هل يتيح الاقتصاد الرقمي لسوريا «القفز التنموي» وتجاوز المراحل التقليدية؟

من الواضح أن الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا يتيحان لسوريا فرصة لتجاوز بعض المراحل التنموية التقليدية واختصار الزمن اللازم لتحقيق التنمية الاقتصادية، ولا سيما في مرحلة التعافي وإعادة بناء البنية التحتية، شريطة توفير المقومات الأساسية للتحول الرقمي، وتطوير البيئة التشريعية والمالية، والاستثمار في رأس المال البشري.

القفز التنموي

يشير الخبير الاقتصادي الدكتور وائل الحسن في تصريح خاص لـ«الحرية» إلى أن مفهوم «القفز التنموي» بات يمثل خياراً مهماً أمام الدول التي تسعى إلى تسريع مسارات التنمية، إذ تتيح الحلول الرقمية تنفيذ بعض المهام وتجاوز عقبات هيكلية خلال سنوات قليلة، بدلاً من الاعتماد حصراً على مسارات تقليدية قد يستغرق تحقيقها عقوداً طويلة.

مسار لتسريع التعافي

يمكن لسوريا الاستفادة من التحول الرقمي في تطوير قطاعات اقتصادية وخدمية متعددة، من خلال تبني حلول تكنولوجية تقلل التكاليف، وتحسن كفاءة المؤسسات، وتوسع فرص العمل والاستثمار. ويبرز في هذا السياق عدد من المجالات التي يمكن أن تشكل نقطة انطلاق، في مقدمتها الشمول المالي، والحوكمة الرقمية، وتطوير المهارات البشرية، والتعليم والتأهيل المهني.

توسيع الوصول إلى الخدمات المصرفية

وفي رأي الحسن، يمثل الشمول المالي أحد المجالات التي يمكن أن تحقق فيها سوريا تقدماً عبر الحلول الرقمية، ولا سيما في ظل الحاجة إلى تطوير الخدمات المصرفية وتسهيل وصول الأفراد والمشروعات الصغيرة إلى الأدوات المالية. فبدلاً من الاعتماد حصراً على التوسع التقليدي في الفروع والإجراءات الورقية، يمكن التوجه نحو خدمات الدفع الإلكتروني عبر الهواتف المحمولة، وتطوير الخدمات المصرفية الرقمية ضمن إطار تنظيمي ورقابي مناسب.

نحو إدارة أكثر كفاءة

يشكل التحول إلى الخدمات الحكومية الرقمية أحد المسارات الممكنة لتطوير الإدارة العامة وتبسيط الإجراءات، من خلال أتمتة المعاملات وتوسيع نطاق الخدمات الإلكترونية. ويمكن أن تسهم الحوكمة الرقمية في تقليص الوقت والتكاليف المرتبطة بالمعاملات الإدارية، وتسهيل تأسيس الشركات، وتحسين الوصول إلى المعلومات والخدمات، فضلاً عن الحد من فرص الفساد، شريطة تعزيز الرقابة والشفافية وحماية البيانات.

فرص جديدة للشباب

تتيح التكنولوجيا فرصاً لتطوير نموذج اقتصادي يعتمد بدرجة أكبر على المعرفة والمهارات. وفي هذا الإطار، يمكن للشباب السوري الاستفادة من فرص العمل عن بُعد وتقديم الخدمات الرقمية للأسواق الإقليمية والدولية، في مجالات تطوير البرمجيات والتصميم والتسويق الإلكتروني والترجمة والخدمات التقنية المتخصصة.

استثمار في المستقبل

ويؤكد الحسن أن التعليم الرقمي والتدريب الإلكتروني يمثل فرصة لتوسيع نطاق التأهيل المهني والوصول إلى أعداد أكبر من الشباب، دون الحاجة إلى الاعتماد حصراً على إنشاء مؤسسات تعليمية جديدة. وتبرز أهمية هذا المسار في تسريع تأهيل الكوادر البشرية وتطوير مهاراتها التقنية.

شروط أساسية

على الرغم من الفرص التي يوفرها الاقتصاد الرقمي، فإن تحقيق قفزة تنموية مستدامة يتطلب معالجة تحديات هيكلية، تأتي البنية التحتية للطاقة والاتصالات في مقدمتها، إذ يتطلب بناء اقتصاد رقمي توفير كهرباء مستقرة وشبكات إنترنت سريعة وواسعة التغطية. كما تبرز الحاجة إلى تحديث القوانين المتعلقة بحماية البيانات الشخصية والتجارة الإلكترونية والأمن السيبراني والمدفوعات الرقمية.

خارطة طريق

ويؤكد الحسن أن التحول الرقمي في سوريا يتطلب تسريع وضع استراتيجية متكاملة تحدد الأولويات، وتربط الاستثمار في التكنولوجيا باحتياجات الاقتصاد والمجتمع. ويمكن التركيز على مسارات أساسية أبرزها دعم الخدمات الرقمية والأنشطة الأقل اعتماداً على رأس المال، وتعزيز بيئة ريادة الأعمال والشركات الناشئة، وتوسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والاستثمار في الطاقة المتجددة للبنية التحتية الرقمية، وتطوير المهارات الرقمية وربط التعليم بسوق العمل.

فرصة مشروطة

وفي الختام، يمثل الاقتصاد الرقمي فرصة أمام سوريا لتسريع بعض مسارات التنمية والاستفادة من الكفاءات البشرية وتطوير الخدمات المالية والحكومية. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى نتائج ملموسة يتطلب العمل بالتوازي على توفير البنية التحتية، وتحديث التشريعات، وتطوير الخدمات المالية، وتعزيز التدريب والابتكار. وبذلك، فإن القفز فوق بعض المراحل التنموية التقليدية لا يعني تجاوز متطلبات التنمية الأساسية، بل الاستفادة من التكنولوجيا لتوظيف الموارد المتاحة بكفاءة أكبر.

الحرية – مركزان الخليل

شارك