجيه معظمها إلى شخص واحد، مثل صديق أو قريب، لافتاً إلى أن المصرف المركزي ينفذ جولات رقابية مكثفة لضبط هذا الأمر.

كما دعا إلى اعتماد مراكز البريد كبديل عن مكاتب الصرافة في حال تعذّر عمليات الاستبدال، مشيراً إلى أن مراكز البريد تتيح الحصول على العملة الجديدة في أي وقت، كما أن كلفة بعض خدمات السحب عبر تطبيق “شام كاش” في مؤسسات البريد تكون أقل مقارنة بالمكاتب.

وحول مسألة طلب الهوية عند عملية الاستبدال، أكد حسين أن الإجراء تنظيمي بحت وليس أمنياً، موضحاً أن تسجيل الأسماء يهدف إلى إحصاء حجم المبالغ التي جرى استبدالها.

استقرار نقدي تدريجي

بحسب الحصرية، تعد عملية الاستبدال ناجحة وفق المعايير المعتمدة، إذ تم خلال نحو أربعة أشهر الوصول إلى نسبة إنجاز مرتفعة، مع تدفقات يومية تراوحت بين 12 و13 مليار ليرة، ما يعكس استجابة المواطنين وثقتهم بالإجراءات المتخذة.

ورأى الخبير الاقتصادي مهران لبابيدي أن تحويل الرسوم الحكومية إلى الليرة الجديدة خطوة إيجابية على مسار الاستقرار، لا سيما أنها تسهم في زيادة طرح وتداول العملة الجديدة في السوق.

وأكد لبابيدي لصحيفة “الثورة السورية” أن زيادة طرح العملة الجديدة ستعزز مكانتها كعملة رئيسية مع تقليص دور العملة القديمة، بما يسرّع إنهاء حالة الارتباك الناتجة عن وجود أكثر من صيغة نقدية، مشيراً إلى أن ذلك ينعكس على استقرار نقدي تدريجي يبدأ بالحد من التضخم وتنظيم التداول النقدي، ويمهد لاستقرار سعر الصرف، وصولاً إلى تعزيز الثقة بالاقتصاد بما يشجع على الاستثمار المحلي.

أما على صعيد المواطن، فيرى لبابيدي أن تسريع عملية الاستبدال يسهم في تبسيط التعاملات اليومية وتقليل التكاليف عبر وضوح الحسابات، لافتاً إلى أن العملة الجديدة أكثر سهولة في التعامل والمحاسبة، وتخفف الحاجة إلى حمل كميات كبيرة من النقد.

ودعا لبابيدي المواطنين إلى التعامل مع هذا المسار بسلاسة أكبر، مؤكداً أنه سينعكس إيجاباً على المدى القريب، ويترافق مع تحسن تدريجي في البيئة النقدية والاقتصادية يسهّل إجراء المعاملات اليومية بسرعة أكبر.

الثورة السورية – حسان كنجو

شارك