بعد رفع أسعار حوامل الطاقة.. مقتضيات المرحلة تستدعي من قطاع الأعمال إثبات وجوده كـ “شريك حقيقي” للحكومة!

في وقت نتفهم فيه تحفظ المواطن على رفع أسعار مادتي المازوت والبنزين، نبين أنه لا يمكن لأي اقتصاد وطني أن يمتن أواصره ويحقق أعلى معدلات نموه دون أن يتضافر كل من قطاعيه العام والخاص في وحدة متكاملة لا يطغى فيها أو يتعدى إحداهما على الآخر، ليستطيعا السير بتناغم وانسجام بما يحقق المصلحة العامة، وذلك من خلال قيام الأول بالتخطيط الاستراتيجي ضمن رؤية واضحة تحدد مسار الثاني ويشرف عليه وتضبط حركته ونشاطه الاستثماري والتجاري – لاسيما بعد حصوله على الكثير من المزايا التشجيعية – حتى لا يخرج عن القوانين والأنظمة النافذة، ولا يقع، بالوقت نفسه، في مطب الطفل المدلل ويتحول تدريجيا إلى طفيلي جبان، وبذلك يكون عمل كلا القطاعين متوازنا بموجب معادلة تخول كل قطاع أن يقوم بدوره المنوط به.

معادلة ولكن! 

لكن هذه المعادلة تفقد في كثير من الأحيان توازنها واستقرار كفتي ميزانها المتأرجحتين يمينا ويسارا دونما الأخذ بعين الاعتبار ما سيحققه كل طرف، وما يتمخض عن ذلك من تجاوزات من العيار الثقيل، ليس أولها فتح أبواب الرشاوى والدفع من تحت الطاولة وفوقها، وليس آخرها حالات الاحتكار الكبرى وما جلبته من أرباح تقدر بالمليارات وليس بمئات الملايين، حسب ما أكده بعض العارفين بخفايا الصفقات المشبوهة.

غير صحي 

هذا الوضع غير الصحي أضاع – وسيضيع في حال استمراره – أموالا بأرقام فلكية على الخزينة العامة من جهة، وألحق الضرر بالمستهلك (وهو الضحية الأولى) جراء ما اقترفه ويقترفه حيتان السوق المحلية، ما حدا ببعض الغيورين على المصلحة العامة بالمناداة إلى إعادة النظر بالدور الذي حظي به القطاع الخاص ونتجت عنه أضرار لامست لقمة عيش المواطن، من جهة استيراده للمواد الأساسية اليومية خاصة الغذائية منها.

ويرى هؤلاء الغيورون أن دواعي المصلحة العامة تقتضي أن تسحب الدولة البساط من تحت القطاع الخاص الذي لم يكن أهلا في مهمته وتكامله مع نظيره العام، وأن تأخذ الدولة دوره باستيراد المواد والسلع الأساسية، وإن كان ذلك على حساب نهج اقتصاد السوق الذي اعتمدناه سبيلا لاقتصادنا الوطني، خاصة وأن الدولة لديها إمكانيات كبيرة للقيام بذلك من خلال مؤسساتها العامة والمتخصصة، فبإمكان مؤسسة “عمران” أن تتولى تأمين مواد البناء بأسعار منافسة وجودة عالية، و”المؤسسة السورية للتجارة” قادرة على تأمين المواد الغذائية الأساسية اليومية بطريقة تراعي وضع المستهلك المادي والاجتماعي، وكذلك “المؤسسة العامة للتجارة الخارجية” تسد حاجة السوق من الأدوية الإستراتيجية التي لا تُصنّع محليا، وغير ذلك مما له علاقة بحياة المواطن وحاجياته الأساسية، وبذلك تكون قد راعت مصلحة المستهلك وحالت دون وقوع تجاوزات قطاع آثر مصلحته على المصلحة العامة.

صيغة توافقية 

لكن، في المقابل، يرى البعض أن القطاع العام له تجاوزاته التي لا تنتهي من تواطؤ ضعاف النفوس من المتنفذين مع الجشعين من التجار، وإن تقليص دور القطاع الخاص “ليس حلا يستطاب به”، ما يعني ضرورة التوصل لصيغة توافقية تضبط إيقاع العمل؛ فلا الخاص يتمرد على القوانين والأنظمة، ولا العام يغرق في تعقيدات روتين وبيروقراطية معاملات وعقود الاستيراد.

وفي هذا السياق يرى بعض  الاقتصاديين أن تدخل الدولة وتكفلها بتأمين واستيراد المواد الأساسية للمستهلك لن يقطع دابر الاحتكار، فلا شيء يضمن أن لا يدخل المحتكرون على خط شراء ما تستورده الدولة بأساليب ملتوية واحتكاره كيفما يشاؤون، فضلا عن أن قيام الدولة بهذا الدور يشتت جهودها ومواردها بالقطع الأجنبي، معتبرين أن الحل الأفضل هو زيادة عدد مستوردي المواد الأساسية (لاسيما الغذائية منها، وبشكل خاص مستوردي السكر) وذلك من خلال تسهيل شروط الاستيراد الذي من شأنه زيادة عدد المستوردين، وبالتالي زيادة العرض وتحقيق المنافسة بالسعر والنوعية، إلى جانب تطبيق معايير صارمة للرقابة على المستوردات.

في المقابل، يرى البعض الآخر أنه لا يمكن إلغاء دور القطاع الخاص، خاصة في هذه المرحلة التي تستوجب إثبات وجوده كشريك وطني حقيقي، لكن يمكن أن تقوم الدولة باستيراد بعض المواد الأساسية الغذائية عن طريق “السورية للتجارة” من خلال تخصيص القطع الأجنبي لها والشراء من المصدر مباشرة، وطرحها في مراكزها بأسعار مناسبة وبهامش ربح معقول ومنطقي. وهنا يكمن الدور الإيجابي والمنافس لها بحيث تؤمن السلع بالأسواق بما يعادل الطلب عيها، وتمنع بالتالي الاحتكار ورفع الأسعار من قبل ضعاف النفوس. ولتحقيق ذلك لابد من إعطائها المرونة الكافية لاستيراد السلع والمواد الأساسية بالسرعة الكلية وتأمين السوق عند الحاجة.

لعل الحل يكمن بعدم لجم القطاع الخاص عن ميدان الاستيراد، وأن يكون له حصة من كعكته، وبنفس الوقت تقوم الدولة عبر مؤسساتها التجارية – بعد إعطائها المرونة المطلوبة – بالاستيراد من المصدر مباشرة عن طريق عقود التراضي، لاسيما أنها غير عاجزة عن ذلك وتمتلك الإمكانيات الكبيرة التي تخولها التدخل مباشرة في السوق وتحقيق المنافسة مع القطاع الخاص ومنعه من الاحتكار بطرق مباشرة وغير مباشرة، دون أن يبقى نشاطها محصورا في هامش ضيق وإجبار المستورد أن يبيعها ما نسبته 15% من تجارته بسعر التكلفة خاصة لمادتي السكر والرز.

آخر القول 

ثمة إجراءات نعتقد أن على الجهات المعنية اتخاذها في حال إصرارها وتمسكها بالقطاع الخاص وقناعتها بسيرورة عمله، ولعل أولها بعد السماح لكل راغب بالاستيراد تطبيق معايير صارمة للمستوردات وتدقيق إجازات الاستيراد لتحديد الأسعار بالنسبة للمستهلك وفقا لسعر الاستيراد الحقيقي، إلى جانب تفعيل دور “هيئة المنافسة ومنع الاحتكار” لاسيما وأننا نسعى لاعتماد اقتصاد السوق. وأخيراً، وليس آخراً، استئصال كل بؤر الفساد ورموز الصفقات التجارية المشبوهة، وعندها يمكن بالفعل أن يكمل قطاعنا الخاص نظيره العام.

البعث

شارك