ويأتي ذلك في إطار توجه يربط بين إعادة الإعمار وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد في قطاع يُعد من أكثر القطاعات حساسية وتضرراً، وفي الوقت ذاته من الأشد تأثيراً في مسار التعافي الاقتصادي.
وأكد وزير الطاقة محمد البشير، في كلمة خلال مشاركته بالمنتدى، الثلاثاء الماضي، أن سوريا دخلت مرحلة جديدة تتجه فيها نحو إعادة البناء والانفتاح الاقتصادي وتعزيز الشراكات الدولية، وتنظر إلى هذه المرحلة بوصفها فرصة لإعادة تعريف موقع البلاد كشريك فاعل ومركز إقليمي حيوي يسهم في أمن الطاقة الإقليمي والدولي، لافتاً إلى أن أبواب سوريا مفتوحة أمام الاستثمار المسؤول والشراكات طويلة الأمد.
وقال البشير إن رؤية سوريا تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية الوطنية، كما تمتد إلى تعزيز الترابط الطاقي الإقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يجعلها نقطة التقاء بين مناطق إنتاج الطاقة في الخليج والعراق وشرق المتوسط والأسواق الإقليمية والدولية.
ووجّه البشير رسالة إلى المستثمرين، قائلاً: أبواب سوريا مفتوحة أمام الاستثمار المسؤول والشراكات طويلة الأمد.
وأشار إلى أن سوريا تتطلع إلى العمل مع شركائها في الولايات المتحدة والعالم لبناء مستقبل أكثر أمناً واستدامة وازدهاراً في قطاع الطاقة.
مكاسب منتظرة
يتزامن انعقاد المنتدى العالمي للطاقة في واشنطن مع عودة عدد من كبرى شركات الطاقة العالمية إلى السوق السورية، وإطلاق مسارات تعاون وشراكات استراتيجية مع شركات أميركية، من بينها “شيفرون” و”كونوكو فيليبس” و”HKN Energy” و”GE Vernova”، إلى جانب مسارات تعاون ومباحثات مع شركات عالمية أخرى، بينها “سيمنس” و”توتال إنرجيز” و”إيني” الإيطالية، فضلاً عن شركات أوروبية ودولية مهتمة بالمساهمة في مشاريع الطاقة السورية.
وقال مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة أحمد السليمان، لصحيفة “الثورة السورية”، إن مشاركة سوريا في المنتدى تمثل فرصة مهمة لإعادة تقديم رؤية الدولة السورية لقطاع الطاقة أمام صناع القرار والخبراء والشركات العالمية، والتأكيد على انفتاح سوريا على التعاون والشراكات التي تخدم مصالحها الوطنية وتدعم جهود إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.
أما من الناحية العملية، فقد أتاحت المشاركة عقد سلسلة من اللقاءات الثنائية مع مسؤولين حكوميين ومؤسسات مالية وشركات دولية، جرى خلالها عرض الفرص الاستثمارية المتاحة في قطاع الطاقة السوري، وبحث آليات التعاون الفني والاستثماري، بما يسهم في تسريع وتيرة تطوير القطاع ورفع كفاءته خلال المرحلة المقبلة، وفق السليمان.
وأوضح أن وزارة الطاقة تنظر إلى هذه المشاركة باعتبارها خطوة ضمن مسار استراتيجي أوسع يهدف إلى إعادة دمج سوريا في منظومة التعاون الإقليمي والدولي في مجال الطاقة، مشيراً إلى أن أبرز المكاسب المتوقعة تتضمن تعزيز الثقة ببيئة الاستثمار في سوريا، وتوسيع شبكة العلاقات مع الشركاء الدوليين، واستقطاب الخبرات والتقنيات الحديثة، إضافة إلى فتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات النفط والغاز والكهرباء والطاقة المتجددة والبنية التحتية.
وأشار إلى أن هذه المشاركة تسهم أيضاً في إيصال رسالة واضحة بأن سوريا تمتلك مقومات مهمة تؤهلها للعب دور فاعل في مشاريع الطاقة الإقليمية مستقبلاً.
لقاءات فاعلة
عقد وزير الطاقة سلسلة لقاءات في واشنطن على هامش المنتدى العالمي للطاقة، شملت وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي جيم ريش، إلى جانب ممثلين عن شركات أميركية كبرى وقطاع الأعمال.
وركزت المباحثات على واقع قطاع الطاقة السوري واحتياجاته، وسبل تعزيز التعاون الثنائي، واستعراض الفرص الاستثمارية المتاحة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنفط والغاز والطاقة المتجددة، إضافة إلى بحث آليات جذب الاستثمارات وتطوير القدرات الفنية والتقنية ودعم جهود إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.
كما عقد البشير اجتماعاً مع رئيس شركة “HKN Energy” مارك رولينز، جرى خلاله بحث فرص التعاون والاستثمار في قطاع الطاقة وإعادة تأهيل البنية التحتية للنفط والغاز، فيما قدّم الوفد السوري عرضاً لرؤية وزارة الطاقة وخططها لتطوير القطاع وتحسين البيئة الاستثمارية واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.
وأكد السليمان أن هذه اللقاءات اتسمت بدرجة عالية من الإيجابية والانفتاح، وأضاف: “لمسنا اهتماماً متزايداً بالتعرف على احتياجات قطاع الطاقة السوري والفرص المتاحة فيه، إلى جانب رغبة حقيقية في استكشاف مجالات التعاون الممكنة خلال المرحلة المقبلة”.
وأوضح أن النقاشات ركزت على فرص الاستثمار في البنية التحتية للطاقة في جميع المجالات، وتطوير القدرات التقنية والمؤسسية. كما تم الاتفاق على استمرار التواصل الفني والمؤسسي ومتابعة عدد من الملفات والمبادرات التي يمكن أن تترجم إلى مشاريع تعاون عملية في المستقبل.
الرؤية الوطنية
تنسجم أجندة المنتدى مع الرؤية الوطنية السورية التي تنظر إلى الطاقة باعتبارها أحد أعمدة الأمن الاقتصادي والاستقرار الإقليمي، وفق ما قال البشير.
وأوضح السليمان أن الرؤية الوطنية لقطاع الطاقة تنطلق من أربعة محاور رئيسية تتمثل في: تعزيز أمن الطاقة، وإعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية، وتسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، وبناء شراكات استثمارية وتنموية مستدامة.
وأضاف أن هذه الرؤية تستند إلى دراسات واقعية لاحتياجات القطاع والإمكانات المتاحة، كما أنها تتضمن أهدافاً قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، بما يضمن قابلية التطبيق التدريجي وفق أولويات التنمية الوطنية. وتعمل الوزارة على تنفيذ هذه الرؤية من خلال برامج ومشاريع محددة، بالتعاون مع الشركاء المحليين والإقليميين والدوليين، وبما يحقق نتائج ملموسة للمواطن والاقتصاد الوطني.
شراكات إقليمية
أكد البشير أن سوريا اختارت أن تجعل من قطاع الطاقة بوابة رئيسة لانفتاحها على العالم، ونجحت خلال الأشهر الماضية في بناء شبكة واسعة من الشراكات مع شركات ومؤسسات دولية وإقليمية رائدة، في رسالة واضحة تؤكد أن البلاد عادت وجهة جاذبة للاستثمار.
وفي هذا الإطار، أوضح السليمان أن سوريا تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يربط بين عدة أسواق وممرات حيوية في المنطقة، وهو ما يمنحها مقومات مهمة لتكون جزءاً أساسياً من منظومة الطاقة الإقليمية.
وأشار إلى أن الوزارة تعمل على تطوير مشاريع الربط الإقليمي من خلال خطوط نقل النفط، وأيضاً خطوط نقل الكهرباء، وتعزيز شبكات النقل والتوزيع، وإعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة، وتوسيع مشاريع الطاقة، إلى جانب دراسة فرص التعاون الإقليمي في مجالات نقل الكهرباء والنفط والغاز وتبادل الطاقة.
وبحسب السليمان، تستند هذه الرؤية إلى بناء شراكات متوازنة تحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف، وتدعم استقرار إمدادات الطاقة في المنطقة، بما يعزز دور سوريا كممر وشريك موثوق يربط الشرق بالغرب في مشاريع الطاقة الإقليمية خلال السنوات القادمة.
