سوق دمشق للأوراق المالية.. مؤشرات النمو وتحديات السيولة

تشكل الأوراق المالية القابلة للتداول إحدى أهم الأدوات المالية التي تحرك عجلة الاقتصاد الحديث، فهي تلعب دوراً جوهرياً في توجيه المدخرات نحو الاستثمار، عبر ربط الأفراد الراغبين في زيادة أموالهم بالمؤسسات أو الشركات الباحثة عن تمويل لتوسيع مشروعاتها وزيادة إنتاجيتها، كما تسهم في تعزيز السيولة المالية داخل الاقتصاد، من خلال إتاحة عمليات البيع والشراء للأصول المالية بسهولة، بما يحافظ على دوران رأس المال ويدعم النشاط الاقتصادي.

وتمثل الأوراق المالية أدوات استثمارية تشمل الأسهم والسندات وشهادات الإيداع، وتتميز بدرجات متفاوتة من السيولة، أي القدرة على تحويلها إلى نقد بسرعة وبأقل تأثير ممكن في قيمتها السوقية. وتُعد السيولة أحد أهم مؤشرات قوة الأسواق المالية، إذ تتيح للمستثمر تنفيذ صفقات البيع والشراء والخروج من استثماراته بكفاءة، كما تساعد الشركات على الوفاء بالتزاماتها المالية والاستفادة من فرص النمو والتوسع.

وفي سوريا، تشكل سوق دمشق للأوراق المالية (البورصة)، التي تعمل تحت إشراف مباشر من هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، المنصة الرسمية للتداول، وتوفر إطاراً تنظيمياً لحماية المستثمرين. ورغم التحسن الملحوظ الذي سجلته مؤشرات السوق خلال النصف الأول من عام 2026، فإن القراءة التحليلية تكشف واقعاً مختلفاً، فقد أغلق مؤشر السوق العام (DWX) عند 144.5 ألف نقطة، محققاً نمواً بنسبة 4.77 بالمئة، فيما وصل مؤشر الأسهم القيادية (DLX) إلى 21.1 ألف نقطة، مرتفعاً بنسبة 29.50 بالمئة، كما ارتفع مؤشر الأسهم الإسلامية (DIX) إلى 2878 نقطة، مسجلاً زيادة قدرها 21.34 بالمئة، واستقرت القيمة السوقية الإجمالية للشركات المدرجة عند نحو 254 مليار ليرة، عبر 117 جلسة تداول تجاوزت فيها قيم التداول 2.4 مليار ليرة، بمتوسط 21.1 مليون ليرة للجلسة الواحدة، فيما تخطى حجم التداول 58.4 مليون سهم.

إلا أن هذه المؤشرات الإيجابية تخفي وراءها تحديات تتعلق بالسيولة وعمق السوق، فقد تركزت أكثر من 80.75 بالمئة من قيمة التداول في أربعة أسهم، تصدرها سهم «إسمنت البادية ABC» بقيمة قاربت 1.1 مليار ليرة، أي ما يعادل 45.8 بالمئة من إجمالي التداولات، بينما استحوذ قطاعا المصارف والصناعة على 99.36 بالمئة من الحركة الكلية، مقابل نشاط محدود في قطاعات التأمين والخدمات.

ويطرح هذا الواقع الاقتصادي تساؤلاً حول قدرة سوق دمشق للأوراق المالية على أداء دورها الأساسي في التحوط والحفاظ على المدخرات، سواء للأفراد أو الشركات، ومدى إمكانية توسيع قاعدة الشركات المدرجة وتطوير الأدوات المالية لجذب الاستثمارات خلال المرحلة المقبلة.

توسيع قاعدة الأوراق المالية

في تحليل لواقع البورصة ومتطلباتها لتصبح سوقاً استثمارية فعلية، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، أن السوق تحتاج في البداية إلى توسيع قاعدة الأوراق المالية المتاحة للتداول، فالمشكلة الجوهرية اليوم تتمثل في محدودية ما يمكن شراؤه أساساً، مبيناً أن السوق تضم حالياً 27 شركة مساهمة مدرجة، إضافة إلى ثمانية إصدارات من سندات الخزينة الحكومية، وهذا العدد لم يتغير جوهرياً منذ سنوات، ما يعني أن أي سيولة جديدة تدخل السوق تتجه إلى العدد نفسه من الأسهم، فتدفع أسعارها إلى الارتفاع دون أن يقابل ذلك توسع في الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، كما أن غالبية الشركات المدرجة هي مصارف وشركات تأمين، إلى جانب عدد محدود من الشركات الصناعية والخدمية، الأمر الذي يحرم المستثمر السوري عملياً من الاستثمار في قطاعات تمثل الجزء الأكبر من الاقتصاد الحقيقي، مثل الزراعة والتجارة والإنشاءات والنقل والسياحة والتكنولوجيا.

وأضاف عبد الكريم لصحيفة «الثورة السورية»، أن السوق تحتاج أيضاً إلى تطوير أدواتها وتوسيع قاعدة وسطاءها، فعدد شركات الوساطة الأعضاء لا يتجاوز ست شركات، وهو رقم لا يكفي لبناء منافسة على العمولة أو على جودة الخدمات أو الأبحاث الاستثمارية، كما أن أدوات البيع الآجل والبيع على المكشوف وإقراض الأسهم لا تزال غير مطبقة، رغم دورها المعروف في تعميق السيولة وتصحيح الأسعار، وإن كانت تحتاج إلى رقابة دقيقة قبل السماح بها في سوق ناشئة، مؤكداً أن العنصر الأكثر أهمية هو تعزيز الثقة بالعملة الوطنية والنظام المالي، فلا يمكن لأي بورصة أن تجذب مدخرات طويلة الأجل بعملة لا يثق المستثمر في قدرتها على حفظ قيمتها، وطالما بقي جزء كبير من الاقتصاد يعتمد الدولار في التسعير، فإن الاستثمار طويل الأجل بالليرة السورية سيبقى قراراً استثنائياً وليس استثماراً طبيعياً.

وأشار إلى أن العوامل المؤثرة في عمق السوق ترتبط مباشرة بالأسهم الحرة، وهي الأسهم المتاحة فعلياً للبيع والشراء بعد استبعاد حصص المؤسسين والمساهمين الاستراتيجيين الذين لا ينوون البيع، ويشترط نظام الإدراج في السوق النظامية ألا تقل نسبة الأسهم الحرة عن 20 بالمئة من الأسهم المكتتب بها، وهو حد أدنى منخفض مقارنة بالمعايير الدولية. ما يعني أن شركة قد تبدو كبيرة من حيث قيمتها السوقية، لكن الجزء القابل للتداول من أسهمها صغير جداً، فتتحرك أسعارها بصفقات محدودة الحجم وتصبح أكثر عرضة للتقلب الحاد، دون أن يكون في ذلك أي معلومة اقتصادية حقيقية.

واعتبر أن العامل الآخر يتمثل في السيولة، والتي تعني قدرة المستثمر على البيع أو الشراء بسرعة وبسعر عادل، دون أن يؤدي تنفيذ الصفقة إلى تحريك السعر، وهنا يكمن جوهر الضعف، إذ بلغت قيمة التداولات في النصف الأول من عام 2026 أكثر من 2.4 مليار ليرة، بمتوسط نحو 21.1 مليون ليرة في الجلسة الواحدة على مدى 117 جلسة، في حين بلغت القيمة السوقية الكلية للشركات المدرجة نحو 254 مليار ليرة في نهاية حزيران.

وأوضح أنه عند مقارنة قيمة التداول السنوي المقدرة بالقيمة السوقية، فإن معدل دوران السوق يقارب 1.9 بالمئة فقط سنوياً، وفق حساباته، ويعني عملياً أن أقل من سهمين من كل مئة سهم مدرج يتغير مالكه خلال عام كامل، ما يجعل السوق شبه ساكنة من حيث دوران الملكية.

وأكد الخبير الاقتصادي أن السوق تحتاج كذلك إلى إقناع الشركات الخاصة والعائلية الكبرى بالإدراج، معتبراً أن هذه القضية ليست تقنية بقدر ما هي ثقافية وتشريعية وضريبية، فالكثير من الشركات العائلية السورية تنظر إلى الإدراج على أنه تنازل عن السيطرة وفتح لدفاترها أمام الجهات الضريبية، مقابل منفعة تمويلية غير مؤكدة في سوق ضعيفة السيولة.

ورأى أن تغيير هذه القناعة يتطلب إدراجاً مربحاً فعلياً، يشمل إعفاءات ضريبية حقيقية، والسماح بإعادة تقييم الأصول بالقيمة العادلة دون فرض ضرائب عقابية على أرباح إعادة التقييم غير المحققة نقدياً، وقبول المصاريف الفعلية للشركات في ظل عدم اكتمال منظومة الفوترة، إلى جانب تبسيط إجراءات التحول إلى شركة مساهمة.

كما أن المستثمر يحتاج إلى إفصاح منتظم وموثوق، ورغم أن السوق تنشر إفصاحات الشركات بشكل شبه يومي، وقد نشرت خلال الأسابيع الماضية نتائج البيانات النصف سنوية لعدد من المصارف المدرجة، فإن الانتظام لم يستقر بعد. ولفت إلى أن إحدى الشركات المدرجة نشرت بياناتها المالية النهائية عن عام 2025 في السابع من أيلول 2026، أي بعد أكثر من ثمانية أشهر على انتهاء السنة المالية، فيما نشرت شركة أخرى نتائج بيانات الربع الأول من 2026 في مطلع أيلول، معتبراً أن المستثمر الذي يقرأ نتائج سنة كاملة بعد ثمانية أشهر لا يستثمر، بل يخمّن.

فرصة أم مخاطرة؟

وحول الاستثمار في سوق دمشق اليوم، فرصة أم مخاطرة، رأى الخبير عبد الكريم أن الفرصة الاستثمارية موجودة وكذلك المخاطرة، لكن مصدر المخاطرة الأكبر في السوق السورية يكمن في طبيعة السوق نفسها، وليس في أداء الشركات.

وأوضح أن السهم هو حصة ملكية في شركة، والقيمة السوقية للشركة هي سعر السهم مضروباً بعدد الأسهم، بينما يتكون العائد من توزيعات الأرباح النقدية التي يقرر مجلس الإدارة توزيعها على المساهمين من أرباح الشركة، مثل شركة «إسمنت البادية» التي وزعت 35 ليرة للسهم ثم 30 ليرة للسهم خلال النصف الأول من 2026، أو ارتفاع سعر السهم، أما المخاطر فهي احتمال انخفاض هذا العائد أو تحوله إلى خسارة، في حين يهدف التنويع إلى توزيع الأموال على شركات عدة وقطاعات حتى لا يؤدي تعثر واحدة منها إلى خسارة كبيرة.

ولفت إلى أن حجم التداول هو عدد الأسهم التي تغير مالكها خلال فترة معينة، وقد بلغ في السوق السورية 58.4 مليون سهم خلال النصف الأول من 2026. والفارق بين سعر الشراء والبيع هو الفرق بين أفضل سعر يعرضه مشترٍ وأفضل سعر يطلبه بائع، وهو تكلفة خفية يدفعها المستثمر في لحظة الدخول والخروج، ويتسع هذا الفارق كلما قل عدد المتعاملين.

وقد تكون الشركة ذات أداء جيد وأرباح مستقرة، لكن الاستثمار في سهمها ينطوي على مخاطر مرتفعة بسبب ضعف السيولة. فمثلاً، إذا استثمر شخص في شركة تأمين تحقق أرباحاً، ثم احتاج إلى أمواله بعد عام وقرر بيع أسهمه، فقد يواجه صعوبة في تنفيذ الصفقة إذا كان إجمالي التداول على السهم خلال ستة أشهر لا يتجاوز مئات الآلاف من الليرات الجديدة موزعة على 117 جلسة. عندها قد يبقى أمر البيع معلقاً لأيام أو أسابيع، أو يُنفذ بسعر أقل بكثير من السعر المرجعي المعلن. وفي هذه الحالة، قد تحافظ الشركة على أدائها المالي وأرباحها، بينما يتكبد المستثمر خسارة نتيجة عدم قدرته على تسييل استثماره بالسعر والوقت المناسبين. وهذه هي مخاطر السيولة، التي يرى الخبير عبد الكريم أنها تمثل في السوق السورية حالياً تحدياً أكبر من مخاطر أداء الشركات نفسها.

كما لفت إلى أن الأسعار في الأسواق قد تتحرك بصفقات صغيرة، ما يجعل المؤشر مقياساً لتصرف عدد قليل من المتعاملين، لا لقيمة الشركات، وهذا ما يفسر ارتفاع مؤشر الأسهم القيادية بنسبة 29.50 بالمئة، بينما يرتفع المؤشر العام 4.77 بالمئة فقط، فالحركة تتركز في عدد قليل من الأسهم النشطة، بينما تبقى بقية السوق ساكنة عملياً.

ورغم ذلك، أكد أن للسوق نقاط إيجابية حقيقية، فهي تعمل وفق بنية قانونية وتشغيلية متكاملة، حيث تتم التسوية في اليوم الثاني من تنفيذ الصفقة، ويُحفظ سجل الملكية إلكترونياً لدى مركز المقاصة والحفظ المركزي، إضافة إلى وجود صندوق لضمان التسوية، وهناك شركات مدرجة تحقق أرباحاً نقدية وتزيد رؤوس أموالها، لذلك فإن المشكلة الأساسية في حجم السوق وعمقها، وبالتالي فإن الاستثمار في سوق دمشق يناسب المستثمر طويل الأجل القادر على تحمل عدم التسييل، بينما لا يعد مناسباً لمن قد يحتاج ماله خلال أشهر.

أربعة أصول للمدخرات

يحتفظ السوريون بمدخراتهم على شكل نقد أو دولار أو ذهب أو عقار، وذلك لأسباب «عقلانية تماماً وليس جهلاً بالثقافة المالية». وبحسب الخبير عبد الكريم، فإن هذه الأصول الأربعة تشترك في خصائص رئيسية لا توفرها البورصة السورية، فهي ملموسة، وقابلة للتسييل الفوري في أي وقت وفي أي محافظة، ومستقلة نسبياً عن أداء المؤسسات المحلية.

فالذهب يمكن بيعه خلال دقائق لدى الصائغ، والدولار يمكن تحويله أو تداوله بسهولة، والعقار، وإن كان بطيء البيع، فهو مرئي وملموس ويحتفظ بقيمته عبر الأزمات، في المقابل، السهم هو قيد إلكتروني في سجل مركزي، ولا يمكن بيعه إلا ضمن جلسة تداول، وعن طريق وسيط، وبشرط وجود مشترٍ.

ويضاف إلى ذلك عامل الثقة المرتبط بالتجربة السابقة للسوق، فقد توقفت سوق دمشق للأوراق المالية عن التداول من 8 كانون الأول 2024 حتى 1 حزيران 2025، أي نحو ستة أشهر، وهي فترة كان فيها المستثمر يملك أسهماً لكنه غير قادر على بيعها إطلاقاً، وهذه التجربة وحدها كافية لتثبيت انطباع لدى المدخر العادي بأن الأسهم أصل يمكن أن يتجمد فجأة، بخلاف الذهب أو النقد الموجود لديه، وفقاً للخبير.

وعما يجب أن يتغير في السوق، أشار الخبير إلى ضرورة حماية المستثمر الصغير بشكل عملي، لذلك يحتاج المدخر إلى معرفة أن هناك رقابة يمكن اللجوء إليها، وأن الشكاوى تعالج خلال مدة واضحة، وأن هناك عقوبات فعلية على التلاعب بالأسعار أو الإفصاح المضلل والاستخدام غير المشروع للمعلومات الداخلية. ووجود قسم لشكاوى المستثمرين على موقع السوق يعد خطوة إيجابية، لكن بناء الثقة يتطلب شفافية أكبر حول نتائج الشكاوى والعقوبات.

فالمستثمر يحتاج للاطمئنان إلى إمكانية بيع السهم عند الحاجة. وهذا يرتبط مباشرة بالسيولة. فعندما لا يتجاوز تداول أحد الأسهم المدرجة خلال ستة أشهر قيمة تقارب 160 ألف ليرة فقط، أي ما يعادل نحو 1300 دولار بحسب سعر الصرف الرسمي، فإن الحديث عن جذب مدخرات يبقى نظرياً، وفق عبد الكريم.

وبالانتقال إلى العامل الثالث، فإن المدخر يبحث عادة عن توزيع استثماراته على أكثر من قطاع لتقليل المخاطر، إلا أن هيكل التداول الحالي في السوق يعكس تركّزاً كبيراً، إذ استحوذ القطاع المصرفي على 51.48 بالمئة من قيمة التداول، والقطاع الصناعي على 47.88 بالمئة، مقابل 0.55 بالمئة للخدمات و0.09 بالمئة للتأمين. ويعني ذلك أن المستثمر الذي يدخل السوق يوزع أمواله فعلياً ضمن نطاق محدود من القطاعات، ما يقلل من فرص بناء محفظة استثمارية متنوعة.

وخلال النصف الأول من عام 2026، وزعت ثلاث شركات فقط أرباحاً نقدية عبر أربع عمليات توزيع، بينها توزيعتان لشركة «إسمنت البادية». وتؤدي التوزيعات المنتظمة دوراً مهماً في تحويل السهم من أداة للمضاربة إلى أصل استثماري يدر دخلاً، وهو ما يمكن أن يعزز جاذبية الأسهم لدى المدخر المحافظ الذي اعتاد النظر إلى العقار كمصدر للدخل.

وتتمثل المهمة الأصعب أمام المدخر، بحسب عبد الكريم، في حماية مدخراته من تآكل القوة الشرائية بفعل التضخم، الذي يعني الارتفاع العام في الأسعار وانخفاض ما تستطيع الليرة شراءه. وبحسب بيانات غير رسمية، بلغ التضخم السنوي في آذار 2026 نحو 26.4 بالمئة.

وبالتالي، فإن جذب مدخرات السوريين إلى سوق الأسهم يحتاج إلى سوق استثمارية عملية توفر سهولة أكبر في الدخول والخروج، وتنوعاً أوسع في الخيارات، وانتظاماً أكبر في توزيع العوائد، وحماية أفضل لحقوق المستثمرين، إلى جانب حملات التوعية.

الاستثمار طويل الأجل

وحول مدى ملاءمة الاستثمار في البورصة لأصحاب المدخرات المحدودة، شدد الخبير عبد الكريم على ضرورة تكوين احتياطي مالي يغطي نفقات ستة أشهر على الأقل قبل دخول السوق، نظراً إلى أن معدل دوران التداول في السوق السورية حالياً لا يضمن للمستثمر الخروج من استثماره بسرعة عند الحاجة إلى السيولة.

كما نصح بعدم استثمار كامل المدخرات في سهم واحد، وتوزيعها على أربع أو خمس شركات تنتمي إلى قطاعات مختلفة، مع الاحتفاظ بجزء من الأموال نقداً. ويسهم هذا التوزيع في الحد من أثر تعثر أي شركة على المحفظة، مع إبقاء جزء من المدخرات متاحاً للتصرف عند الحاجة.

ورغم أن فرص التنويع لا تزال محدودة نتيجة اقتصار السوق على 27 شركة يتركز معظمها في القطاع المصرفي، فإن توزيع الاستثمار بين الشركات والقطاعات المتاحة يوفر مستوى من الحماية مقارنة بالتركيز في سهم واحد، فيما تبقى درجة التنويع محدودة قياساً بأسواق تضم مئات الشركات موزعة على قطاعات متعددة.

وفرّق الخبير بين المضاربة قصيرة الأجل، التي تقوم على الاستفادة من تحركات الأسعار خلال أيام أو أسابيع، والاستثمار طويل الأجل، الذي يستند إلى توقع نمو أرباح الشركة وقيمتها على مدى سنوات. وتزداد مخاطر المضاربة في سوق ضعيفة السيولة، لأن المضارب يحتاج إلى تنفيذ عمليات البيع والشراء والخروج من مركزه بسرعة، وهي قدرة تحد منها مستويات التداول الحالية في السوق. في المقابل، ينسجم الاستثمار طويل الأجل بدرجة أكبر مع طبيعة السوق الحالية، شرط أن تكون الأموال المستثمرة غير مخصصة لنفقات أو احتياجات قريبة الأجل.

وحدد عبد الكريم أهم المعايير التي ينبغي للمستثمر دراستها قبل اتخاذ القرار، وفي مقدمتها استدامة أرباح الشركة ومستوى مديونيتها وتدفقاتها النقدية التشغيلية، إذ قد لا يتحول الربح المحاسبي إلى تدفقات نقدية فعلية. وتشمل المعايير أيضاً سجل الشركة في توزيع الأرباح النقدية، وسعر السهم مقارنة بأرباح الشركة، وهو ما يُعرف بمضاعف الربحية، الذي يقيس عدد السنوات التي يحتاج فيها المستثمر، نظرياً، إلى استرداد قيمة استثماره من الأرباح الحالية للشركة.

كما دعا للنظر إلى حجم التداول الفعلي على السهم وعدد الصفقات المنفذة عليه، لأن هذين المؤشرين يوضحان مدى قدرة المستثمر على بيع السهم عند الحاجة، إلى جانب انتظام الشركة في نشر نتائجها المالية. ويعني تأخر الشركة ثمانية أشهر في نشر بياناتها السنوية أن المستثمر يفتقر إلى معلومات حديثة وملائمة لاتخاذ قرار استثماري مدروس.

وللتمييز بين الأنظمة المرتبطة بالتداول، أوضح عبد الكريم أن موقع سوق دمشق للأوراق المالية مخصص لعرض الأسعار والأوامر ومعلومات السوق، بينما يتولى نظام التداول الإلكتروني تنفيذ الصفقات عبر الوسطاء المرخصين.

أما التداول عبر الإنترنت فيتيح للمستثمر إرسال أوامر البيع والشراء مباشرة إلى النظام من خلال وسيط يوفر هذه الخدمة، في حين يقتصر تطبيق السوق على متابعة الأسعار والمحفظة والإفصاحات والأخبار، ولا ينفذ الصفقات.

وبالتالي، يمكن للمستثمر التداول عبر الهاتف من خلال وسيط يوفر خدمة التداول عبر الإنترنت، وهي خدمة لا تقدمها جميع شركات الوساطة.

بيئة تقنية وقانونية

وعن البنية التقنية للسوق، أوضح الخبير الاقتصادي أن سوق دمشق للأوراق المالية تمتلك بنية رقمية تشمل عرض الأسعار والأوامر وحجم التداول والإفصاحات والتقارير الدورية، إلى جانب خدمات RSS ونشرات التداول وتطبيقاً للهاتف ولعبة تداول تعليمية، ما يوفر قاعدة معلوماتية متكاملة نسبياً للمستثمر.

لكن الخبير أشار إلى فجوات في جودة البنية الرقمية وانتظامها وسهولة استخدامها. وتتمثل أبرزها في غياب البيانات الدورية عن عدد المستثمرين والحسابات النشطة، إذ يعود آخر رقم متاح، والبالغ 23,130 مستثمراً قابلاً للتداول، إلى نهاية تشرين الثاني 2024.

كما لفت إلى عدم وضوح الفصل بين خدمات المعلومات وخدمات تنفيذ الصفقات على منصات السوق، ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى الاعتقاد بأن تطبيق السوق يتيح التداول، بينما يقتصر دوره على متابعة الأسعار والمحفظة والإفصاحات.

وقدم الخبير مجموعة من الخطوات لتطوير السوق خلال المرحلة المقبلة، أبرزها تعزيز الانضباط في الإفصاح المالي وإلزام الشركات بنشر بياناتها ضمن مدد محددة، بحيث تُنشر البيانات الربعية خلال 45 يوماً والسنوية خلال 90 يوماً، مع فرض عقوبات معلنة على التأخر. كما دعا إلى تعميم التداول الإلكتروني عبر جميع الوسطاء ونشر قائمة رسمية محدثة بأسماء من يقدمون هذه الخدمة، مع مراجعة السقوف المفروضة على الحسابات الإلكترونية وإعادة صياغتها بالليرة الجديدة بصورة واضحة. وتشمل المقترحات أيضاً نشر بيانات دورية عن عدد المستثمرين والحسابات النشطة ونسب الأسهم الحرة، وزيادة نسبة الأسهم الحرة المتاحة للتداول، خصوصاً في الشركات الجديدة، لتحسين السيولة.

ودعا كذلك إلى توسيع قاعدة الشركات المدرجة، خصوصاً الشركات العائلية والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، مثل شركات الحوالات والدفع الإلكتروني والصرافة بعد تنظيمها. ورأى أن الصندوق السيادي وما آل إليه من أصول يمثل الفرصة الأكبر لتعميق سوق رأس المال، شرط تقييم هذه الأصول وإعادة هيكلتها، ثم طرح الشركات القابلة للحياة عبر السوق بشفافية، بدلاً من بقائها خارج الدورة الاستثمارية. وتشمل الخطوات المقترحة أيضاً بناء صناديق استثمارية ومؤسسات مالية طويلة الأجل، وتسهيل مشاركة السوريين في الخارج عبر قنوات مصرفية واضحة، وتطوير أدوات مالية جديدة مثل السندات وصناديق الاستثمار.

ورأى عبد الكريم أن سوق دمشق للأوراق المالية أصبحت منصة قائمة تمتلك بنية قانونية وتقنية ومركز مقاصة وتسوية في اليوم الثاني، لكنها لم تتحول بعد إلى سوق رأس مال عميقة قادرة على تمويل الاقتصاد.

الثورة السورية – نور جوخدار

شارك