المسؤولية الوطنية.. محرك التغيير
يرى الخبير الاقتصادي مازن الشاهين أنه بالنظر إلى نافذة المستقبل المثقلة بتحديات إعادة الإعمار، لا يمكننا أن نتجاهل الدروس المجانية والملهمة التي قدّمتها التجربة التركية الرائدة في التعامل مع كوارثها، فهي ليست مجرد تجربة في صبّ الخرسانة وبناء الجدران، بل هي فلسفة كاملة في تحويل المأساة إلى فرصة للنهوض.
الشاهين يستعرض في حديثه لـ«الحرية» ملامح تجربة أنقرة على صعيد ما جرى من دمار بفعل الزلزال الذي ضربها منذ سنوات، فالدرس الأول والأهم الذي قدّمته أنقرة هو التعامل مع إعادة الإعمار كإسناد سيادي ومسؤولية وطنية عليا، فلم تترك الدولة المتضررين لقمة سائغة لآليات السوق أو العشوائية، بل تدخّلت بكل ثقلها لتوجيه البوصلة.
هذا النفس التنظيمي هو ما تحتاجه سوريا اليوم، فالبلاد لا تحتاج إلى حلول إسعافية أو ترميم عشوائي للأخطاء السابقة، بل تحتاج إلى رؤية مركزية تضع سلامة المواطن وكرامته في مقدمة الأولويات.
فالتجربة التركية، وفق ما ذكره الشاهين، اعتمدت خطوات ثلاثية وهي: السلامة، التخطيط، وجدوى الخدمات، فلم تكتفِ جهود الإعمار التركية بإعادة الحجارة كما كانت، بل أحدثت قفزة نوعية في ثلاثة مسارات رئيسية يجب أن تكون حجر الزاوية في أي خطة سورية مستقبلية:
ويشير الشاهين إلى أن هذه الخطوات تتجلّى في رفع معايير السلامة والأمان، لتبني اشتراطات هندسية صارمة مقاومة للكوارث، وهي خطوة نتاجها مدن آمنة مستدامة.
وفي الخطوة الثانية يبرز تحسين التخطيط العمراني، كاشفاً عن عمل مبرمج في التخلص من مفهوم التكديس السكاني وتطوير شبكات الطرق والمواصلات.
أما الثالثة فهي أنسنة المساحات العامة، حيث تمكنت تركيا كما بيّن الخبير الاقتصادي من دمج الخدمات الأساسية (التعليم، الصحة) مع المساحات الخضراء والحدائق التي تعيد الروح للحياة الاجتماعية.
تجربة تستحق أن نتمثلها
إن إعادة بناء المدن المدمرة بالحرب على ذات القواعد العشوائية القديمة هي خطيئة هندسية وإنسانية ثانية بحق السوريين، وفق رؤية الشاهين، مبيناً أن معادلة التنظيم العمراني تُشكّل التحدي السوري الأكبر.
وأضاف: «لنكن صريحين وواقعيين، إن إسقاط التجربة التركية على الواقع السوري يتطلب تفكيك «لغم» أساسي غاب عن المشهد التركي بسبب طبيعة الكارثة الطبيعية، وهو: لا لإعادة إنتاج العشوائيات، فقد كانت العشوائيات وأحزمة الفقر تحيط بالمدن السورية قبل 2011 وتفتقر لأدنى مقومات الحياة اللائقة، وإعمار سورية يجب أن يرفض منطق إعادة الشيء إلى أصله إذا كان الأصل مشوّهاً، نريد إعادة تنظيم عمراني ذكي وحديث».
ويختم الشاهين حديثه قائلاً: «إن الحجر يمكن تعويضه، والخطط يمكن رسمها على الورق في أي وقت، لكن نجاح التجربة التركية يعود في جوهره إلى سرعة إعادة التوازن لحياة البشر»، موضحاً أن التجربة التركية تستحق أن نتمثلها، فالتاريخ لن يرحم جيلاً أتيحت له فرصة إعادة بناء وطنه من الصفر، فاختار أن يعيد بناء أخطائه السابقة، لتكن إعادة الإعمار بوابة لسورية جديدة: منظمة، آمنة، وجامعة لكل أبنائها.
الحرية – عثمان الخلف:
