كيف نعبد طرق وصول حوالات المغتربين إلى سورية؟! … المستفيدون سماسرة وصرافون وشركات في الخارج

يفقد مرسل الحوالة ومستلمها نحو 57 بالمئة من قيمتها في حال تم التحويل عن طريق شركات التحويل النظامية والمرخصة، لأن قيمة الحوالات المالية تبعاً لتسعيرة المركزي تصرف بسعر 1256 ليرة للدولار، حسب نشرة المصرف المركزي، في حين تصرف بالقنوات غير الرسمية أو المرخصة بنحو 2900 ليرة للدولار!
الخبير المصرفي عامر شهدا يقول إن معظم التحويلات ترد إلى لبنان وتركيا، وإن المؤسسة اللبنانية والتركية متعاقدة مع أشخاص ضمن سورية يدفعون قيمة الحوالات لأصحابها بالليرة السورية بعد اقتطاع العمولة، وفي هذه الحالة يتم استنزاف أموال المغترب وخسارة الخزينة موارد قطع بمبالغ طائلة!
قد يكون للقائمين على إدارة القطع في البلد مبرراتهم، ولكن هل عجزوا عن إيجاد طريقة لاستقبال الحوالات!؟ أو إيجاد حل وسط لسعر الحوالة؟

قلق بالغ!

رانيا محمود مقيمة في الخارج تقول إنها تضطر أن تحوّل لعائلتها في سورية بشكل شهري، ولا تستطيع التحويل عبر المكاتب الرسمية بسبب سعر الصرف المتدني للدولار. تضيف محمود: إنهم بكل الأحوال لا يستطيعون الاستلام بالعملة نفسها بسبب العقوبات المفروضة على من يتداول بالعملة الصعبة، عدا عن أنها تدفع ضريبة تحويل من البلد الذي تقيم فيه، ويتم خصم مبلغ كضريبة أيضاً من قبل المكتب فلا يصل نصف المبلغ الواجب استلامه إلى عائلتي.
وعندما يصل المبلغ إلى المندوب يصبح هو المتحكم بزمان ومكان التسليم ولا اعتراض لي أو لعائلتي لأنه لا يوجد إيصالات أو ما يثبت الحوالة بينها وبينه، وهي عبارة عن مكالمة عبر الانترنت تستخدم فيها أرقام وأسماء وهمية.
لتكون الخلاصة العيش بقلق بالغ ريثما يتم التسليم في مغامرة نخوضها كل شهر لكن لا خيار آخر لدينا!

ضياع المليارات

الخبير المصرفي عامر شهدا يؤكد لـ«الوطن» أن المعلومات أصبحت أكثر من معروفه لدى الجميع وبالأخص أصحاب القرار، أن حوالات المغتربين السوريين في أوروبا تخضع لابتزاز لا يمكن احتماله وتفوت الكثير من الأموال على المغتربين وعلى الخزينة السورية.
وسنطرح هنا ما وردنا وهو أن هناك ما ينوف على 4900 طبيب سوري في ألمانيا يقومون بالتحويل لعائلتهم في سورية مبالغ شهرية تعينهم بمعيشتهم. وأن هؤلاء يخضعون للابتزاز دائماً، حيث يدفعون عمولات 50 بالمئة من مبلغ التحويل حتى يصل إلى سورية. وزيادة على ذلك فقد روى لنا أحد الأطباء أنه يحول لوالده المتقاعد 150 يورو شهرياً فيضطر والده عند قبضها أن يدخل مناطق مأزومة في حلب ليقبض المبلغ حيث يستلمه 70 يورو فقط!
يضيف الخبير شهدا إن معظم التحويلات ترد إلى لبنان وتركيا، وإن المؤسسة اللبنانية والتركية متعاقدة مع أشخاص ضمن سورية يدفعون قيمة الحولات لأصحابها بالليرة السورية بعد اقتطاع العمولة، فالقطع المحول لا يدخل الأراضي السورية وفي الوقت ذاته يقومون بتحويل الأرصدة التي تجمع لهم في لبنان إلى دول خارجية، وفي هذه الحالة يتم استنزاف أموال المغترب وخسارة الخزينة موارد قطع بمبالغ طائلة.
يتساءل الخبير شهدا: هل عجزنا عن إيجاد طريقه لاستقبال هذه الحوالات؟ أو عن إيجاد حل وسط لسعر الحوالة؟
وبحسبة اقتصادية يؤكد شهدا أنه عندما يحول المغترب 100 يورو يحسم منها عمولة 50 يورو على فرض كان سعر صرف اليورو بالسوق السوداء 3000 ليرة سورية، وعوضاً عن أن يقبض صاحب الحوالة مبلغ قدره 300 ألف ليره يقبض 150 ألف ليره ويخسر 150 ألف ليره سورية! على اعتبار أن المصرف اعتمد سعر 2700 ليره لصرف اليورو، وتم التحويل عن طريق مكتب متفق معه.
فبعد حسم عمولة نسبتها 20% يدفع للمستفيد قيمة 80 يورو على سعر 2700 ليرة، ويقبض المستفيد 216000 ليرة. ويعتقد أن الجميع سيرغب في ذلك. وأن هذا الأمر يطرح سؤالاً: كيف ستدخل الأموال المجمعة في المكتب المتفق معه إلى سورية في ظل العقوبات؟

ما الحل؟

وعن الحلول المقترحة قال الخبير شهدا إنه ليس من الضروري دخول هذه الأموال إلى سورية أو استلام العملة، وإنما يتم وضع إجراءات كأن يقوم المركزي بتحرير كتاب يوجه فيه المكتب أن يحول الأموال كقيم بضائع مستورده لسورية، ويمكن أن يتم ذلك عن طريق الاتفاق مع ممثلي الطلاب بالخارج والمرتبطين مع الاتحاد الوطني لطلبة سورية على أن يتم فتح مكتب للتحويل، واستخدامها في تمويل استيراد المواد الأولية للصناعات الدوائية والأعلاف ومواد أخرى، ويجري تحويلها من دول يوجد فيها المكتب إلى الدولة المصدرة، وبهذه الحالة نخفض الطلب على الدولار في السوق السورية ونخفض تكاليف التحويل، ونخفض التكلفة، فتنخفض أسعار المنتج، وفي الوقت ذاته ترتفع القوة الشرائية لليرة السورية. ونخفف من خسارة المغترب ونمنع ابتزازه ونخلق حالة أمان عند استلام المبلغ، إضافة إلى رفع الثقة بالمصارف السورية.
وتمنى شهدا على المعنيين دراسة آلية لاستلام تلك الحوالات بطريقة تحقق مصالح الجميع.

رغم الإجراءات المشددة

بينما يرى الخبير الاقتصادي والصناعي شادي دهام أنه مع فقدان البلاد لمصادر إيراداتها التقليدية من القطع الأجنبي بسبب الحرب والعقوبات الخارجية، باتت الحوالات المالية الخارجية للمغتربين في مناطق مختلفة من العالم المصدر الرئيسي، ويكاد يكون الوحيد أحياناً لإيرادات البلاد من القطع الأجنبي وخاصة بعد ضعف الصادرات وانعدام السياحة.
وتكمن أهمية التحويلات أنها تبلغ حجماً مهماً من الاقتصاد الوطني لا يستهان به، ويزيد من أهميتها الوضع الراهن حيث إن الداخل السوري يعاني من مشكلة نقص القطع الأجنبي.
أضاف دهام: إن «مصرف سورية المركزي» دعا المواطنين لعدم استلام الحوالات من أشخاص مجهولي الهوية أو في الأماكن العامة، وشدد على ضرورة استلامها عبر شركات الصرافة المرخصة أصولاً، تحت طائلة ملاحقتهم قضائياً، وقد تم إيقاف عمل 6 شركات للحوالات المالية الداخلية عن عملها مؤقتاً خلال العام الفائت، بسبب «مخالفات جسيمة ومتكررة» تضمنت المضاربة على سعر صرف الليرة، وتنفيذ عمليات صرافة غير مرخصة.
وتصرف الحوالات المالية الواردة حسب نشرة مصرف سورية المركزي الحالية بقيمة 1256 ليرة للدولار الواحد في حين تصرف الحوالات المالية الواردة بالقنوات غير الرسمية وغير المرخصة أصولاً بحوالي 2900 ليرة للدولار الواحد أي يفقد مرسل الحوالة ومستلمها نحو 57 بالمئة من قيمتها في حال تم التحويل عن طريق شركات التحويل النظامية والمرخصة.
أضاف الخبير دهام: إنه عندما يُسعّر الدولار حسب نشرة مصرف سورية المركزي بأقل من نصف قيمته فإن عمليات تحويل الأموال ستتم بطرق غير شرعية، وستذهب الدولارات للمضاربين، مهما كانت الإجراءات مشددة.
ودعا الخبير دهام إلى ضرورة قيام «مصرف سورية المركزي» بوضع سياسات تشجيعية، لزيادة التحويلات الواردة عبر القنوات الرسمية، أبرزها تسليم الحوالات المالية الواردة إلى سورية بسعر الدولار الرائج في السوق، وأن يُعلن عن السعر الرائج يومياً، وتسليم الحوالات المالية بالسعر الرائج في السوق يكون بديلاً عن اللجوء لتشديد القبضة وكاميرات المراقبة والتحذيرات المستمرة من استلام الحوالات عبر أشخاص مجهولين بطرق غير قانونية.
الخبيرة الاقتصادية الدكتورة لمياء عاصي: صدر المرسوم رقم 3 الصادر في الـ18/1/2020، وقضى بتشديد عقوبة المتعاملين بغير الليرة السورية كوسيلة للمدفوعات أو أي نوع من أنواع التداول التجاري، وكذلك المرسوم رقم 4 القاضي بتشديد عقوبة إذاعة أو نشر وقائع ملفقة أو مزاعم كاذبة أو وهمية لإحداث تدن أو عدم استقرار في أوراق النقد الوطنية.

لم تكبح

عندما صدر المرسومان 3 و4 كان سعر الصرف بحدود 1100 ل.س للدولار في السوق الموازية، وكان السعر الرسمي للدولار 436 ل.س، ثم أعلن البنك المركزي عن سعر تفضيلي 700 ل.س للدولار.
اليوم في 18/1/2021 وبعد انقضاء سنة على هذين المرسومين، يبلغ سعر الدولار الرسمي 1256 ل.س أي ثلاثة أضعاف سعره في عام 2020، وكذلك في السوق الموازية فإن سعر الدولار بلغ أيضاً نحو ثلاثة أضعاف، هذا دليل قاطع بأن الإجراءات الزجرية والقوانين لوحدها لا تكبح جماح ارتفاع سعر الصرف ما لم تكن مترافقة بإجراءات نقدية من شأنها المساعدة في السيطرة على سعر الصرف، وحتى يتمكن المركزي من القيام بأي إجراءات يجب أن يكون لديه احتياطيات قوية، وتعتبر حصيلة الحوالات الخارجية من العملات الخارجية مهمة جداً في ترميم الاحتياطيات من العملات الأجنبية من جهة وحرمان السوق لموازية من كميات كبيرة من العملات الأجنبية التي من شأنها أن تستخدم في المضاربة من جهة أخرى، الفجوة الكبيرة في سعر الدولار بين المركزي والسوداء، جعلت المواطن يغامر باللجوء إلى السوق السوداء للحصول على قيمة حوالته بسعر يمكنه من تلبية بعض متطلباته من السلع الأساسية التي يدفع ثمنها حسب السوق السوداء للدولار الذي يفوق ضعف سعر المركزي، من يستفيد من هذا الوضع؟ هم الصرافون في السوق السوداء ويحرم البنك المركزي من عائدات دولارية تشكل رقماً مهماً، الواقع يقول: إنه بين سعر رسمي منخفض وسعر سوق سوداء مرتفع، وبين مجازفة كبيرة بمساءلة قانونية وملاحقة قضائية يبقى المواطن السوري هو الضحية الأساسية.

الوطن

شارك